بيروت: لماذا كل هذا العنف؟

بيروت: لماذا كل هذا العنف؟

لم يبق وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق على وعده الذي قطعه يوم 23 أغسطس. فبعد ليلة دامية قضاها المعتصمون في 22 الشهر الجاري في ساحة رياض الصلح، أمر قوى الأمن الداخلي بوقف إطلاق النار في الهواء وعلى المتظاهرين، والرصاص المطاطي، وأعطى تعليمات بالسماح للمحتجين بمواصلة تحركهم تحت سقف القانون ما دام هذا التحرك سلمياً، وأينما كان، من دون استعمال العنف.

لكن العنف استخدم في اليوم نفسه، ليل الأحد، حين اندلعت اشتباكات بين بعض المتظاهرين والقوى الأمنية، استخدمت عناصر مكافحة الشغب خلالها الحجارة ‏والقطع الخشبية ضد المعتصمين، كما تم إطلاق الرصاص في الهواء.

مساء 25 أغسطس، عاش المعتصمون أعنف ليلة منذ بدء تحركهم، اشتباكات عنيفة بين بعض المعتصمين وقوات الأمن، جعلت ساحة رياض الصلح أشبه بساحة معركة.

فقد استخدمت قوى الأمن وعناصر مكافحة الشغب عنفاً مفرطاً، بعد رمي بعض المتظاهرين البنزين على الأرض لمحاولة إحراق الأسلاك الشائكة. فجأة بدأ الجميع يركضون وانهالوا على كل من صادفوه في طريقهم، بالضرب المبرح: ناشطون، صحافيون، مواطنون. لم يسلم أحد من الضرب، فوقع عدد من الجرحى ربما أشهرهم الناشط الشاب أيمن مروة.

كذلك اعتقلت قوات الأمن عدداً كبيراً من الموجودين في الساحة، وطاردتهم حتى خارج ساحة رياض الصلح، وصولاً إلى مدخل شارع الجميزة. وتناقل النشطاء، الذين اعتصموا بعد منتصف الليل أمام عدد من المخافر مطالبين بإطلاق سراح زملائهم، وعددهم نحو 25، بالإضافة إلى 5 ليسوا موجودين في مراكز الإيقاف هم: محمد غازي موسى، بلال حلّال، عباس برو، مصطفى صفا، وعلي حرفوش.

صفحة مجموعة طلعت ريحتكم على Facebook، نشرت أسماء المعتقلين وتضامنت مع من تعرّض لهذا الكم من العنف، لكنها ليست معنية بشكل مباشر، كمجموعة، بالتحرك. فهي بعد أحداث يوم الأحد 23 أغسطس، قررت تأجيل تحركاتها حتى السبت المقبل 29 أغسطس.

أما الاعتصامان اللذان جريا يومي الاثنين والثلاثاء، فكانا بدعوة من مجموعة أخرى هي "بدنا نحاسب"، التي ارتأت أن ترك الساحة الآن لن يفيد، فقرروا المضي بالدعوة إلى التظاهر بمعزل عن المجموعة الأولى، شاركهم في ذلك عدد من المواطنين والأفراد المستقلين ومجموعة أخرى تشكلت حديثاً هي مجموعة "عالشارع" المجموعة الأخيرة، هي جزء من التحرّك الشعبي المنتفض ضد السلطة بكل أقطابها، تساند الحملات والمجموعات الأخرى في ساحة رياض الصلح والمناطق المختلفة. هكذا تعرف عن نفسها، وهي انطلقت بسبب اختلافها الكبير سياسياً عن مجموعة بدنا نحاسب.

صباح اليوم، عقدت حملة "بدنا نحاسب"، مؤتمراً صحافياً، تحدّث خلاله مازن حطيط، وهو أحد الحقوقيين الذين تابعوا ملف المعتقلين وزار المخافر ليلاً، قال فيه إن "عدد المحتجزين وصل إلى أكثر من 50 شخصاً بعضهم مصاب بسبب الضرب". وأكد أن "القوى الأمنية أخضعت المحتجزين لفحوص طبية للاشتباه بتعاطيهم المخدرات". بينما أكدت القوى الأمنية في بيان أن عدد المعتقلين لديها هو 48، أخُلي سبيل معظمهم، وبقي 18 رهن التحقيق.

في حديث لـرصيف22، أشارت الناشطة وإحدى منظمات مجموعة "بدنا نحاسب" نعمت بدر الدين، إلى أن "عناصر الأمن ومكافحة الشغب هجموا على الموجودين في الساحة من دون تمييز، بعد مرور نحو ساعة ونصف من أعمال الشغب التي قام بها بعض المتظاهرين، وليس فوراً، وهذا يثير استغراباً، كما نفذوا اعتقالات عشوائية لأشخاص لم تشارك في أي شغب". وقالت إنها "زارت جميع مراكز التوقيف في بيروت بحثاً عن الشباب المفقودين، ليتم توثيق أسمائهم وإبلاغ عائلاتهم، ومساعدتهم، فتبين لنا أن هناك أشخاص قاصرون من بين الموقوفين، منهم من لم يتعدى الخامسة عشرة من عمره".

