الطريق إلى الديمقراطية 2: التعليم وتشاركية المعلومات

الطريق إلى الديمقراطية 2: التعليم وتشاركية المعلومات

بعد أن تطرقنا في المقالة الأولى إلى قضية "المجتمع السياسي"، نعالج اليوم قضية التعليم وتشاركية المعلومات في الطريق نحو الديمقراطية.

يقف والد أميركي مع ابنه أو ابنته أمام سور البيت الأبيض ويقول له أو لها، إذا نجحت كما أرجو في الحياة فقد ينتهي بك الأمر هنا لتصبح، أو لتصبحي، سيد أو سيدة البيت الأبيض ورئيس أو رئيسة أميركا.

ثم يعودان إلى مكان الإقامة فيعملا معاً على إصلاح البسكليت أو طلاء حائط الكاراج ومن ثم يذهب كل منهما إلى أصدقائه.

أقوال جاهزة

شارك غردالتعليم المجدي والتشاركية والمجتمع السياسي مفاهيم أساسية للوصول إلى الديمقراطية

شارك غردمجتمعاتنا اعتادت نموذج البطة القائدة التي تتبعها باقي البطات، ولا يمكن تغيير ذلك إلا من خلال التربية والتعليم

سبق لي أن تعاونت مع شركة صينية ولاحظت تفاني الشباب والصبايا الصينيين في العمل حتى ساعة متقدمة من الليل. سألتهم مرة ' بعد أن نسيتم بوذا وكونفوشيوس وبعد أن استغنيتم عن فكر ماوتسي تونغ، ما هي منظومة القيم التي تؤمنون بها؟ قالوا لي "ما تعلمنا إياه أمهاتنا ومدارسنا ولكن الشعار الإضافي الذي نعتمده اليوم: اعمل كثيراً، تكسب كثيراً وتنجح لتتغير حياتك".

في ألمانيا، التقيت يوماً بصديق يمني أنهى دراسته الثانوية وسجّل في جامعة بالمراسلة وكان يعمل في أحد المصانع ليغطي نفقات الجامعة. كان شديد الكياسة واللطف وحدثني عن طفولته الفقيرة ليقول لي: لقد أمضيت طفولتي ومراهقتي جالساً على عتبة المنزل، لا يُسمح لي بالجلوس مع الكبار وعليّ فقط استقبالهم وتقديم الضيافة لهم. عندما أتيت إلى هنا، فًُتِحت لي أبواب الدنيا، أنا أعمل بهمة عالية والجميع يناقشني فيما أريد وما لا أريد. أظن أنني سأنجح وولدي سيكون أنجح مني.

ثلاثة أمثلة تشير إلى التفاوت الهائل في بناء الإنسان الذي تعاني منه بلادنا، الطفل الأميركي يعاين البيت الأبيض أملاً بالوصول إليه، أما طفلنا فيعاين العتبة وقد يفكر بإصلاحها ليقبل ابنه بمعاينتها في المستقبل. (في الأمثلة مبالغة مقصودة لتوضيح المبتغى).

يبدأ التعليم في المنزل حيث ينبغي زرع المبادئ التالية:

الثقة بالنفس واحترام الآخر.

الشعور بأن ثقافته مُشَمّلة في التراث العلمي.

التركيز على منظومة القيم الأخلاقية.

المساواة بين المرأة والرجل.

الايمان بأهمية التشاركية والتعاون في الإنجاز.

النظافة في البيت وخارج البيت.

ثم التعليم في المدرسة وما بعدها ويجب أن يشمل:

إجادة لغة عالمية أخرى ودراسة ثقافة هذه اللغة.

الابتعاد عن التلقيم وتشجيع التفكير والبحث.

استخدام الشبكة لجمع المعلومات وتفنيدها.

الايمان بفرق العمل والتشاركية.

التنافسية والذكاء المجدي المقترن بالعمل والكفاح.

التربية الوطنية والخدمة التطوعية.

