أبرز القضايا المستقبلية التي يختلف حولها السوريون

أبرز القضايا المستقبلية التي يختلف حولها السوريون

يقترب عمر الثورة السورية من الخمس سنوات ولكن مطالب أوائل المتظاهرين بالحرية والكرامة لم تتحقق. تستمر أطياف واسعة في المطالبة بإسقاط النظام لكن السوريين لم يتفقوا على رؤية مشتركة لمستقبل بلدهم. باختصار، المستقبل القادم "مجهول" ومدار صراعات.

يطمح البعض إلى دولة قومية، وآخرون إلى دولة علمانية، ولكن الغالبية تبحث عن شكل ما لدولة إسلامية. هذه الرؤى المتضاربة يفاقم من التحديات الناجمة عنها انتشار جيوش وميليشيات موزعة على الخارطة السورية.

اعلان


سوريا القائمة والمقبلة

"علينا نسيان أن هناك سوريا ما دام هناك نظام يمثله شخص الأسد"، يقول المعارض كمال اللبواني مذكراً بأن الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عمل على "زرع فكرة الأبدية في رؤوس السوريين". يعتقد اللبواني أن سوريا ستنقسم إلى خمس دول: دولة علوية في الساحل السوري بحماية روسية، دولة حلب وحماة بقيادة الإخوان المسلمين والنصرة وبرعاية تركية، دولة كردية في الشمال، دولة الجنوب التي تضمّ دمشق ودرعا، ودولة البادية بيد داعش. ويلفت إلى وجود "مربع أمني شيعي، في حمص والقصير وشمال القلمون".

وبحسب عضو الكتلة الديمقراطية في الائتلاف الوطني السوري زكريا السقال، فإن سوريا القادمة يهددها، إضافة إلى عسف النظام وخطر الإرهاب المتمثل بداعش وجبهة النصرة، الشتات. برأيه، "سيسمح الشتات لكثير من الدول الإقليمية والدولية باللعب بمستقبل البلاد وتفتيته، ما يكفي لأن يضع السوريين في صراع معقد ومتعدد الجبهات".

ويعترف الصحافي فادي أ. سعد بأن الوقائع والاحتمالات المستقبلية تختلط عليه، ولكنه يأمل أن يكون هناك في سوريا المستقبل، "نظامٌ ديمقراطي برلماني حُرّ، خالٍ من أيّة تأثيرات إيديولوجية".

أما مستشار الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي سيهانوك ديبو، فيلفت إلى التعقيدات الصعبة للوضع السوري. أقام حزبه في شمال شرق سوريا إدارة ذاتية ديمقرطية، ولكنه يؤكد "أن الحل الأنسب يتمثل في نظام برلماني بلا مركزية سياسية".

كيف سيكون شكل الدولة؟

ينحاز زكريا السقال إلى شكل الدولة العلمانية في سوريا، مؤكداً "أن العلمانية لا تلغي الدين بل تعطي المؤمن الحقوق التامة، في حين أن الدولة الدينية تحتكر السلطة وتلغي الآخرين". يرفض تماماً مفهوم الدولة المدنية ويعتبره "كذبة" يمارسها الإسلاميون والعلمانيون، فـ"كل منهم يريد دولته ولهذا تبنوا مفهوم الدولة المدنية متذرعين بأنه في أواسط العصر العباسي كان هناك إرهاصات للدولة المدنية".

ورأى سيهانوك ديبو أن "وجود ثلاث إلى أربع إدارات ذاتية ديمقراطية في سوريا المستقبل، سيشكل المفهوم الأمثل للديمقراطية، خصوصاً أن الهدف هو الانتقال صوب دولة المواطنة المتمدنة".

يتفق كمال اللبواني مع رؤية ديبو من حيث الشكل، ويرى "ضرورة فصل الثقافة والهوية والدين عن السياسة، وقيام اتحادات لا قومية ولا إيديولوجية ولا دينية"، معتبراً أن الإسلام السياسي "يرقص رقصة الموت". لكنه يعود ويتحدث عن "أن إسلام هذا العصر يتعرض لتهديد وجودي"، مبرراً التعصب بكونه "هو ردة فعل على الشعور بهذا الخطر".

ويخشى السقال من استمرار حال الصراع القائم وتأجيجه من أطراف لها مصلحة بإضعاف سوريا، وإطالة أمده "ما قد يؤدي بالفعل إلى تقسيم البلاد وعدم رسم شكل جامع للدولة". ولتفادي ذلك، ينادي بـ"توافق القوى السياسية على شكل الوطن، والابتعاد عن الأوهام والخرافات والعمل على أن الوطن لجميع السوريين". وبرأيه، إذا ما بقي الانقسام الحالي دون وضع عقد اجتماعي، "ستأخذ الميليشيات الموجودة على الأرض خطاً مغايراً للشكل المراد".