أما عن المصابين، فصحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي تحدثت عن إصابة أيمن مروة، إلا أن بدر الدين، أكدت "وجود إصابات أخطر، منهم مثلاً علي جبق، الموجود في مستشفى الجامعة الأميركية، وقد فقد عينه". وأضافت: "اكتشفنا اليوم أن عدداً من الشباب المفقودين موجود لدى استخبارات الجيش، فرع مكافحة الشغب في بيروت، إذ بعد أن اتهمنا أفراد قوى الأمن بإخفاء عدد من المعتقلين اضطروا إلى إخبارنا عن مكان تواجد الشباب ليبرّأوا أنفسهم من هذه التهمة".

زينب ترحيني، الصحافية في جريدة السفير، كانت في الساحة أيضاً، شاهدت كل شيء، وشهدت على ما أسمته "حقد قوى الأمن على المتظاهرين والصحافيين"، الذي تجلّى في "الطريقة العنيفة جداً التي تم التعامل بها مع الشباب".

أكدت زينب لـرصيف22 أنه "بعد الساعة التاسعة مساء، حين فُض الاعتصام رحل تقريباً جميع مراسلي القنوات التلفزيونية ما عدا مراسلي قناتي المنار والميادين، وحصلت اشتباكات بين متظاهرين والقوى الأمنية بعد ذلك، فتم قطع الكهرباء عن المنطقة". تضيف زينب: "حينذاك لم أعد أرى جيداً، لكن أصدقائي الذين كانوا معي، أكدوا لي أنهم سمعوا القوى الأمنية تأمر مراسل المنار بالرحيل سريعاً، لتبقى بذلك الساحة خالية من جميع وسائل الإعلام المتلفزة".

حاولت زينب أن تترك الساحة وتتوجه إلى منزلها، مشت ببطء مع زميلها حتى لا يعتبرها رجال الأمن هاربة ويلاحقوها، ورأت عدداً من الناشطين يتعرضون للضرب، من بينهم مروة. وتؤكد أن "نحو 35 عنصراً أمنياً تجمهروا حول الناشط أيمن مروة، ضربوه بعنف، رموه أرضاً، سحلوه، جلسوا فوقه، ثم أوقفوه وحجزوه فترة، قبل أن يتم إرساله إلى المستشفى".

تشير إلى أنها رأت عناصر الأمن يلاحقون الناس خارج الساحة، وشاهدتهم يوقفون سيارتي أجرة لإنزال شابين كانوا فيهما لاعتقالهما. وقبل خروجها نهائياً من الساحة، رأت المحامية مايسة سليمان وزميلها يتعرضان للضرب.

من جهتها، كتبت مايسة على صفحتها على موقع Twitter، ما جرى معها وعلى مرأى منها في الساحة. ذكرت أن القوى الأمنية حاصرتهم في زاوية بعد أن خلت الساحة من جميع الوسائل الإعلامية، وقالت: "في 2 كانوا حامليني وعم يقولوا معنا بنت جريحة، هجموا علينا 8 عناصر يقولوا بدنا ن**موتاكم".

وفي تغريدة ثانية كتبت: "تدخل الإسعاف الشعبي وسحبونا بعد ما صرت صرخ عالأمن أنا متصاوبة (مصابة)، ما تضرب. أصيب صديقي برأسه وضهره وهرّبنا الإسعاف بالسيارة لأبعد نقطة مشكورين".

تدخل الاسعاف الشعبي وسحبونا بعد ما صرت صرخ عالأمن "انا متصاوبة ما تضرب".اصيب صديقي برأسه وضهره وهرّبنا الاسعاف بالسيارة لأبعد نقطة مشكورين.

لم يعرف اللبنانيون ماذا حصل في ساحة رياض الصلح بعد الساعة التاسعة مساء إلا من خلال متابعة وسائل التواصل الاجتماعي، في حين أن القنوات التلفزيونية كانت غائبة عن السمع. احتج الكثيرون منهم عبر هذه المواقع على سكون التلفزيونات وتوقفها عن البث المباشر من الساحة. كانت كأنها في غيبوبة! لا شيء يحصل أمام تمثال رئيس الحكومة الأول بعد الاستقلال، رياض الصلح.

على الساحة الآن إذاً عدد كبير من الأفراد المستقلين وثلاث مجموعات، وفي كل مجموعة عدد من الناشطين، الذين يختلفون في التوجهات السياسية على غرار غالبية الشعب اللبناني، لكن يجمعهم هدف واحد ومطلب واحد: محاربة الفساد ومحاسبة المسؤولين عنه.

التعليقات

المقال التالي