كيف يعيش الملحدون في مصر؟

كيف يعيش الملحدون في مصر؟

أراد محمد الانفصال عن خطيبته بعد علاقة استمرت عامين. بدأ في التفكير بسبب مناسب يساعده على الانسحاب بهدوء، وبدون خسائر، ويضمن له استرجاع الأموال التي كان يجمعها مع حماته من أجل شراء شقة الزواج. عثر على حجّة جيّدة. اتصل بخطيبته وأخبرها: "الطبيب قال لي إني لا يمكنني الإنجاب". بعد صمت قصير على الهاتف ردت: "أحبك لشخصك وليس لإنجاب الأطفال". باغته الرد. وأخيراً، اهتدى إلى حجّة أكثر مخاطرة: "لقد ألحدت". بكت خطيبته وأهانته ثم اتصلت بأهله لتخبرهم بما قاله ابنهم وأخبرت والدها الذي أعاد إليه أمواله بهدوء وقال له: "لا نريد أن نرى وجهك مرة أخرى".

ظن محمد أن المشكلة انتهت، لكن في اليوم نفسه فاجأه هاتف من أحد أقاربه يخبره أن أخاه وبعض أفراد العائلة في طريقهم إليه للقاهرة لقتله. هذه القصة الحقيقية تعكس المعاناة الاجتماعية التي تعيشها فئة الملحدين واللادينيين في مصر. وبرغم أن عددهم كبير نسبياً فإن غالبيتهم يفضلون إخفاء معتقداتهم خوفاً من ردات الفعل.

اعلان


بين الرفض والوشاية

تقول إيمان ع. لرصيف22: "الصعوبات التي يواجهها الملحدون واللادينيون في مصر في حال الإعلان عن معتقداتهم أو ما لا يؤمنون به، هي بالطبع الرفض والتجنب والوشايات".

ويتحدث كريم أحمد (اسم مستعار) لرصيف22 عن تجربته. بدأ طفولته بتلقي تعليم ديني صارم في مدرسة تابعة للإخوان المسلمين، وخلال الدراسة كان يوجه العديد من الأسئلة إلى معلميه، لكنه لم يتلقَّ إجابات شافية. هذا في الوقت الذي تنامى لديه حس النقد تجاه القصص الدينية: "لم أكن مقتنعاً بقصة النبي نوح في القرآن"، قال.

اعتنق كريم كل التوجهات الإسلامية في طريقه للبحث عن هويته من الإخوان إلى الصوفية ثم السلفية، لكنه لم يحصل على إجابات عن الأسئلة التي تدور في خاطره. وخلال الثورة التقى شخصاً قدم له إجابات زادت من حيرته وجعلته يبحث عن التناقضات بين الدين وبين ما توصل إليه العلم، ودفعته إلى الثورة في النهاية ضد معتقده الديني، ليلحد ثم يدخل في اللاأدرية. "إحدى أهم الوسائل التي جعلتني أشك في الدين هي الكذب المتعمد من رجال الدين خاصة بعد الثورة" قال كريم وأضاف: "مسألة الخروج من الدين ليست سهلة، بل تجربة صعبة. يشعر الشخص بثورة على كل شيء. يشتم الدين هنا وهناك. يحاول ارتكاب رذائل ويسعى للبحث عنها على سبيل الاستكشاف، هذه الفترة قد تطول أو تقصر، أما أنا فقد تمكنت من عبورها سريعاً".

"المجتمع لن يتركنا لحالنا"

الصدمة الأولى للملحدين واللادينين في مصر تبدأ من عدم تقبل المجتمع. "المجتمع لن يتركنا وشأننا لأنه لن يتقبل ذلك"، يتابع كريم، المصوّر الصحافي، متذكراً أحد المواقف التي تعرض لها في بداية توجهه الفكري الجديد: "أردت أن أخبر أحد أصدقائي أني ألحدت، وجدته صمت قليلاً ثم بكى بشكل هستيري وقال: "لا أعرف كيف أتعامل معك، كنت أحكي لك مشاكلي أما الآن فأنت كافر". رحت أذكّره بأننا صديقان وأن علاقتنا ليست قائمة على الدين، لكن في النهاية قرر مقاطعتي وتوقف عن الرد على مكالماتي الهاتفية بل حذفني من على فايسبوك". الصدمة الكبرى كانت حينما أخبر كريم زملاءه في العمل عن ذلك. قال:"وجدت ردود فعل غريبة من زملائي، بعضهم رفض الحديث معي مجدداً".

