مئة عام من التدخلات الأجنبية في سوريا

مئة عام من التدخلات الأجنبية في سوريا

في 16 مايو 1916، وُقّع اتفاق سايكس-بيكو السري (نسبةً إلى الديبلوماسي الفرنسي فرنسوا بيكو والبريطاني مارك سايكس) مع موافقة الامبراطورية الروسية آنذاك، وذلك بغية تقاسم الهلال الخصيب، بعد سقوط السلطنة العثمانية التي كانت حتى الحرب العالمية الأولى المسيطرة على المنطقة. ولكن نفوذها تهاوى وأصبحت تُعرف بـ"الرجل المريض". رسم هذا الاتفاق معالم دول المنطقة وحدد حدودها وخلق لها هويات متباينة لم تكن موجودة في ظل حكم السلطنة العثمانية. أصبحت سوريا حكماً، جراء هذا الاتفاق، تحت الانتداب الفرنسي.

لم تكتف فرنسا بوضع يدها على معظم سوريا، بل استغلت هذا الانتداب لغاياتها الجيوستراتيجية. ففي السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، ومع تخوّف فرنسا من مشاركة تركيا في الحرب إلى جانب ألمانيا النازية، عمدت إلى إعطائها لواء الإسكندرون السوري، وذلك لضمان مشاركتها الحرب إلى جانب الحلفاء. وبالفعل، هذا ما حصل، إذ وقّعت تركيا اتفاقاً مشتركاً مع كل من فرنسا وبريطانيا، وخاضت الحرب إلى جانبهما.

اعلان


في العام 1944، وعلى الرغم من معارضة فرنسا الشديدة، حصلت سوريا على استقلالها واعترف كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة بها دولةً مستقلةً ودخلت الأمم المتحدة في العام 1945. وعلى الرغم من هذه السيادة المعطاة للدولة السورية، فإن التدخلات الأجنبية لم تتوقف، بل خف بروزها.

في يوليو 1947، أجريت أول عملية انتخابات ديموقراطية حرة في سوريا، إلا أن هذا النظام والحكم الديموقراطي لم يستمرا طويلاً وخبا وهج الاحتكام إلى الانتخابات أمام الانقلابات التي شكلت سوريا مسرحها. ففي العام 1949، هندست وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية في عهد الرئيس الأميركي هاري ترومان انقلاباً عسكرياً ناجحاً في سوريا، قاده قائد الجيش السوري حسني الزعيم وتمكّن على أثره من الإطاحة بالرئيس السوري شكري القوّتلي، ودامت فترة حكمه قرابة الأربعة أشهر. وتعقيباً على هذا التدخل في الحياة السياسية السورية، وتشريع الباب أمام انقلابات عسكرية لن تنتهي، عارض كثر من قلب الإدارة الأميركية هذا التصرف الطائش أو "غير المسؤول"، بحسب تعبير دين هينتون، موظف في وزارة الخارجية الأميركية.

في 30 مارس 1949، تلقى فريد شهاب، مدير الأمن العام وقتذاك، اتصالاً في دارة أصدقائه في قصر سرسق من صديق قديم عرفه في سجن راشيا، هو حسني الزعيم. أتى اتصال الزعيم ليطلب رأيه بالانقلاب الذي تم قبل بضع ساعات في سوريا ووصول الزعيم إلى سدة الحكم. في الأحاديث التي جرت بينهما في السجن، كان الزعيم، المعارض لفرنسا، يردد على مسمع شهاب "سأعمل، سأريهم، سأصبح... غداً سيأتي فوزي القاوقجي والألمان وسأخرج". لا يختلف عاقلان على أن سوريا والمنطقة شكلتا دائماً ساحةً لتصارع القوى الخارجية وتدخلاتها ودعم الانقلابات وإسقاط الحكومات وعقد الاتفاقات على حساب شعوب المنطقة، وإن بدرجات متفاوتة.

