كل ما تحتاجون إلى معرفته عن "قناة السويس الجديدة"

كل ما تحتاجون إلى معرفته عن "قناة السويس الجديدة"

يحق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن يقف مزهواً حين يرعى التدشين الرسمي لـ"قناة السويس الجديدة"، وهو المشروع الإستراتيجي الذي تفاوتت ردود الفعل بشأنه، بين تسخيف وصل إلى حد السخرية، وتضخيم بلغ مستوى الحديث عن "معجزة".

وبعيداً عن تسخيف المعارضين وتضخيم الموالين، فإن "قناة السويس الجديدة"، التي يُحتفى بإطلاقها يوم الخميس تحت شعار "مصر بتفرح"، ستشكل، من دون أدنى شك، أحد أبرز الإنجازات الإستراتيجية للرئيس المصري في العام الثاني من حكمه.

قناة السويس الجديدة .. ما تحتاجون معرفته عن قناة السويس الجديدة - السيسي

ومن أجل تنفيذ هذا المشروع بالسرعة المطلوبة، تم استنفار كل أجهزة الدولة المصرية، سواء في الشق التنفيذي، الذي انخفض جدوله الزمني من ثلاثة أعوام إلى عام واحد، أو في الشق الدعائي، الذي جعل "قناة السويس الجديدة" توازي في أهميتها مشاريع قومية كبرى تركت آثارها السياسية في الداخل والخارج على السواء.

ولعل الحماسة المثيرة للانتباه التي ميزت تعامل السلطات المصرية مع "قناة السويس الجديدة"، فضلاً عن الآلة الدعائية الضخمة التي واكبته، قد وفّرتا للمشروع الطموح سنداً شعبياً  عكسه الإقبال الكبير على التمويل. وهي ظاهرة ليست بجديدة على الشعب المصري، حين يتعلق الأمر بمشاريع قومية، ولكنها جاءت هذه المرّة غير مسبوقة في حجمها، إذ أدى التهافت الشعبي على شراء الأسهم إلى تأمين الكلفة اللازمة للقناة الجديدة، والمقدّرة ما بين 60 و65 مليار جنيه (حوالي 9 مليارات دولار)، خلال ثمانية أيام فقط.

الخطوط العريضة للمشروع

لتوضيح فكرة المشروع الجديد، لا بد من الحديث عن نظام الملاحة في قناة السويس قبل إطلاق المشروع الجديد.

معروف أن قناة السويس هي عبارة عن مجرى مائي ذي اتجاه واحد، بطول 190 كيلومتراً، ما يجعل نظام الملاحة فيه بالغ التعقيد، ويفرض اعتماد نظام الانتظار. هذا الأمر دفع بالسلطات المصرية المتعاقبة منذ الخمسينيات من القرن الماضي إلى التفكير في حلول كثيرة للعمل على زيادة الطاقة الاستيعابية للمجرى العالمي، عبر إقامة تفريعات لعبور السفن في اتجاهين، أهمها تفريعة الديفرسوار شمال البحيرات الكبرى (8 كيلومترات)، وتفريعة بحيرة التمساح (4 كيلومترات)، ومن ثم تفريعة البلّاح (9 كيلومترات)، وتفريعة شرق بورسعيد (40 كيلومتراً). ولكن برغم كل ذلك، فإن نظام الملاحة في قناة السويس ظل معقداً، وعاجزاً عن تأمين كامل الطاقة الاستيعابية.

