من مجالس العزاء إلى زيارة القبور، داعش يغيّر طقوس الموت

من مجالس العزاء إلى زيارة القبور، داعش يغيّر طقوس الموت

تعرض المجتمع السوري في السنوات الأربع الماضية لهزات عنيفة أدت إلى تغيّر الكثير من المفاهيم والقيم والسلوكيات. ومن المسائل التي لحق بها تغيير كبير النظرة إلى الموت والطقوس المتعلقة به من واجبات عزاء ودفن وزيارة للقبور. وتأثر كل ما له علاقة بالموت كثيراً بسبب سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

أمام كثرة حالات الوفاة، لم يعد مستغرباً أن يتعايش السوريون مع فكرة الموت، بل صار عندهم استعداد نفسي لفقد أي حبيب أو عزيز. تأقلم السوريون مع آلام الموت الذي لا يميّز بين المنخرطين في الحراك المسلح، وبين معتزلي القتال. فالإحصاءات تشير إلى أن 95% من ضحايا البراميل المتفجرة مدنيون.

التعايش مع الموت

لعب العامل الديني أثراً إيجابياً في التخفيف من صدمة خسارة الأحبة، إضافة إلى مشاعر التضامن الجماعي مع أقرباء الميت. وروت أم محمد، من ريف حلب الشرقي، لرصيف22 عن مقتل زوجها: "كان أبو محمد يقول قبل كل انطلاقة إلى الجبهة: اللهم إني أسألك إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة. وفي كل مرة كان يذهب، كنّا نودعه وداع المفارق، وكنا نعدّ عودته ولادة جديدة". وأضافت: "ما يخفف ألم فقدانه أنه، إن شاء الله، في الجنة حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا ألم ولا مرض. وأسأل الله أن يجعله شفيعاً لنا يوم القيامة".

وتقريباً، يسري الاقتناع نفسه بين أقرباء قتلى القصف العشوائي والبراميل المتفجرة، فيرددون حديث النبي الذي جاء فيه أنّ "الذي يموت تحت الهدم شهيد". وقال لرصيف22 أبو عبدو الذي فقد زوجته وأولاده بقصف الطائرات الحربية لمنزله الملاصق لمسجد عثمان بن عفان في حي مساكن هنانو في حلب: "عزائي أنهم شهداء، وأسأل الله تعالى أن ينتقم لي من القتلة".

تغيّر ترتيبات ما بعد الموت

ولم تتغير نظرة الناس إلى الموت من حيث تقبله والتعايش معه فحسب، بل تغيرت كل الترتيبات المتعلقة به. فبعد أن كانت مجالس العزاء تستمر ثلاثة أيام يُختم فيها يومياً القرآن ويُهدى الثواب لروح الميت، أتى داعش ليمنع القراءة على الموتى. وبعد أن منع بدايةً المجالس والقراءة، عاد وسمح بتنظيم مجالس من دون قراءة. وقال المدرس عبد القادر، من مدينة منبج، لرصيف22: "اختفت بيوت العزاء تدريجياً. أما قراءة القرآن فقد مُنعت بحجة أنها بدعة".

ودافع داعش عن خطوته من منطلق ديني. قال أبو أحمد الأنصاري، العضو في التنظيم: "القرآن نزل للأحياء ليكون دستوراً ومنهجاً لهم، ولم يرد عن السلف الصالح قراءة القرآن. هذه بدعة في الدين ما أنزل الله بها من سلطان".

كذلك، وبعد أن كانت بعض العادات الاجتماعية دارجة في مجالس العزاء في حلب وريفها، كتقديم الدخان، والقهوة المرة، والحلويات عقب نهاية ختم القرآن، أتى داعش ليمنع كل ذلك. وهذا ما تسبّب، في البداية، بوقوع حالات صدام عدّة بين أفراد التنظيم والأهالي، ولكن الأخيرين اعتادوا، في ما بعد، التزام قوانين التنظيم في العزاء.

دور جديد لمجالس العزاء

لم تعد مجالس العزاء تقتصر على مواساة أهل المتوفى، وذكر محاسن الميت وخصاله الطيبة، إذ تحولت إلى منصات سياسية، ومنابر خطابية تحث الناس على مواصلة القتال والثأر من القتلة.

وقال المحامي عبد الله، من ريف حلب الشرقي، لرصيف22: "كل ألوان الطيف السياسي تجدهم حاضرين في مجالس العزاء التي تؤمن مكاناً مثالياً للدعوة. فتجد عناصر الفصائل المقاتلة، ومسؤولي الأحزاب السياسية على اختلاف توجهاتها الدينية والسياسية". وتختلف نوعية المشاركة باختلاف المتوفى من حيث مركزه الاجتماعي، وظروف وفاته. في مدينة منبج، على سبيل المثال، اشتهرت شخصيات معينة بحضور هذه المجالس كالشاعر محمد منلا الغزيل والكاتب عبد الستار السعيدي.