مستقبل الفوضى الأمنية

لا يركّز اللبواني كثيراً على خطر التيارات الجهادية، ويعتبر أنها ردة فعل وأنها "الشكل الوحيد المتوفر للدفاع عن وجود العرب السنة ما دام الظالم يتوغل في جريمته. وعندما يثبت الحق سوف تتغير ظروف الصراع، وإلا فإن التطرف هو الوحيد القادر على إحداث التوازن مع عدو غاشم مدعومٍ دولياً". وقال: "أعطني حق العيش على أرضي لأحارب التطرف. لكن ما دام النظام مستمراً في معركة التغيير الديموغرافي للمجتمع فلا نستطيع الطلب من تلك القوى الجهادية المقاتلة على الأرض أن تقف. لا يحق لنا الطعن في ظهر من يدافع عن أهله".

يؤكد فادي سعد أنه فعلاً لا يدرك إلى أين ستؤول الأوضاع مستقبلاً في سوريا، تاركاً ذلك لـ"الغيب". بينما يأمل سيهانوك ديبو أن يتم إيجاد قوى سياسية متوافقة و"جيش وطني سوري موحد". ولا يستبعد أن تكون "وحدات حماية الشعب" و"وحدات حماية المرأة" الكرديتان نواةً لهذا الجيش المستقبلي، نافياً سعي الكرد للانفصال أو التقسيم ورافضاً في الوقت ذاته أن يكونوا طرفاً في مشهد الاحتراب الطائفي السني الشيعي.

ويطرح ديبو مشروع "الأمة الديمقراطية" الذي يحمله حزب الاتحاد الديمقراطي ويعتبره خطاً ثالثاً رافضاً لأي مشروع إسلاموي متمثل بتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، ومستبعداً أيضاً المشروع القومي البدائي المتمثل بالفكر البعثي كحل قويم لسوريا.

بين القومية والطائفية

يشير اللبواني إلى أن الأقليات ستزول مع النظام ويرفض تقديم أيّة ضمانات مستقبلية للعلويين، ويقول: "مَن ينشق من العلويين عن النظام سيبقى ومن يتعاون معه سيرحل. وفي حال لم يتحركوا مع السوريين لإسقاط النظام، سيبقى وجودهم مرهوناً بجيوش أجنبية تحميهم".

يستغرب فادي سعد وجهة نظر اللبواني حول العلويين، ويقول: "لا أعرف مَن هم الذين يتحدثون بأن العلويين ليسوا شركاء في الوطن. هل هم سوريون حقاً؟". ويضيف: "أشد أعداء سوريا لا يمكن أن يصل بهم الخيال الإجرامي إلى هذا المستوى، لأن هذا الطرح يُسقط مكوناً سورياً أساسياً". ويتابع: "ستبقى كل المكونات السورية شريكة في الوطن، وظاهرة التعميم أمر ظالم ولن تؤدي سوى للمزيد من التعقيد. مستقبل العلويين كما سواهم من السوريين يجب أن تضمنه دولة ديمقراطية تحترم الإنسان الفرد، ولا بأس أن تكون بغالبية إسلامية على الطريقة التركية العلمانية".

ويتفاءل بوجود دولة قانون، وعقد تاريخي وسلطة قضائية تحتكم إلى قوانين وضعية حديثة لا إلى الشريعة ويقول: "هذا ما سيحدده وعي المناضلين من أجل توافق وطني، بعيداً عن الارتهان للدول الإقليمية والخارجية، والعمل فقط لوحدة الجغرافيا السورية".

كرد سوريا يُعتبرون ثاني أكبر مكون بحسب سيهانوك ديبو الذي يؤكد أن "كردستان هي حقيقة بشرية ومجتمعية وسياسية تسبق الكثير من الدول التي تم استحداثها عبر الخرائط والتقسيمات التي طرأت على الشرق الأوسط. والشعب الكردي عريق ويعيش على أرضه التاريخية ويشكل القومية الرابعة في الشرق الأوسط".

لكن هذا لا يعني، والكلام لديبو، "أن حل هذه القضية يمرّ بالضرورة عبر إنشاء دولة مستقلة"، معتبراً أن نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية الذي طرحه حزب الاتحاد الديمقراطي والمستوحى من فلسفة عبد الله أوجلان، كفيلٌ بأن يكون حلاً وطنياً للأزمة السورية وللقضية الكردية. أما سعد فهو مقتنع بأن "مستقبل سوريا مرتهن بالتوافقات الدولية في النهاية".

سردار ملا درويش

صحافي سوري يحمل إجازة في الإعلام من جامعة دمشق، يعمل في الصحافة المكتوبة والمسموعة والإلكترونية وعضو هيئة إدارية في رابطة الصحفيين السوريين.

التعليقات

المقال التالي