الخروج على السلطة الدينية في مصر

الخروج على السلطة الدينية في مصر

لم يكن رائد التنوير رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) يتخيل أن معركة التنوير التي بدأها عقب عودته من فرنسا ستنتهي بهزائم متتالية ترافقها آلام القتل والنفي والتهميش إلى أبنائه وأحفاده. هم الذين سلكوا طريقه وحاولوا الوصول بمصر إلى اللحظة التي يدرك فيها المصريون الفرق بين دين سماوي حنيف ودولة عصرية تعتمد مبدأ المواطنة والمساواة بين مواطنيها في الحقوق والواجبات.

معارك التنوير امتدت من الشارع إلى الجامعة، وحتى رواق الأزهر نفسه، وحاول عشرات من التنويريين فتح باب الاجتهاد، لكن محاولاتهم باءت بالتهميش من قبل السلطة الدينية. اخترنا ثلاثة باحثين عن الحقيقة حاولوا خرق جدار الصمت من نوافذ مختلفة من الشارع إلى الجامعة إلى الشاشة.

اعلان


فرج فودة

انضم فرج فودة (1945 – 1992) في البداية إلى حزب الوفد باعتباره حزب الليبرالية المصرية التي بدأت تباشيرها الأولى مع ثورة 1919. ثم تحالف مع الإخوان المسلمين عام 1984، وفرضوا سطوتهم عليه، فاستقال من الحزب، بعد دخوله في تراشقات حادة مع زعيمهم الشيخ صلاح أبو إسماعيل. أسس حزباً جديداً وتقدم بأوراقه إلى مجلس الشعب عن دائرة شبرا، ليخوض معركة انتخابية غير متكافئة مع النظام والجماعات الدينية في آن واحد.

لم يكتف أستاذ الاقتصاد الزراعي بذلك، بل تفرغ لمواجهة توغل التيارات الدينية في الشارع المصري، ودخل في مناظرات علنية مع أنصار الدولة الدينية، أهمها مناظرته التاريخية في معرض الكتاب عام 1992، التي حملت عنوان "مصر بين الدولة الدينية والمدنية". كانت المناظرة بينه وبين الشيخ محمد الغزالي، والدكتور محمد عمارة، والمستشار مأمون الهضيبي مرشد عام الإخوان حينذاك. تفوق على مناظريه فما كان منهم إلا أن حرضوا على قتله، وتطوع الشيخ محمد الغزالي، وذهب للشهادة ومساندة القتلة بقوله إنهم "قتلوا شخصاً مرتداً مُباح الدم، وتجاوزهم الوحيد هو الافتئات على الحاكم، وكان أجدى للحاكم قتله، وإن لم يفعل صار ذلك واجباً على الناس".

يتلخص دور فودة التاريخي في دفاعه المستميت عن الدولة المدنية، وتعريته للجماعات الدينية الراغبة بالسلطة. وأثبت أن سير الخلفاء في عصورها المختلفة من أموية وعباسية وفاطمية وعثمانية، لم تكن ناصعة البياض كما زعم المتأسلمون للبسطاء. فمنهم القتلة والمنحلون والضعفاء. أي أننا أمام حكم أرضي غير مقدس، حاول السلاطين صبغه بصبغة دينية، ساعدهم فيها الشيوخ والفقهاء. وقد واجه فودة بشجاعة دعاة الدولة الدينية في أوج سطوتهم على الشارع المصري، إلى أن لقي حتفه مقتولاً.

نصر حامد أبو زيد

التحق الدكتور نصر حامد أبو زيد (1943- 2010) بكلية الآداب في جامعة القاهرة وتخرج منها عام 1972، وأراد أن يكمل دراساته العليا في قسم الدراسات الأدبية. لكن لعجز في قسم الدراسات الإسلامية التحق بالقسم، لتبدأ قصة هذا الباحث داخل المجتمعات المنغلقة، هو الذي ينتمي إلى المنهج العقلاني نفسه الذي خرج منه الشيخ الإمام محمد عبده، ورائد التجديد طه حسين، والشيخ العلامة أمين الخولي، الذي فتح الطريق لكل من تلاه لدراسة القرآن دراسة أدبية.