قناة السويس الجديدة .. ما تحتاجون معرفته عن قناة السويس الجديدة - صورة قديمة

صورة قديمة لقناة السويس - مكتبة الكونغرس

في الوقت الحالي، تقوم الملاحة في قناة السويس على نظام القوافل، وتشمل عبور قافلة واحدة من الجنوب، وقافلتين من الشمال ضمن مواعيد محددة، على النحو التالي: تبدأ قافلة الشمال الأولى بعبور قناة السويس من جهة بور سعيد، منذ الساعة الأولى بعد منتصف الليل حتى الخامسة صباحاً، إذ تضطر للانتظار ما بين 6 و10 ساعات في البحيرات الكبرى (شرق المجرى الملاحي وغربه بحسب حجمها)، حتى مرور قافلة الجنوب، التي تدخل المجرى المائي من خليج السويس  وتتجه شمالاً. وطوال فترة عبور قافلة الجنوب، لا يسمح بعبور أي من سفن قافلة الشمال، إلى أن تعبر آخر سفينة من قافلة الجنوب تفريعة البلاح، فتنطلق قافلة الشمال الثانية باتجاه الجنوب.

من الناحية العملية، يقوم المشروع الجديد على شق قناة موازية، وتعميق المجرى الملاحي، وخصوصاً تفريعات البحيرات الكبرى، بإجمالي طول 72 كيلومتراً، بما يسمح بمرور السفن في الاتجاهين، وبأعداد غير محدودة، ومن دون الحاجة إلى الانتظار.

لماذا الاستعجال في التنفيذ؟ 

قبل عام واحد، وتحديداً في الخامس من أغسطس 2014، كان السيسي يستمع إلى شرح من رئيس هيئة قناة السويس الفريق إيهاب مميش حول المشروع الجديد. توقف الرئيس المصري عند قول مميش إن "الفترة الزمنية لتنفيذ المشروع هي 36 شهراً... ثلاث سنوات". قاطع السيسي رئيس هيئة قناة السويس، قائلاً: "هيّ سنة واحدة"، ليرد الأخير: "سنة واحدة ويُنفّذ يا افندم".

بدا السيسي على عجلة من أمره في تحقيق إنجاز إستراتيجي يسجّل لعهده الرئاسي.

ليس الأمر مجرّد استعراض إعلامي، كما يقول المعارضون، إذ لم يعد خافياً على أحد أن الاقتصاد المصري يمر في أصعب ظروفه، حتى صار في حاجة إلى جهود مكثفة لحمايته، والدولة المصرية كاملةً، من الانهيار، خصوصاً بعد الضغوط التي واجهها عقب ثورتين أسقطتا نظامين في أقل من ثلاثة أعوام، وترافقتا مع فوضى إقليمية وتحوّلات فرضت على المصريين الدخول في "سباق مع الزمن"، وهي العبارة التي يحلو للسيسي استخدامها منذ فوزه برئاسة الجمهورية في صيف العام 2014.

ولكن الصعوبات التي واجهها الاقتصاد المصري خلال الفترة الماضية، وبرغم خطورتها، لا تكفي لتفسير إصرار السيسي على جعل هذا المشروع أولوية كبرى، استنفرت من أجله كل أجهزة الدولة المصرية، إذ ثمة اعتبارات أخرى ترتبط بقناة السويس نفسها، وهي تتعلق بالتنافس العالمي على الممرات البحرية.

ومعروف أن قناة السويس شكلت منذ حفرها قبل 146 عاماً عنصر جذب للتجارة العالمية، غير أن طموحات أخرى باتت تشكل خطورة على القدرة التنافسية للقناة المصرية، وأبرزها قناة بنما، التي ستقوم بأعمال توسيع وتعميق لعبور السفن الضخمة في العام 2016، وقناة نيكاراغوا التي تشق قناة على طول 200 كيلومتر ويرجح أن تدشّن بعد خمس سنوات، وطريق بحر الشمال الذي يتوقع أن تزداد أهميته خلال السنوات المقبلة في ظل التقدم التكنولوجي وذوبان الثلوج، وطريق رأس الرجاء الصالح الذي يتعاظم مستوى الخدمات اللوجستية فيه، وقناة البحرين التي تزمع إسرائيل إنشاءها.

