من الصحافة العبرية: لن نهزم الإرهاب اليهودي بدون إنهاء الاحتلال

من الصحافة العبرية: لن نهزم الإرهاب اليهودي بدون إنهاء الاحتلال

عن مقتل الرضيع علي دوابشة حرقاً في كفر دوما بجنوب نابلس على يد متطرفين يهود، كتب الصحفي نوعام شيزاف مقاله في موقع "سيحاه مكوميت"، بعنوان "لا يمكن هزيمة الإرهاب اليهودي بدون إنهاء الاحتلال". في المقال يتحدث شيزاف عن عنف المستوطنين اليهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، ويربط هذا العنف بالحماية القانونية التي توفرها له إسرائيل، كما يربطه بوضع الاحتلال في الضفة، وكيف أن هذا يتغذى من ذاك، الاحتلال العسكري والتطرف اليهودي.

الأغلبية الساحقة من المستوطنين غير عنفيين، ولكن العنف بدرجات مختلفة تجاه السكان الفلسطينيين، كان مصاحباً للاستيطان تقريباً منذ سنواته الأولى. لا يتعلق الأمر بشيء فريد، وإنما بفعل ناتج من الوضع في الأراضي [المحتلة]. هذه بالضبط هي الحقيقة التي يتجاهلها النقاش العام بمنهجية في حالات كتلك. في ما يتعلق بردود الفعل على مقتل الرضيع علي دوابشة، فقد اختار النقاش العام هذه المرة أيضاً تجاهل الصورة الكاملة.

اعلان


السمة الأساسية للاحتلال هي وجود مجتمعين سكانيين مدنيين، هذا لجانب ذاك، ويخضعان لمنظومات قانونية مختلفة ومنفصلة. الفلسطينيون يخضعون لنظام عسكري، أما الإسرائيلي فيسكن أو يزور الأراضي [المحتلة] "ويسحب" معه لأي مكان يذهب إليه منظومة القوانين الإسرائيلية، بباقة الحقوق والدفاعات الشرعية التي تمنحها له.

السمة الثانية للاحتلال هي الطموح الإسرائيلي لتوسيع الأرض والموارد التي تخدم الجمهور اليهودي بالتدريج، وتقليص الأرض الفلسطينية. هذه الشبكة - النظام العسكري والمستوطنات المدنية - هي ما تتسبب بالتشابه بين الاحتلال الإسرائيلي والاستعمار أو الأبارتهايد، حتى لو لم يكن التطابق بينهما دقيقاً تماماً. هذا جوهر النظام، وهذا لا علاقة له بالسؤال عما إذا كانت هذه أرض آبائنا، ومن كان هنا في الأول.

الاستعمار مصحوب دائماً بالعنصرية، والعنصرية المتطرفة مصحوبة دائماً بالعنف. حتى لو كان الدافع الأساسي الذي يؤدي للفعل الاستعماري ليس عنصرياً (حركة جوش إيمونيم لم تكن حركة عنصرية - بالتأكيد لم تكن أكثر عنصرية من حزب العمل) وفي مرحلة معينة التزم التجمع السكاني الحاكم تبرير حقوقه الامتيازية لنفسه بأي شكل، أو أنه عنيف ومتخلف بطبعه، ويفضل الوجود في تجمعات مكدسة وقذرة وما إلى ذلك، الصراع ضد العنصرية في إسرائيل محكوم بالفشل المطلق ما دام الاحتلال موجوداً، لأننا كثيراً ما نحتاج إلى العنصرية من أجل شرح الاحتلال.

ولكن لا يمكن شرح العنف تجاه السكان المدنيين الفلسطينيين عبر استخدام العنصرية فقط. بعض التنظيمات البارزة في إيذاء الفلسطينيين - وعلى رأسها الحركة السرية اليهودية [في أوائل الثمانينيات] التي قامت بهجوم قاتل على سمينار في الخليل وحاولت تفجير خمسة باصات بركابها، لم تكن عنصرية على نحو مختلف. أهداف الحركة السرية كانت في الأساس أهدافاً سياسية: إحباط أية عملية مستقبلية لإخلاء المستوطنات (كان تدمير مستوطنة ياميت [في سيناء] هو العنصر الأساسي الذي أدى للتطرف الذي أفضى بدوره لإقامة الحركة) ودعم السيطرة اليهودية على السكان المحليين بواسطة زرع الخوف و"معاقبة" العناصر البارزة، مثلما حدث في العمليات ضد محافظي المدن الفلسطينية. الحجة دائماً كانت وهن السلطة المركزية، وما اعتُبر تردداً في تحقيق السيادة الإسرائيلية على الفلسطينيين. العنف ليس مجرد جريمة: هو يعمل كآداة للسيطرة.