الايمان بالقيم الإنسانية والتقليل من أهمية نظرية المؤامرة. والتركيز على المفاهيم الدينية التي تنسجم مع القيم الانسانية.

قد يقول قائل "وهل فاقد الشيء قادر أن يعطيه". صحيح، سيتطلب الأمر تنفيذاً تدريجياً هادئاً، ولكن من الضروري أن نبدأ، والأهم أن تعمل الدول والقوى المجتمعية على تشجيع وتكريم الرواد الذين سيلتزمون بهذه الضوابط حتى يقلدهم الآخرون.

في الولايات المتحدة هناك حكماء يُعتبرون "غوروز" Gurus في مجالهم. من هؤلاء رجل يدعى نيغروبونتي Nicholas Negroponte في مجال المعلوماتية (تطبيقات الكومبيوتر وثورة المعلومات). دعوناه مرة لنتناقش معه عبر شاشة يتحدث فيها من أميركا مع قاعة تغص بالمختصين في دمشق.

كان عليّ الخروج بسؤال غير تقليدي فسألته: أنت تتحدث مع مجموعة تنتمي إلى حضارة غابرة سبق أن كان لها دور في إدارة العالم. طبيعة بلادنا المتسامحة والاستبداد شجعت شعوبنا على العمل الفردي دون إيلاء أهمية لفرق العمل والتشاركية والمجتمع السياسي وأهميتها في دفع عجلة التنمية والحضارة. أتى الأوروبيون فيما بعد مستفيدين من فهمهم للمجتمع السياسي والتشاركية، ليسحبوا بساط الحضارة من تحت أقدامنا وأصبح من الصعب استرداده. هل تعتقد سيدي أنّ الشبكة المعلوماتية (الانترنت) ستفتح المجال أمام أبنائنا في منزلهم أو مكان عملهم، وتسمح لهم بتجاوز نزعاتهم الفردية للانخراط في فرق عمل افتراضية Virtual teams تمكنهم من المشاركة في النشاط البحثي والعملي أملاً في استعادة دورهم الحضاري والإنساني.

وقد فوجئ الحكيم بالسؤال وقال لي: لا أملك وقتاً للتفكير في سؤالك العميق الذي أمضيت حتماً وقتاً طويلاً في إعداده (مع أني كنت قد ابتدعته للتو)، لكني أقول لك بعجالة، أنت على حق، فالمجتمعات المعتادة نموذج البطة القائدة التي تتبعها باقي البطات، مثل مجتمعي الأصلي (أصله يوناني) تحتاج إلى ثورة عميقة لتغيير أسلوب تفكيرها. ولا شك أنّ الشبكة وثورة المعلومات التي تحفز على العمل الجماعي تساهمان بدفع هذا التغيير قدماً.

عندما تتاح لك فرصة إدارة مجموعة أو مؤسسة بشكل ديمقراطي في بلادنا، تلاحظ أنً مرؤوسيك قد يحترمونك لكنهم يتمنون أن تكون ميّالاً أكثر إلى القسوة بموجب الصلاحيات التي تملكها. ويعود هذا إلى نموذج البطة القائدة الذي ذكره نيغروبونتي. ولا دواء له إلا من خلال التربية والتعليم وتغيير أسلوب التفكير.

التعليم المجدي والتشاركية والمجتمع السياسي مفاهيم أساسية للوصول إلى الديمقراطية.

سامي الخيمي

سامي الخيمي كان كبير المفاوضين في معاهدة الشراكة السورية مع الاتحاد الأوروبي، وعُيّن سفيراً لسوريا في لندن من العام 2004 حتى العام 2012. حاز شهادة دكتوراه في هندسة كومبيوتر من فرنسا، ومارس التعليم والبحوث في جامعة دمشق ومركز البحوث السوري قبل تأسيسه مركزاً لتطوير البرمجيات.

كلمات مفتاحية
الـ22

التعليقات

المقال التالي