التجربة نفسها تقريباً ترويها إيمان: "لا يعني عدم تعرضي لمخاطر، أن وسط اللادينيين في مصر لا يتعرض لمخاطر، خاصة المخاطر النفسية من رفض الآخر والإقصاء، وبالتحديد في المسائل المتعلقة بالعلاقات الإنسانية والعاطفية".

نظرة المجتمع للملحدين كفيلة بأن تدفعهم للإبقاء على سرية معتقداتهم وعدم البوح بها لأحد. قالت لرصيف22 ياسمين إمام، كاتبة المسرح التي كانت منذ أعوام قليلة ترتدي الحجاب وتقيم الصلوات: "نظرة المجتمع للملحدين واللادينيين هي نظرتي القديمة نفسها: أناس منحلون لا يريدون قيداً على حياتهم ولو كانت أوامر الله، يتبعون الشيطان، وهم معاندون ومكابرون على الرغم من علمهم أن هذا هو الحق، لكن ينكرونه لأنهم يريدون أن يعيشوا حياتهم بالطول والعرض وأن يشربوا الخمر ويمارسوا الفحشاء، وبالتأكيد هم كفرة وسيدخلون نار جهنم". وتابعت بسخرية: "لا يدرك الناس أنهم ربما يقابلون ملحدين ولادينيين لا يختلفون عنهم بشيء إلا بنظرتهم إلى الدين وموقفهم منه".

كريم له تجربته الخاصة مع المجتمع. قال: "المجتمع يرى الملحد منحلاً أخلاقياً يقضي لياليه بين الفتيات والخمور. لكن الحقيقة أننا نؤمن بالأخلاق الإنسانية، فالسرقة والاغتصاب والقتل محرمة بالنسبة لنا. يبتسم حين يتذكر موقف الكثيرين من الشباب الذين يتقربون منه بعد علمهم أنه ملحد، على أمل أن يجذب لهم الفتيات المنحلات وأن يساعدهم على إرضاء شهواتهم من النساء والخمر.

عدم التقبل ونظرة المجتمع القاسية تقابلهما نظرة الملحدين التي تتسم بالشفقة، أكّد كريم. "بعد مرحلة تنافر مع المجتمع دخلت في مرحلة تصالح معه، وصرت أحبه بكل حالاته. مجتمعنا لا يختلف عن المجتمع الأمريكي، فهو بسيط ويتلاعب به الجميع سواء الإعلام أو النظام أو أية سلطة أخرى"، قال وأكّد أن النزعة الإنسانية أعلى عند الملحدين لأن الملحد يراهن على الإنسان أما المتدين فيراهن على الدين.

يتذكر كريم لقاءه مع أحد الشيوخ الحداثيين أو "شيوخ التنمية البشرية" كما يسميهم المصريون. قال: "انتقدت تجميله للحقائق وطريقة دعوته، فصدمني رده: ما الذي يزعجك؟ أنا مَن أدفع المجتمع إلى التعايش معك".

صعوبة الارتباط العاطفي

مشكلة أخرى كبيرة يواجهها الملحدون هي الارتباط العاطفي والزواج. روت إيمان: "لي صديق ملحد عانى في أكثر من علاقة ارتباط عاطفي بسبب رفض الآخر لتوجهاته. وفي إحدى المرات اكتشف أن حبيبته قبلت به من باب الصبر على المنكر حتى تستطيع أن تجذبه إلى الإيمان وتنال عن ذلك ثواباً"، وتابعت: "أربع علاقات عاطفية على هذا المنوال حتى أقبل صديقي على الانتحار".

كريم لم يتعرض لمثل هذه المواقف، فقد تمكن من إيجاد شريكة لحياته لا ترفض معتقده. قال: "لكن المشكلة في أهلها، لو علموا أنني ملحد سيذبحونها، ولو عرفوا في البداية لما قبلوا زواجنا". وأضاف: "زوجتي متدينة ولم تنشأ بيننا خلافات بسبب التوجه الديني، بل أنني في بعض المرات أشغل لها القرآن".

موقف آخر تعرض له "بيشوي" (اسم مستعار) وهو مسيحي ألحد ثم تزوج بمسلمة دون علم أهله باستثناء إخوته، أما أهل زوجته فقد قبلوا هذا الزواج من مبدأ أن ابنتهم نجحت في إدخال زوجها إلى الإسلام، على الرغم من أن إسلامه كان صورياً ومن أجل تمرير عملية الزواج في مصر.

