المعتقلات السوريات يعانين بعد إطلاق سراحهنّ... بسبب المجتمع

المعتقلات السوريات يعانين بعد إطلاق سراحهنّ... بسبب المجتمع

لم تطل فترة التآخي الإنساني التي تجلّت في بداية الثورة السورية ضمن الشريحة الثائرة والمتعاطفين معها. فمع دخول الثورة في مرحلة من الفوضى الزاخرة بالانتهاكات، برزت ازدواجية في النظرة إلى النساء اللواتي يخرجن من معتقلات النظام بسبب سلوكهنّ طريق الكفاح السلمي في سبيل الحرية.

تغصّ وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي بالتعاطف مع المعتقلات والتباكي عليهنّ. إلا أن اللواتي يُكتب لهن الخروج حيّات لا يسلمن من الهمس جراء الحديث المعمم عن عمليات الاغتصاب التي تعرضن لها، بطريقة لا تختلف عن الحديث عن اللواتي امتهنّ طوعاً الطريق المنافية للقيم الاجتماعية.

اعلان


ويساهم المحيط الاجتماعي للمعتقلات المحررات في تفاقم الآثار النفسية التي غالباً ما ترافقهنّ، وتعقّد أزمات ما بعد السجن، لتصبح معاناة النساء اللواتي يختبرن تجارب السجون مضاعفة في ظل القيم المجتمعية المحافظة ومفاهيم الشرف التي لم تعد تميّز ما بين الفعل الإرادي وضحايا الجرائم.

معاناة النساء بعد الخروج من المعتقلات

إيمان (اسم مستعار)، فتاة دمشقية مجازة باللغة العربية، أكملت عامها الثلاثين في سجون النظام. اختارت هذا الاسم للتعريف عن نفسها لأنه يشير إلى إيمانها بالطريق التي سلكتها. لم تكتمل فرحتها بنجاة شقيقها جراء إصابته في إحدى معارك الغوطة مطلع عام 2013. فقبل مغادرته المشفى الميداني، اعتُقلت في أحد مقاهي حي القدم من قبل المخابرات الجوية بسبب نشاطها في مجال الإغاثة ورصدها تحركات القوى الأمنية والشبيحة.

أكثر من عام أمضت في أقبية الظلام التي لا تكفي الكلمات لوصف الانتهاكات التي تحدث فيها والظلم الذي يلحق بالمعتقلين. قبل خروجها بصفقة تبادل راهبات معلولا، تنقّلت بين عدة معتقلات قبل أن تصل إلى سجن عدرا. ورغم المآسي الكثيرة التي رافقتها، فإن ملامح الألم والحسرة تجلّت لديها أكثر عند حديثها عن إحدى المعتقلات لا عن نفسها.

تلك الشابة لم تبلغ العشرين من العمر واعتقلت مع أمها وطفلها الرضيع على أحد حواجز الغوطة الشرقية. وما كان أشد إيلاماً للأم التي تخطت الخمسين ليس رؤية حفيدها الذي كبر على عجل وأصبح يأكل من طعام السجينات قبل أن يتعلم النطق، ولا العذاب الذي تعرضت هي وابنتها له، بقدر ما كانت تعنيها وتؤلمها نظرات المجتمع عند خروجها وابنتها، وهي التي رأت عن كثب نظرات الأوساط المحيطة التي تغتصب المفرج عنهن، وسمعت همس ألسنتهم واللوم الذي يوجه لهن جراء المخاطرة بسمعتهن، وتصنيفهن ضمن قائمة الفئات الهابطة أخلاقياً.

في السياق ذاته، روت فتاة من حماة، اعتقلتها عناصر الأمن العسكري لمدة أربعة أشهر ونصف الشهر وأفرج عنها قبل سبعة أشهر لعدم إدانتها بأي نشاط معارض، كيف تعيش مأساة مزدوجة. فتداعيات مرحلة ما بعد الاعتقال ليست أقل أذيةً من الاعتقال ذاته، إذ أرغمها الواقع الاجتماعي على ترك جامعتها في حلب ثم ترك بيئتها والسفر إلى تركيا محاولةً إخفاء مرحلة قاسية من عمرها.

يمكن للإنسان أن يدرك عمق مآسي المعتقلات حين يسمعها تقول: "أتمنى أن أفقد ذاكرتي فربما يكون ذلك أهون عليّ من الرعب الذي ما زلت أعيشه يومياً رغم مغادرتي سوريا بعد أسبوعين من الإفراج عني، ويخلصني من النظرات الممزوجة حيناً بالشفقة وحيناً باللوم أو الاستغلال".

ساهمت وسائل إعلام المعارضة التي نافست وسائل إعلام النظام في عدم الموضوعية بزيادة مآسي المعتقلات. فقد تمادت بالترويج لتعرض كل معتقلة للاغتصاب، رغم عدم دقة ذلك. كذلك تناضل المؤسسات الثورية من فنادقها دون اكتراث بأصحاب التضحيات الحقيقية بمختلف أصنافهم، ومن ضمنهم المعتقلات اللواتي لا تختلف تضحياتهن عن تضحيات الذين قدموا دماءهم في ساحات القتال دفاعاً عن حريتهم وكرامتهم.

تراجع الوعي

كل ذلك يؤكد التغيرات السلبية التي طرأت على المجتمع السوري الحديث إثر الفراغ الذي خلفه انهيار الإيديولوجيات الوضعية، والتي بدأت مع موت الحياة السياسية والثقافية في ظل حكم ديكتاتوري مطلق.

فخلال فترة الانتداب الفرنسي، عبّر السوريون عن رفضهم للاحتلال بأشكال شتّى كالتظاهرات والاحتجاجات والثورات المسلحة، وشاركت المرأة إلى جانب الرجل في تلك التحركات، وتعرضت للملاحقة والاعتقال، لكن ذلك كان يزيدها وقاراً ومكانة في وسطها، نظراً للقيم التي تناضل من أجلها ولما تتحلى به من جرأة. وكان الحال كذلك خلال المرحلة الأولى بعد الاستقلال حين انتشر المدّ القومي واليساري وولّد تعددية في أوساط المجتمع السوري.

أما اليوم، فأضحى الوضع مختلفاً. فالمفاهيم تغيّرت وتراجعت الأفكار الإنسانية في المجتمع السوري بسبب محاولته ترميم وتجديد هوية قديمة يعتقد أنها الفضلى والمثلى، وهذا ما ولّد ثقافة ملأى بالتناقضات الحادة والإزدواجيات المربكة. فبينما تجاهر هذه الثقافة الجديدة بالدفاع عن المعتقلات وتصفهن بالحرائر علناً، لا يمكنها الخروج حتى عن فكرة "صوت المرأة عورة".

لذلك أصبحت الخارجة من السجون، بكل ما تحمله من آلام جسدية وندوب نفسية، أشبه بالنكرة في بيئتها وتلام على جرأتها ويُنظر إليها على أنها مذنبة لا ضحية، لتجد نفسها أمام معاناة جديدة يفاقمها الوسط الذي ضحّت من أجله، عوضاً عن أن يكرّس جهده لاحتضانها وإعادة الثقة إليها كي تتخطّي أزماتها.

التعليقات

المقال التالي