داعش يغير طقوس الموت من مجالس العزاء إلى زيارة القبور

ولم يمنع داعش المواعظ والخطب الدينية في مجالس العزاء، بل حرص عناصره على إلقاء مواعظهم التي تركز على قضية الجهاد، وأجر الشهادة، والولاء، والبراء.

بيوت عزاء سرّية

وراحت مناطق سيطرة داعش تشهد تنظيم بيوت عزاء سرية تقتصر على المقرّبين من أهل الميت. فالتنظيم ينظر إلى قتلى فصائل المعارضة الأخرى جميعاً على أنهم مرتدون.

وقال الطالب الجامعي محمود من ريف حلب الشرقي: "استشهد أبو حسن في جبهة حندرات، ولم يستطع أهله إقامة عزاء رسمي، واقتصر قبول التعازي على المقربين جداً. وعندما لم يكن القادم لتقديم العزاء من أهل الثقة، كان شقيق أبو حسن يعتذر منه ويخبره بعدم وجود عزاء، ويشكر له حضوره، ويصرفه من الباب".

ويمنع التنظيم إحضار جثث قتلى الجيش السوري الحر ودفنهم في المناطق الخاضعة لسيطرته، حتى ولو قُتلوا في معارك ضد النظام، فذلك لا يغير شيئاً من حكم ردتهم. وقال الجامعي أبو أحمد من مدينة منبج: "هناك مجموعة كانت مبايعة للنصرة بيعة قتال، واستشهد عناصرها في معارك ضد النظام في حلب، لكن التنظيم منع جلب جثثهم. لذلك دُفنوا في ريف حلب الشمالي، وأقام أهاليهم عزاءات في البيوت بشكل سري".

أما من يعدمهم التنظيم فغالباً ما يرفض تسليم جثثهم لذويهم. وفي حال تسليم جثة مقاتل من فصائل المعارضة السورية، يشترطون على أهله عدم الصلاة عليه أو دفنه في مقابر المسلمين باعتباره مرتداً. وروى حسن، صاحب محل تجاري، لرصيف22: "أعدم التنظيم الصيف الماضي شخصاً من بيت العيدو بتهمة السحر والشعوذة في الساحة العامة، ورموا جثته في أنابيب تصريف المياه عند قرية المنكوبة ولم يُخبروا أهله بذلك".

تغيّر شكل المقابر

وشملت التغيرات شكل المقابر. فقد منع التنظيم بداية النساء من زيارة القبور بدعوى عدم تقيدهنّ بالضوابط الشرعية، وحصول اختلاط بينهن وبين الرجال.
وقال أبو أحمد الأنصاري: "تلام الدولة الإسلامية على منع النساء من زيارة القبور بدعوى أنّ الإسلام أباح ذلك، وينسى هؤلاء أنّ سبب قرار المنع هو المخالفات الشرعية التي تحدث أثناء الزيارة لا بسبب الزيارة نفسها. والمنع ليس في الأيام العادية كما يعتقد البعض، ولكن تخصيص الناس أيام الأعياد للزيارة هو الدافع إلى اتخاذ هذا القرار".

من ناحية ثانية، نسف التنظيم جميع القبور التي أقيمت فوقها أضرحة. كما نسف القبور التي كان الناس يقصدونها للزيارة، وربما للتبرك، لا بل راح ينسف المساجد التي تضمّ قبراً مثلما حصل في جامع الشيخ عقيل المنبجي الذي نسفه التنظيم ونسف الضريح معه.

وجرف التنظيم الكثير من المقابر، وأعطى الأهالي في مناطق عدة مهلة لإزالة القبور وتسويتها بالأرض. كذلك تعمد إهانة رموز الثورة في قبورهم، فهدم، على سبيل المثال، الشواهد الموضوعة على قبر يوسف الجادر، أبو فرات، في مدينة جرابلس.

ويتهم بعض المواطنين داعش بتطويع الدين لغايات سياسية. وقال الشيخ محمود ن. من ريف حلب الشرقي لرصيف 22: "نقول لأعضاء التنظيم لماذا لم يزل أمراؤكم ضريح سلمان شاه التركي كما فعلوا مع قبور المسلمين ورموزهم؟ ألا يدل ذلك على المتاجرة بالدين؟".

نشر الموضوع على الموقع في 18.05.2015

كلمات مفتاحية
داعش سوريا

التعليقات

المقال التالي