الطريق إلى الديمقراطية 1: الطقس ونشوء المجتمعات السياسية

الطريق إلى الديمقراطية 1: الطقس ونشوء المجتمعات السياسية

في الكتاب الرائع لأمين معلوف 'الحروب الصليبية من وجهة نظر العرب' الذي ترجم من الفرنسية إلى عشر لغات، تطرق الكاتب الى ما سرده المؤرخون العرب حصراً عن الحروب الصليبية.

وقد عاد معلوف إلى المراجع العربية وهذبها وحذف الكثير من الحشو فيها، ليخرج بكتاب لا نظير له عن مجريات الحوادث المهمة في القرنين الصليبيين من تاريخ بلاد الشام.

اعلان


وأجمل وأعمق ما في الكتاب خاتمته، إذ لخص فيها الكاتب استنتاجاته العامة، وأذكر منها ثلاثة:

أولاً، عندما وصل الفرنجة إلى بلاد الشام، فوجئ العرب بحجمهم، فمتوسط طول الرجل لديهم كان 180 سنتيمتراً ومتوسط ارتفاع صهوة جواده الأوروبي 175 سنتيمتراً. وكان الفارس مصفحاً بالحديد ويعتمر قلنسوة تغطي كل رأسه. أما الفارس العربي فطوله يومها 165 وصهوته 155، وقد جعل ذلك الحامل والمحمول الأوروبي أعلى بـ25 سنتيمتراً على الأقل من غريمه العربي غير المصفح. وقد ظن العرب في البداية أنهم يواجهون مخلوقات عجائبية قادمة من كوكب آخر، فأخذوا يهربون من أمامهم في المعارك الأولى، ثم اكتشفوا شيئاً فشيئاً أن خفة وزنهم وقدرة جوادهم العربي الفائقة على المناورة تعوض عن صِغَرِ حجمهم.

ثانياً، عندما أرسل صلاح الدين أطباءه لمعاينة ملك الفرنجة قلب الأسد الذي كان يشكو من مرض عضال، تبين للأطباء العرب قلة مراس وجهل الأطباء الفرنجة بأساليب الطبابة العلمية وكانوا يلجأون إلى دق المسامير في الرؤوس وعقص المريض ببعض الحشرات. وبشكل عام امتاز الحكماء العرب من أطباء وكيميائيين وفلكيين على نظرائهم الفرنجة بأشواط جلية.

أقوال جاهزة

شارك غردمحاولة لتفسير سبب غياب القدرة لدى العرب على فهم المجتمع السياسي

شارك غرد إذا استطعتم يا أبناء الشرق تجاوز عقدة المجتمع السياسي المنظم فسيُمَكِنُكم ذكاؤكم الفردي من احتلال مكان متميز في العالم

ثالثاً، وهو الأهم، وهو ليس لمصلحة العرب، فقد تبين لمعلوف أن العرب لا يملكون أي تصور عن المجتمع السياسي، بينما الأوروبيون متفوقون في هذا المجال، يجيدون العمل الجماعي وتداول السلطة، فإذا مات ملكهم في الصباح، انتخبوا بديلاً عنه بعد الظهر. مات الملك، عاش الملك. Le roi est mort, Vive le roi. أما العرب فإذا مات ملكهم، نشبت الخلافات لوراثته واشتعلت الحروب الطاحنة التي قد تستمر سنين طويلة حتى يبرز القائد الجديد للأمة.

كان هذا قبل 900 عام.

تعلمت الكثير من هذا الكتاب لكن فضولي دفعني لتقصي سبب غياب القدرة لدى العرب على فهم المجتمع السياسي.

السبب الذي يتبادر إلى الذهن هو البداوة أو المجتمع الرَعَوي حيث لا يحتاج الفرد إلى مجتمع بل إلى قائد (شيخ القبيلة)، للفصل في الخلافات على حقوق الرعي وتوازع الأغنام. لكن هذا السبب يبقى ثانوياً في بلاد الشام ومصرـ حيث معظم السكان حَضَر أو فلاحون.

السبب الأهم هو الطقس. في أوروبا يعمل المزارع في ظروف قاسية ويتعرض للأنواء والعواصف العاتية والفيضانات والأعاصير، التي تهدم البيوت وتدمر المحاصيل، لذلك فهو يبقى بحاجة ماسة للتعاون مع جيرانه، فما يصيبه يصيبهم. وهذا قد يكون حاسماً في نشوء المجتمع السياسي المنظم والمتكاتف لمواجهة الطبيعة. أما في بلادنا، فالطبيعة سمحة ومتواطئة مع العمل الفردي. يعمل الفلاح في أرضه من دون خشية حقيقية سوى من الجفاف، لذلك لا يشعر بحاجة حقيقية إلى التعاون والتعاضد مع جيرانه في إطار مجتمعي منظم.

ويمكن تعميم هذا المفهوم على كل الأعمال التي يمكن للجهد الفردي فيها طمأنة الفرد إلى مقدرته على الاستغناء عن الجهد الجماعي.

نستطيع طبعاً الافتراض أنه في مجتمعنا المعاصر، تلعب التكنولوجيا والتنافسية العالية محفزاً مهماً لزيادة حاجة الفرد إلى أترابه، وإلى نشوء فرق عمل متماسكة في جميع المجالات، في الزراعة والصناعة والتجارة والمصارف والاتصالات… إلخ.

لكن التفاوت في البنية الاجتماعية وفي بيئة الأعمال بين منطقة وأخرى، وبين مهنة وأخرى سيولد الحاجة إلى فترة انتقالية، يصبح المجتمع بعدها قادراً على التكيف مع مفهوم العمل الجماعي والمجتمع السياسي.

عندما كنت سفيراً في لندن، كانت لي أحياناً مناظرات فكرية مع سفير إيرلندا. وقد تبارزنا مرة لإثبات من الأذكى، ابن الشمال أو ابن الشرق الأوسط.

كان يقول لي إن الطقس الرديء والبرد دفعا شعوب الشمال إلى اللجوء إلى أماكن مغلقة مظلمة، في غياب إمكانية التمتع بجمال الطبيعة. وقد أدى ذلك بأجدادنا إلى الجلوس طويلاً والتفكير طويلاً، ما سمح بتوسيع مداركنا وزيادة حجم مُخِنا. فيما بعد ساعدنا عملنا الجماعي على تحقيق تنمية مطردة في مجتمعاتنا. وكنت أقول له إن الطبيعة السمحة في بلادنا سمحت بزيادة الجهد الفردي، الذي يستغني فيه الفرد عن مساعدة الجماعة. وقد أدى ذلك إلى توسع مدارك الإنسان ليقوم وحده بأعمال تتطلب جهود مجموعة من الناس.

وأخيراً، إذا استطعتم يا أبناء الشرق تجاوز عقدة المجتمع السياسي المنظم، فسيُمَكِنُكم ذكاؤكم الفردي أن تتبأوا مكاناً متميزاً في العالم.

سامي الخيمي

سامي الخيمي كان كبير المفاوضين في معاهدة الشراكة السورية مع الاتحاد الأوروبي، وعُيّن سفيراً لسوريا في لندن من العام 2004 حتى العام 2012. حاز شهادة دكتوراه في هندسة كومبيوتر من فرنسا، ومارس التعليم والبحوث في جامعة دمشق ومركز البحوث السوري قبل تأسيسه مركزاً لتطوير البرمجيات.

كلمات مفتاحية
الـ22 الديمقراطية

التعليقات

المقال التالي