ينتقد أبو زيد التفسيرات التقليدية للقرآن الكريم، داعياً إلى تفسير علمي منهجي، ينطلق من قراءة النص القرآني داخل سياقاته التاريخية والثقافية والمجتمعية. ويفرّق هنا بين المعاني العقائدية، والمعاني التي فرضتها الظروف المصاحبة للرسالة المحمدية. وقد ظهرت في التاريخ الإسلامي قراءات وتفسيرات متنوعة قبل أن يحتكر المسلمون المتشددون تفسيراتهم الأحادية لمعاني القرآن الكريم، والتي حصروها في إطار الحلال والحرام فقط.

وقد واصل الباحث اجتهاداته العلمية حتى تقدم في بحوثه للترقي إلى درجة الأستاذية. وحدثت الأزمة حين رفضت اللجنة العلمية ترقيته، بناءً على تقرير الدكتور عبد الصبور شاهين، الذي بخّس من قيمة أبحاثه العلمية وشكك في انتمائه الديني. لكن الأزمة الحقيقية كانت في الثغرة القانونية التي استغلها خصومه لمقاضاته أمام محكمة الأحوال الشخصية. فقد أصدرت حكماً يقضي بتفريقه عن زوجته الدكتورة ابتهال يونس، بعد اتهامه بالردة، استناداً إلى نصوص فقهية للإمام أبي حنيفة النعمان، ووفقاً لما يسمى بالحسبة، على أساس أنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم، أو البقاء على ذمته بعد ارتداده.

وقد رفض أبو زيد الحكم، كما رفض الإدلاء بالشهادتين، معتبراً ذلك بمثابة تفتيش للضمائر، وأعلن تمسكه بزوجته كما تمسكت هي به، فقضى الاثنان غربة طويلة في هولندا، لم يقطعها سوى موت المفكر الراحل.

إسلام بحيري

رأى التنويريون المصريون بصيصاً من الأمل حين انضمت شرائح مجتمعية جديدة إلى إسلام بحيري في معركته مع مؤسسة الأزهر العتيدة والعتيقة. شرائح مجتمعية لم تتلق تعليماً حكومياً حقيقياً طوال الأربعين عاماً الأخيرة، تعليماً يعتمد على المنهج العلمي والقراءة التاريخية للتراث الديني الذي ظل حكراً على مشايخ الأزهر وحدهم، والذين لم يقدموا اجتهادات ذات جدوى خلال سيطرتهم على الحياة الروحية للمصريين.

امتلك بحيري برنامج تلفزيوني خاص: "مع إسلام"، يتحدث عن التراث الديني من بدايته إلى نهايته ويكشف جرائم الفقهاء في حق المسلمين، وينزع القداسة عنهم. كذلك امتلك لحظة تاريخية مختلفة، هي لحظة الخروج من ثورة شعبية جارفة إلى أتون صراع سياسي ملتهب بين طرفي الرهان في مصر: المؤسسة العسكرية بما تملكه من قوة مادية على الأرض، وجماعة "الإخوان المسلمين" التي سيطرت بشكل أو بآخر على الحياة السياسية في مصر في السنوات الأخيرة. تحول برنامجه إلى أحد الأسلحة الموجهة إلى الجماعة، وفجر ألغاماً عدة في وجوه متابعيه. ألغام أصابت قامات تراثية بحجم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة النعمان، مالك بن أنس، الشافعي، الإمام أحمد بن حنبل، وخامسهم ابن تيمية.

حتى أنه وصل إلى الصحيحين "البخاري ومسلم"، وكشف تهافت دعاوى وأحكام رموز الجماعات السلفية في مصر من أمثال ياسر برهامي، ومحمد حسان، والشيخ الحويني وغيرهم من مشايخ السلفية. ازدادت جرأته حتى اقترب من الأزهر وحراسه، فما كان من المؤسسة العتيدة إلا استغلال موقعها من السلطة فحولته إلى شاب جاهل لا يدرك الخفي من المعاني والأفكار داخل النصوص التراثية. لكن القول الفصل في معركة بحيري والأزهر، كان للسلطة المصرية التي ضحت به إرضاءً للأزهر، خصوصاً أن دوره انتهى مع زوال دولة الإخوان، واستحالة عودتهم إلى سدة السلطة.

كلمات مفتاحية
رجال الدين مصر

التعليقات

المقال التالي