الجدوى الاقتصادية

حتى الآن، كسب السيسي الجولة الكبرى في خطة قناة "السويس الجديدة"، حين تمكنت أجهزة الدولة المصرية، وبشكل خاص القوات المسلحة، من إنجاز المشروع الضخم في الوقت المحدد له. ويبدو أن هذا ما دفع بالمعارضين إلى الانتقال من التبخيس بالفكرة إلى التشكيك في الجدوى الاقتصادية من المشروع الجديد.

وفي ظل الغموض الذي بدا مقصوداً من قبل السلطات المصرية بشأن تفاصيل مشروع "قناة السويس الجديدة"، وآثاره المستقبلية، فإن طرفي السجال حول "قناة السويس"، سواء المؤيدين أو المعارضين، ذهبا إلى تقديرات متفاوتة جداً بشأن الجدوى الاقتصادية للمشروع الجديد.

بحسب القائمين على المشروع، فإن قناة "السويس الجديدة" سترفع قدرة الممر المائي من 49 إلى 97 سفينة يومياً في المتوسط، بما يرفع تدريجياً العائدات السنوية من 5.233 مليار دولار سنوياً إلى أكثر من 13 مليار دولار بحلول العام 2023 (259%)، فضلاً عن تطوير موقع مصر كممر مائي مهم لحركة التجارة الدولية، عبر تقليل عامل الوقت، وتحويل منطقة قناة السويس إلى مركز تجاري عالمي، عبر منشآت فنية ولوجستية.

في المقابل، يرى المشككون في جدوى "قناة السويس الجديدة"، أن الزيادة المتوقعة في حركة السفن تبقى مرتبطة بالتجارة العالمية، فإذا ما تسارعت عجلة الإنتاج في الصين والولايات المتحدة، وزادت معدلات الاستهلاك في أوروبا، فسترتفع حركة المرور في الممر المائي الجديد، لكن إذا ما استمر الاقتصاد العالمي في النمو بمعدلات بطيئة، فلن يكون ثمةَ داعٍ لاستخدام القناة الجديدة في مصر.

وينطلق المشككون في جدوى المشروع الجديد من واقع تراجع عدد السفن التي عبرت قناة السويس خلال الفترة الأخيرة، وخصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى في العام 2008، للقول إن مصر ليست في حاجة إلى "قناة سويس جديدة"، وهم يرون أن القائمين على المشروع يبالغون في الحديث عن تزايد حركة الملاحة في المجرى المائي خلال السنوات المقبلة، وبالتالي في العائدات الاقتصادية لحركة عبور السفن.

وبرغم أن انتقادات المشككين تبدو واقعية، في ظاهرها، فإنها تتجاهل جوانب أخرى، أبرزها أن جزءاً من التراجع الذي لحق بحركة النقل في قناة السويس يعود إلى انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط، فضلاً عن بروز طرق بحرية أخرى منافسة على المستوى اللوجستي.

وعليه، فإن الجدوى الاقتصادية لـ"قناة السويس الجديدة" تنطلق من أهمية العمل على زيادة قدرتها التنافسية، إن على مستوى تسهيل الملاحة وتوفير الوقت بالنسبة إلى عبور السفن، أو على مستوى الخدمات اللوجستية المرافقة لها، والتي يقول القائمون على المشروع إنها ستتضمن 6 موانئ جديدة، ومنطقتين صناعيتين، ومراكز للخدمات التجارية والفنية من بين خدمات أخرى.

كل ذلك يدفع إلى القول، ومن دون إهمال المخاطر الموضوعية المحتملة، إن "قناة السويس الجديدة" هي مشروع إستراتيجي يستحق المغامرة في عالم تزداد فيه العلاقات الاقتصادية تشابكاً وتعقيداً.

وسام متّى

صحافي لبناني، يحمل إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية، متخصص في الشؤون العربية والدولية والحركات الإسلامية.

كلمات مفتاحية
اقتصاد السيسي مصر

التعليقات

المقال التالي