تونس تعلن حالة الطوارئ: هل انتهى زمن الربيع؟

تونس تعلن حالة الطوارئ: هل انتهى زمن الربيع؟

ما زالت العملية الإرهابية التي استهدفت منتجعاً سياحياً في سوسة في 26 يونيو الماضي تلقي بظلالها على الوضع العام في تونس. ومن آخر تداعياتها قرار إعلان حالة الطوارئ الذي اتخذه الرئيس الباجي قائد السبسي أواخر الأسبوع الماضي. وفي الوقت الذي لقي فيه هذا القرار رفضاً في أوساط المعارضة التي اعتبرته وسيلة في يد الحكومة للتضييق على الحريات العامة والحقوق، اعتبرته أطراف أخرى مساندة للحكومة السبيل الأنجع لمكافحة الإرهاب.

قلق من تقييد الحريات

منذ اللحظة التي تسربت فيها معلومة فرض حالة الطوارئ، وقبل أن يلقي قائد السبسي خطابه، سارع عدد من الناشطين الحقوقيين والنقابيين والوجوه السياسية البارزة إلى التحذير من تبعات هذا القرار على الحريات الفردية والجماعية.

من هؤلاء جوهر بن مبارك، أستاذ القانون الدستوري والمنسق العام لشبكة دستورنا، الذي قدّم قراءة مفصلة لقانون الطوارئ، وخلص إلى أنه سيتسبب في "تقييد حزمة من الحريات منها حرية التنقل وحرية الاجتماع وحرية التظاهر وحرية الإعلام وحرية النشر وحرية الإضراب وسينتهك حرمة المسكن وحرمة الحياة الخاصّة والحقّ في الأمان... بدون ضوابط أو قيود من أيّ نوع كان".

ورأى حمة الهمامي، المنسق العام للجبهة الشعبية، أن إعلان حالة الطوارئ هو بمثابة فرض هدنة اجتماعية بالقوة. يُذكر أن البلاد تشهد تحركات نقابية غير مسبوقة في عدد واسع من المجالات، ويُعتقد أن حالة الطوارئ ستقيّد هذه التحركات، وقد تجلى ذلك في إسراع الحكومة إلى فضّ اعتصام عمالي بالقوة في جهة قابس مباشرة بعد الإعلان عن حالة الطوارئ.

كما أصدر حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد بياناً أبدى فيه استغرابه من قرار إعلان حالة الطوارئ بعد أكثر من أسبوع على عملية سوسة الإرهابية، وعبّر عن رفضه "سياسة خلط الأوراق... وإخضاع ممارسة الحقوق والحريات إلى الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد".

في الإطار نفسه، اعتبر محمد عبو، الأمين العام للتيار الديمقراطي، أن إعلان حال الطوارئ يدفع المواطن إلى التفريط في حريته مقابل تحقيق الأمن، وأكد أن "الإرهاب آفة ستنتصر عليها الدولة، ولكن يجب أن لا يكون ثمن ذلك التفريط في المشروع الديمقراطي".

وأكدت نزيهة رجيبة، الناشطة الحقوقية المعروفة، على عدم جدوى فرض حالة الطوارئ في مكافحة الإرهاب، واعتبرت أن "الإرهاب لا يُحارب إلا بمزيد من الحريات"، وعبّرت عن تخوفها من أن يكون هذا القرار مجرّد "هروب إلى الحلول القصوى لإخفاء عجز الحكومة".

تونس تعلن حالة الطوارئ .. هل انتهى زمن الربيع في تونس

وشكك المرصد التونسي لاستقلال القضاء في دستورية قرار إعلان حالة الطوارئ، واعتبر أن الفصل 80 من الدستور الذي يسمح لرئيس الجمهورية باتخاذ "إجراءات استثنائية" مشروط بوجود أوضاع أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية استثنائية، أو وجود خطر داهم يهدد استقلال البلاد ووحدتها الترابية. وفي غياب هذه الأوضاع والمخاطر، خلص المرصد إلى عدم وجود ما يبرر إعلان حالة الطوارئ، ودعا إلى العودة للعمل بالقوانين العادية.