السلطة لا تعتبر الإلحاد خطراً

على عكس ما تصوره الصحف، خاصة الأجنبية منها، فإن النظام الجديد لا يستهدف الملحدين بشكل خاص ولا يعمل على اصطيادهم الواحد تلو الآخر. قال كريم: "الملحد مثل السلفي، هناك من يهادنون النظام، وهناك من يعارضونه سياسياً ولكن إذا تعدى الاعتراض الخطوط الحمراء يقوم النظام باعتقال الملحد مستخدماً فزاعة الكفر. فالنظام يراقب الجميع والملحدون لا يشكلون خطراً عليه ما داموا بعيدين عن السياسة"، لذا "لا تعتبر السلطة الإلحاد خطراً بل فزاعة تستخدمه وقتما تشاء لتبرير بعض عملياتها، والمجتمع يتقبل ذلك بصدر رحب".

يرى كريم أن المقهى الذي هاجمته الشرطة منذ شهرين ليس مقهى للملحدين كما صوره الإعلام. قال: "وارد أن يكون هناك بعض الملحدين، لكن الشرطة لم تهاجم المقهى بسبب الإلحاد، فقد اتخذت من الإلحاد حجّة لتخفي أهدافاً أخرى".

وأكّد كريم أنه ليس هناك مكان محدد للملحدين. صحيح أن قهوة "صالح" في وسط البلد كانت المكان الأول للملحدين، إلا أن هذا التجمع قد افترق وليس غريباً أن تجد ملحداً هنا أو هناك يرتاد مقاهي مختلفة، وتابع: "تجمعات الملحدين تبدأ بشكل عفوي على فيسبوك، فكل ملحد جديد يحاول أن يبحث عن شخص يشاركه في الفكر نفسه ثم يتفقان على اللقاء في أحد المقاهي".

الحرب على الملحدين يشنّها المجتمع والمؤسسة الدينية للدولة المتمثلة في الأزهر. ففي تقرير أثار سخرية غالبية المثقفين، أكدت دار الإفتاء التابعة للأزهر أن عدد الملحدين في مصر لا يزيد عن 866. وتساءل المتابعون عن الآلية التي استخدمها الأزهر لمعرفة هذا الرقم بدقة. حتى أن صحيفة الغارديان البريطانية سخرت من هذا العدد بالقول إنه تصعب معرفة عدد المواطنين الذين يعيشون في القاهرة، بل حتى عدد المسلمين والمسيحيين على وجه الدقة. لكن الأزهر قرّر أن نسبة الملحدين هي 0.001% من الشعب.

واللافت أن عدد متابعي صفحات ومجموعات الملحدين على فايسبوك، كصفحتي "أنا ملحد" و"ملحد منطقي" ومجموعتي "الملحدون المصريون" وEgyptian Atheists and Agnostics Social Club وغيرها ليس مرتفعاً بعكس انتشارهم في الواقع. فأغلبهم يعطي تجربته الدينية طابعاً فردياً ويحاول أن يخوضها بنفسه قبل التعرف على آخرين يقاسمونه هذا التوجه.

الأسر تعتبر أولادها "ملبوسين"

الأزمة الأكبر التي يتعرض لها الملحدون تكمن في علاقاتهم بأسرهم التي ترى في التوجهات الدينية لأبنائها وصمة عار. شرحت ياسمين: "طبعاً كانت هناك مرحلة من لجوء أهلي إلى الشيوخ حتى إلى العرافين أحياناً، فقد ظنوا أنني "معمول لي عمل" لأنني لم أعد أصلي، وتزايد هذا الصدام مع خلعي الحجاب".

وأوضح كريم أنه كان يتشاجر مع أهله في بدايات إلحاده لمجرد أنه ترك الصلاة، لكنه أدرك خطورة هذا الأمر على علاقته بعائلته. قال: "لو علم والدي أنني ألحدت لأصيب بذبحة قلبية على الفور، لذا فضلت أن أتعامل معهم بهدوء، وفي بعض الأحيان كنت أذهب إلى الصلاة شكلاً من أجل إرضائهم".

واختتم كريم حديثه: "لدي فلسفة خاصة. لو كان هناك جنة ونار، في اعتقادي سأدخل الجنة لأنني لا أؤذي الناس، وإذا كان هناك إله فسيكون بالعظمة والحكمة اللتين تحولان دون وضع عقله بعقلي، فعقلي الذي خلقه لي هو الذي جعلني ألحد، لكني ملتزم بالأخلاقيات السامية الخيّرة".

نشر الموضوع على الموقع في 21.03.2015

كلمات مفتاحية
الإلحاد مصر

التعليقات

المقال التالي