تظاهرات العراق العفوية ومحاولات ركوبها

تظاهرات العراق العفوية ومحاولات ركوبها

قبل أربعين يوماً اجتمع عدد من الناشطين العراقيين وسط العاصمة بغداد لبحث كيفية تنظيم تظاهرات للمطالبة بالإصلاح والخدمات. وبعد أيام، وبالتحديد يوم الجمعة في 31 يوليو، خرجت أول تظاهرة في ساحة التحرير.

 

اعلان


تظاهرات ومخاوف

التظاهرة الأولى بدأت بأربعة آلاف متظاهر، ولكن زخم الحركة تصاعد وصولاً إلى تظاهرات نهار الجمعة الرابع. وفي المقابل، أطلق رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي حزمة إصلاحات، فألغى مناصب نواب رؤساء الجمهورية ومجلس الوزراء والبرلمان، ودمج عدداً من الوزارات، وخفّض عدد عناصر المواكبة الأمنية للوزراء ومستشاريهم.

 

لدى الناشطين المدنيين العراقيين تخوف من احتمال ركوب إحدى الجهات السياسية أو المسلحة موجتهم واستغلال التظاهرات لمصالح خاصة بها. لكن مع كل يوم جمعة، تتبدد تلك المخاوف بسبب المشاركة الجماهيرية الكبيرة في ساحة التحرير، واقتصار المشاركين على رفع العلم العراقي.

 

الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر الذي يتزعّم "كتلة الأحرار" النيابية (30 مقعداً في مجلس النواب) وله عدد من الوزراء، دعا أنصاره إلى الذهاب إلى ساحة التحرير اليوم، للتعبير عن رفضهم لسوء الخدمات والتقاعس الحكومي المستمر تجاه المواطن العراقي.

 


مع دعوة الصدر للتظاهر وتأييد جميع الكتل السياسية لهذا الحراك الشعبي في البلاد، تُطرح في الشارع العراقي بضعة تساؤلات يمكن تلخيصها بالتالي: الصدر والجميع لديهم وزراء ونواب، فلماذا لم يدفعوا باتجاه إصلاح حقيقي وتنفيذ المشاريع بشكل متقن على أرض الواقع قبل الخروج في تظاهرات؟

 

ماذا يريد الصدريون؟

قال لرصيف22 الشيخ صلاح العبيدي، المتحدث باسم التيار الصدري إن "أتباع التيار الصدري هم جزء من هذا الشعب العراقي، وعانوا صعوبات كبيرة قبل 2003 وبعدها. ودعوة الصدر للتظاهر هي خطوة باتجاه دعم التظاهرات بشكل أكبر، وإعطائها زخماً جماهيرياً يُساعد في تشكيل ضغط أكبر لتنفيذ الإصلاحات".

 

وأضاف: "ليس بنية التيار الصدري تبني التظاهرات، فالشعب هو من قرر الخروج. وعلينا أن ندعمه بشكل كبير، من أجل أن يأخذ حقوقه ويحصل على الخدمات ويكون جزءاً من الشعوب التي تعيش وضعاً إنسانياً جيداً".

 

وأشار إلى أن "السيد الصدر لم يدعُ إلى أي شيء يخالف التظاهرات، فأكد أهمية أن يكون العلم العراقي هو الوحيد الذي سيُرفع، كما أكد أن الشعارات يجب أن تكون عراقية وليست مذهبية أو طائفية أو قومية".

 

ويبدو أن هذه التطمينات التي طرحها التيار الصدري المعروف بقوته وحجم الجماهير التي تؤيده، ستقلل من مخاوف المتظاهرين المدنيين في بغداد، خاصة أن مشاركة الصدريين ستقتصر على العاصمة العراقية.

 

حراك طبيعي سيستمر

وقال لرصيف22 مؤيد الطيب، أحد أبرز الوجوه المشاركة في تظاهرات ساحة التحرير، إن "التظاهرات التي خرجنا بها مستمرة كل يوم جمعة. هي حراك طبيعي لأي شعب يواجه مصير الخطر بعدما عملت طبقة سياسية خلال 12 عاماً على إفراغ البلد من أمواله ووضعته في مآزق اقتصادية وأمنية وسياسية، لذا تظاهرنا ونتظاهر من أجل الإصلاح ومحاسبة كل مَن يريد أن يستمر في سرقتنا".