وقبل الإعلان عن حالة الطوارئ، كانت الحكومة قد اتخذت حزمة من القرارات الأخرى منها إغلاق 80 مسجداً غير خاضعة لسيطرة الدولة، ومنع وجوه سياسية وأئمة من إلقاء خطب في المساجد، مثل رضا بلحاج، الأمين العام لحزب التحرير، والبشير بن حسن، إمام جامع مدينة مساكن، مما جعل البعض يعتقد أن إعلان حالة الطوارئ يرمي فقط إلى تسهيل تنفيذ قرارات حكومية قد تلقى معارضة شديدة في الظروف العادية.

للقرار مبرراته

في المقابل، أكدت مصادر صحفية أن قرار إعلان حالة الطوارئ اتخِذ بعد عمل استخباري دقيق أكد وجود تهديدات إرهابية وشيكة، منها تفجير سيارات مفخخة واستهداف منشآت حيوية وسيادية، ويرمي إلى مساندة جهود قوات الأمن من خلال إشراك الجيش في تأمين عدد من المقارّ والمواقع.

وأصدرت حركة النهضة الإسلامية، المشاركة في الائتلاف الحاكم، بياناً قالت فيه إنها "تتفهم هذا القرار في ضوء التهديدات والعمليات الإرهابية التي ألحقت أضراراً بالغة بأمن البلاد واستقراها واقتصادها". وفي الإطار نفسه، عبّر محسن حسن، عضو مجلس نواب الشعب عن الاتحاد الوطني الحر، المشارك في الائتلاف الحاكم أيضاً، عن مساندة حزبه للقرار "لأن وحدة البلاد باتت مهددة في ظل الأوضاع الراهنة".

ويعتقد مراقبون أن إعلان حالة الطوارئ يقترن بتغيير جوهري في تكتيك الجماعات الإرهابية في تونس. فجميع العمليات التي حصلت في السنوات القليلة الماضية استهدفت أمنيين وعسكريين ووجوهاً سياسية، أما العمليتان الأخيرتان في متحف باردو ومنتجع امبريال مرحبا فقد استهدفتا السائحين دون سواهم. وبالنظر إلى أهمية السياحة للاقتصاد التونسي، وهي تساهم بنحو 7% من الناتج الوطني الخام و9% من العائدات بالعملة الصعبة و12% من اليد العاملة، فإن إعلان حالة الطوارئ يبرره حجم الضرر الذي حصل والذي قد يحصل في حال وقوع عمليات إرهابية أخرى.

اقتصادياً كذلك، تبرز توقعات البنك الدولي بتراجع نسبة النمو في تونس لسنة 2015 إلى حدود 2.6 بالمئة، بعد أن كانت في حدود 3 بالمئة، لأسباب متعددة منها تعطل الإنتاج في قطاعات النقل والموارد الطبيعية، وخاصة الفسفاط (الفوسفات)، بسبب كثرة الإضرابات. وقد يُساعد قانون الطوارئ في مواجهة الإضرابات والاعتصامات العشوائية، ويُحسّن نسبة النمو المتوقعة، لتتحسن معها نسب التشغيل والاستثمار.

ولكن في خضم التجاذب الحاصل بين مؤيدي حالة الطوارئ ومعارضيها، وبين المعتقدين بجدوى هذا القانون في مكافحة الإرهاب من عدمها، يبدو أن الأطراف السياسية والنقابية في البلاد تناست أن تونس حُكمت بقانون الطوارئ من يناير 2011 إلى مارس 2014 دون أن يتسبب ذلك في تقييد الحريات أو في القضاء على الإرهاب. إضافة إلى ذلك، قدّم رئيس الدولة في الخطاب الذي أعلن فيه حالة الطوارئ ضمانات بعدم المس بالحريات العامة، وحدد مدتها بثلاثين يوماً فقط.

من هذا المنطلق، يُعتبر القلق المبالغ فيه من التبعات السلبية لحالة الطوارئ أو الثقة المفرطة في ما ستأتي به من إنجازات أمنية ليس سوى رؤى ذاتية يدفعها الموقع الذي يتخذه كل طرف وعلاقته بالسلطة. وإن كان للبلاد أن تسير بخطى ثابتة في مواجهة آفة الإرهاب مع المحافظة على المكتسبات التي جاءت بها الثورة، فإن الجميع ملزمون بتبني مقاربة أشمل لمقاومة الظاهرة، ولا يكون ذلك بتبني أنصاف الحلول أو التشكيك المتواصل في نياتها ونتائجها.

عزالدين السعيدي

أستاذ جامعي وصحافي تونسي، مساهم في وسائل إعلامية عدة. يحمل إجازة في اللسانيات الإنغليزية.

التعليقات

المقال التالي