وبالفعل، شكّل انقلاب الزعيم سابقةً في سوريا، ومقدمةً لما يقارب العشرين انقلاباً أو محاولة انقلاب متتالية، انتهت بالحركة التصحيحية. ثم توالت المحاولات الغربية لتصحيح هذا الخطأ وإقامة نظام قريب من الغرب في سوريا، ومنها محاولة بريطانية قادها رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن ووزير خارجيته وسعت إلى إشعال تحركات عند الحدود مع تركيا وتجييش القبائل في الريف وحتى إدخال الجيش العراقي لتحريك الوضع في سوريا ودعم نظام قريب من الغرب. ووجدت بريطانيا دعماً أميركياً لخطتها في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور، الذي وافق على خطة مشتركة بين وكالة الاستخبارات المركزية والاستخبارات البريطانية.

في 12 أغسطس 1957، أعلنت الحكومة السورية كشفها لمحاولة انقلابية بدعم أميركي. وعلى الفور، طوّق الجيش السوري السفارة الأميركية في دمشق. وكانت هذه الأزمة على وشك أن تتحول إلى مواجهة واصطدام بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي.

استمرت التدخلات الأجنبية بعد الوحدة بين مصر وسوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة، وأدت هذه التدخلات إلى سقوط مشروع الوحدة وحلم جمال عبد الناصر بوحدة عربية اشتراكية.

ومذاك الوقت، أخذ التدخل الأجنبي في سوريا أشكالاً متعددة من دعم لمناوئي السلطة أو الحكومة، ودعم للإخوان المسلمين في بعض السنوات ومحاربتهم عندما تنتفي الحاجة إليهم. فبين العامين 1976 و1982، حاول الإخوان المسلمون الإطاحة بالحكومة بعد تلقيهم الدعم والتسليح من الخارج، وبشكل خاص من العراق والأردن والولايات المتحدة الأميركية

فكرة سوريا الموحدة كانت تزعج بعض الأوساط الإسرائيلية. عام 1989، وضع عوديد ينون خطة "إسرائيل الصهيونية" واعتبر فيها "أن تفكيك كل من العراق وسوريا إلى مناطق طائفية وإثنية حصراً، كما هي الحال في لبنان، يشكل الهدف الرئيس لإسرائيل على الجبهة الشرقية، كما أن تفكيك القوة العسكرية لهاتين الدولتين، يشكل الهدف الأساس على المدى القريب. ستتفكك سوريا بما يتوافق مع بنيتها الطائفية والإثنية، وستنشأ منها عدة دويلات، كما هي الحال في لبنان. ستقوم الدولة الشيعية العلوية على الساحل، والدولة السنية في منطقة حلب، ودولة سنية أخرى معادية لجارتها الشمالية في دمشق، وللدروز دولتهم، حتى لو في الجولان خاصتنا، وبالتأكيد في حوران وشمال الأردن. والهدف من ذلك ضمان الأمن والسلام في المنطقة على المدى البعيد، وهذا الهدف في متناول أيدينا اليوم".

حالياً، وبعد التطورات الأخيرة لم يعد الإسرائيليون قلقين من سوريا الموحدة، فنحن نشهد اليوم تشكّل نواة دويلات طائفية على أنقاض الدولة السورية الجامعة.

إن راجعنا تاريخ سوريا منذ الحرب العالمية الأولى، نصل إلى خلاصة واحدة هي أن المنطقة العربية ودولها شكلت منذ نشوء كياناتها مسرحاً للأجهزة الاستخبارتية العالمية من أميركية وبريطانية وفرنسية. وعلى الرغم من خفوت نفوذ بعض الدول في المنطقة وتراجع دورها، فإن قوى أخرى تؤدي هذا الدور وتتفوق على سابقاتها في التلاعب بالمنطقة ودولها. فقد شهدت سوريا على نفوذ فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وحتى على نفوذ الاتحاد السوفياتي ولو بدرجات أقل. والمضحك أن معظم هذه التدخلات الأجنبية حصلت بعد حصول سوريا على سيادتها.

كلمات مفتاحية
التاريخ سوريا

التعليقات

المقال التالي