 

وتابع: "الوضع في العراق لم يعد يحتمل السكوت أكثر، فلا خدمات ولا رعاية صحية ولا تعليم جيد ولا حقوق للمواطنين، بالإضافة إلى الفساد الكبير في مؤسسات الدولة وهروب عدد من المسؤولين بالأموال خارج البلاد، عدا غياب الرقابة والمحاسبة".

 

تظاهرات العراق العفوية

 

ولفت الطيب إلى أن "التظاهرات مستمرة إلى حين تطبيق الإصلاحات بشكل حقيقي، واستمرارها يهدف إلى الضغط على الحكومة للتنفيذ وعلى الكتل السياسية حتى لا تتدخل وتعرقل مساره الإصلاح".

 

خصوم المتظاهرين يؤيدونهم

الغريب في هذه التظاهرات أن الكتل السياسية التي تمتلك وزارات ووكلاء وزراء ومسؤولين في مؤسسات الدولة، جميعها تؤيدها، برغم وجود إمكانية سابقة وحالية لإصلاح الوضع عبر وزرائها ونوابها داخل المؤسسات. لكن هذه القوى أيقنت أن خطورة الشعب العراقي عليها بدأت تقترب، فسارعت لتكون أشبه بالراعي الرسمي لهذا الحراك المدني.

 

النائب عن ائتلاف كتلة المواطن التابع للزعيم الشيعي عمار الحكيم، محمد اللكاش، قال لرصيف22: "هناك شخصيات سياسية حكمت العراق خلال السنوات الماضية واستغلت ثرواته لمصالح حزبية وشخصية، ولم تقم بإنجاز مشاريع خدماتية للمواطن، فكانت النتيجة محافظات مُحتلة من قبل داعش، وتهجير ووضع اقتصادي متردٍ".

 

وحمّل اللكاش رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي مسؤولية وصول العراق إلى ما هو عليه الآن، "لعدم استماعه إلى توصيات المرجعية الشيعية في النجف الأشرف، ومحاولة التفرد بالسلطة وعدم محاسبة الشخصيات المفسدة التي كان يهدد بكشفها".

 

وأضاف أن "الترشيق الوزاري الذي أعلنه رئيس الحكومة حيدر العبادي يحتاج إلى إلغاء عدد من الوزارات، لتكون الكابينة محدد بعشر وزارات فقط، ولكي لا يكون بعضها باباً للفساد المشرعن".

 

ومنذ عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين، صرف العراق تريليون دولار أمريكي (مجموع الموازنات العامة)، لكن هناك أكثر من 600 مليار دولار لا أحد يعرف مصيرها، ولم تُنفذ مئات المشاريع التي أُعلن عنها سابقاً، بالإضافة إلى عدم وجود قائمة الحسابات الختامية لتلك الموازنات لأعوام عدّة برغم مطالبات البرلمان المستمرة بأهمية الكشف عنها.

 

الحراك يربك المسؤولين

الحراك خلق حالة من الإرباك داخل التحالف الوطني (الشيعي)، فتوزّع أعضاؤه بين مؤيد ومعارض له. وبعد أن كان يختلف على ولاية المالكي الثالثة أصبح الآن مختلفاً على الحراك. فالبعض يراه شعبياً خالصاً، والآخر يخوّنه ويعتقد أن أجندات خارجية تقف وراءه.

 

النائبة عن حزب الدعوة الإسلامية، فاطمة الزركاني، قالت لرصيف22: "من حق المواطن العراقي المطالبة بالإصلاحات وتوفير الخدمات، وعلى الحكومة والبرلمان أن يقوما بدوريهما تجاه تلك المطالب، وتنفيذها بشكل حقيقي".

 

وأضافت: "هذا الحراك حالة صحية في بلد ديمقراطي، شرط أن لا يُسيس وأن لا يستخدم كأداة من قبل بعض الجهات لتحقيق مصالح حزبية وفئوية".

 

التظاهرات التي توسعت خارج حدود بغداد انطلقت شرارتها قبل شهر ونصف الشهر من محافظة البصرة، وهي المحافظة الأغنى في العراق لما تمتلكه من مخزون نفطي كبير، وامتدت إلى جميع محافظات الجنوب والوسط، ولم تنته حتى اللحظة، فكل من يتظاهر مصرّ على البقاء إلى حين الإصلاح الحقيقي.

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

كلمات مفتاحية
العراق الفساد

التعليقات

المقال التالي