تاريخ الاستعمار زاخر بنماذج كتلك. أحد النماذج الشهيرة هو الـOAS (التنظيم العسكري السري) الذي نشأ بين السكان الفرنسيين للجزائر، ونفذ عمليات ضد أهداف جزائرية. في مرحلة محددة توجه هذا التنظيم ضد أهداف فرنسية - مثل سارتر، الذي دعم الانسحاب الفرنسي، بل ضد الرئيس ديغول نفسه. هذا الطابع يشبه كثيراً ما يحدث لدينا. الفكرة المركزية الكامنة خلف العمليات المسماة "بطاقة الأسعار" هي مدنية وسياسية - دعم السيطرة  على الفلسطينيين بواسطة "العقاب" (للأبرياء)، سواء عقب الهجمات على اليهود أو عقب ما عُد وهناً للسيادة اليهودية، مثلاً وقت تدمير مبان في مواقع ومستوطنات. في الواقع، حتى الإيذاءات اليومية والأكثر بساطة للفلسطينيين مصحوبة في أحيان متقاربة ببلاغة تعليمية سلطوية: "لتلقينكم درساً"، "لنوقفكم عند حدكم"، "لتأسيس الكرامة"، وما إلى ذلك.

في خدمتي العسكرية في الأراضي [المحتلة] تعثرت بتعبيرات كثيرة جداً من هذا النوع، خصوصاً في مدينة الخليل، التي كان ويظل معدل الاحتكاك فيها بين اليهود والفلسطينيين هو الأعلى. أحياناً يكون عبارة عن انفجار شماسات السيارات ومسخنات الماء في البيوت حول تل الرميدة، حيث خدمتُ لوقت طويل نسبياً، وفي حالات أخرى يكون عبارة عن صفعة أو بصقة باتجاه أحد المارة. في غزة ومنطقة الخليل كانت الأحداث الأساسية تدور حول الحواجز العسكرية. أذكر بضع حالات يخرج فيها مستوطنون مسلحون من السيارة (بالأساس عندما يكون هناك طابور طويل أو يغلق المفرق لأي سبب)، ويعنفون ويهددون الفلسطينيين بالنبرة السيادية إياها. يصعب جداً تخيل هذا المواطن الإسرائيلي وهو يخرج من السيارة في مفرق مزدحم في حيفا، يلوح بسلاحه باتجاه السائقين الذين أمامه ويصرخ في الشرطيين بأن يقوموا بعملهم - ثم ينهي هذا بدون أن يُسجن أو يعاقَب. لماذا يتصرف الشخص نفسه بشكل مختلف عبر ناحيتي الخط الأخضر؟ الاختلاف كامن في وضع الاحتلال، وجميع المشاركين في الحدث يفهمون هذا جيداً.

بالطبع يحاول فلسطينيون إيذاء يهود في الأراضي [المحتلة]، ولكن الفرق هو أن هناك منظومة كاملة مكرسة للتعامل مع العنف الفلسطيني، وهي تقوم بهذا بصلابة كبيرة، وبوسائل غير شائعة في منظومة القانون المدني: اعتقالات جماعية بدون محاكمات، وملاحقات بدون أوامر، حتى في بيوت غير المشتبه فيهم، وتعذيب، وعقوبات جماعية (مثل إلغاء تراخيص أقارب المشتبه فيهم أو تدمير بيوتهم)، وغير ذلك.

بعد حادثة القتل المروعة للزوجين [اليهوديين] فوجل ولأولادهما الرضع، فرض الجيش حظر تجوال على قرية حوارة، ثم اجتاح البيوت وأخذ عينة "دي إن إيه" بالقوة من جميع الرجال في البيت. فلو أن هناك فلسطينياً مثل موشيه أورباخ ألّف مانيفستو دموياً، شرح من جملة ما شرحه، كيف تحدد أماكن البيوت الفلسطينية لإشعال النار فيها ولغلق الأبواب كي لا يتمكن الضحايا من الهروب، كان ليدان ويُحبس سنوات طويلة، أو ليعتقل اعتقالاً إدارياً. ولكن أورباخ نفسه أُطلق سراحه بسبب خطأ إجرائي من القضاء.

عندما أدّيت الخدمة العسكرية، كان الجيش لا يزال يحدد أهدافه بأنها الحفاظ على مجموع المواطنين في القطاع، ولكن اليوم يقال بصراحة في التعليمات أن الهدف الأول هو الدفاع عن اليهود، وتسود بالتدريج النظرة لمجموع الفلسطينيين بأنهم أعداء، حتى لو كان بعضهم "غير متورط" في لحظة بعينها. بكلمات أخرى، ليست هناك فعلاً قوة سيادية تعتبر وظيفتها الدفاع عن السكان الفلسطينيين المدنيين.

هذا وضع غير محسوس به تقريباً. نحن نتعامل في العالم بإحساس أن هناك قانوناً يحافظ علينا وهناك من هو مسؤول عن تنفيذ هذا القانون. وفي الغالب تعمل هذه المنظومة، وعندما لا تعمل، نثور لهذا، ومعنا الحق. ولكن السكان الفلسطينيين مكشوفون تماماً أمام الإساءات العدوانية - من الجنود أو المواطنين على السواء. صحيح أن السلطة الفلسطينية تنفق رُبع موازنتها على الأمن، ولكن وظيفة هذه الأجهزة هي الحفاظ على سلامة الإسرائيليين، وليس على الفلسطينيين (بإمكان هذه الحقيقة وحدها أن تنهي نقاشاً شعبياً حول ما إذا كانت إسرائيل تسيطر على الفلسطينيين أم لا). المواطنون الفلسطينيون خاضعون للرغبة الطيبة للجيش والشرطة الأمنية وجهاز الشاباك في الدفاع عنهم، وهذه الأجهزة كما أسلفنا لا تعطي أهمية كبرى لهذه المهمة، باستثنناء حالات شاذة جداً.

يجب أن نضيف إلى هذا حقيقة أن غالبية القتلى الفلسطينيين في الضفة الغربية ماتوا، بالطبع، بفعل نيران الجيش الإسرائيلي. مقارنة بالجيش الإسرائيلي، فعنف اليمين المتطرف [اليهودي] لا يزال هامشياً. والتعامل مع جرائم الجيش متساهل جداً مقارنة بالتعامل مع عمليات "بطاقة الأسعار" أو أية عملية قتل أخرى. حتى في حالات متطرفة، يكمن فيها خوف حقيقي من القتل، فغريزة المنظومة تجعلها تغطي الحدث. عندما يُجرى تحقيق، يحدث هذا متأخراً جداً، وبوسائل محدودة. لا عقاب إلا في حالات شاذة جداً، حتى عندها تكون النتائج رمزية جداً. في الواقع، السبب الأساسي الذي يفتح فيه الجيش لأجله تحقيقاً في هذه الحالات هو الرغبة في فرض الانضباط على الجنود والرغبة في الدفاع عن القيادة العسكرية من المطالبات الدولية (منظومات التحقيقات الداخلية العاملة هي إحدى الدفاعات القانونية الأساسية ضد المحاكمة الجنائية الدولية).

تبدأ المشكلة من الدرجات الأعلى: قائد المنطقة الوسطى نفسه، المسؤول عن سلامة الفلسطينيين، كان متورطاً في عملية قتل شخص غير مسلح. أطلق قائد الوحدة بنيامين النار على قاذف أحجار هارب فأرداه قتيلاً، ويفيد فيديو كُشف عنه أخيراً أن الصيغة المقدمة للصحافة عن الحادث أقل ما يقال عنها إنها لم تكن دقيقة. هذه الحوادث، التي تحصل طوال الوقت، تثبت بقوة أن النظرة للجيش، بوصفه مدافعاً عن السكان الفلسطينيين المدنيين، هي هشة تماماً.

لا أشارك النداءات المترددة الآن باستخدام جميع الوسائل الشاذة التي تخدم الجيش الإسرائيلي والشاباك ضد اليمين المتطرف [اليهودي] أيضاً. هذا النهج لا يفعل شيئاً إلا تعزيز القائمة المكدسة لانتهاكات حقوق الإنسان في إطار الاحتلال. وأصلاً، لا أحد جاهز لأن يفرض حظر تجوال على المستوطنات وأخذ سكانها لفحص "دي إن إيه"، وهذا جيد. كما شرحت، فالعنف جزء لا يتجزأ من الوضع الاستعماري، وبدون إنهاء الوضع الاستعماري فلا فرصة للتعامل معه. حتى لو أصبحت هناك راحة مؤقتة، فعلى المدى الطويل سيتفاقم الوضع. الحلول الوحيدة هي الإخلاء أو المساواة أمام القانون.

كانت هناك أصوات في اليسار تزعم أن نتنياهو أو نفتالي بنت مسؤولان عن عملية القتل التي حدثت يوم الجمعة، ولكن في نظري فمسؤوليتهما لا تختلف عن مسؤولية السياسيين أو حزب العمل الذين يعتقدون أن وضع الاحتلال منطقي أو محتمل، أو أنه "ليس هناك شريك"، و"ليس هناك بديل"، ولهذا فعلينا مواصلة تأسيس الوضع القائم في الأراضي. الاحتلال والمستوطنات ينتجان العنف. الحرب على الإرهاب اليهودي لا تحتاج إلى الانتظار حتى إنهاء الاحتلال طبعاً، ولكن بدون النضال ضد الاحتلال فما من فرصة للنجاح في تلك الحرب.

التعليقات

المقال التالي