الأغنية الوطنية العراقية تحتاج إلى مَن ينقذها من طائفيتها وابتذالها

الأغنية الوطنية العراقية تحتاج إلى مَن ينقذها من طائفيتها وابتذالها

مع هجمة تنظيم داعش على العراق وسيطرته على أجزاء كبيرة من أرضه، سعت الحكومة العراقية، عبر مؤسساتها الإعلامية، إلى تأسيس أغنية وطنيّة تزيل حالة اليأس من المجتمع المحبَط جراء هزيمة الجيش. إلا أن هذه الأغاني صارت تعطي طابعاً سلبياً على العكس من الطابع الذي أُنتجت من أجله، وصارت بحاجة إلى مَن ينتشلها من الإسفاف والسوقيّة.

بعد احتلال داعش للموصل، غصّت الساحة الغنائية العراقية بمجموعة من الأغاني، التي دخلت كل بيت عراقي. لكنها، بحسب معنيين، لا تتفق مع الغاية الحقيقية للأغنية الوطنية ذات المقومات الشعرية والموسيقية. فالبعض راح يزجّ فيها بمفردات تثير السجالات بعكس الهدف المنشود منها.

كل شيء إلا الوطن

مطرب شعبي عراقي، لم يُعرف في الفضائيات المحلية والعربية، فكر بتسجيل أغنية وطنية يكون فيها الإيقاع الشعبي صاحب الحضور الأكبر. اتفق مع شاعر وملحن. ولكن الأغنية التي كُتبت له لم ترُقه لأنها لا تأتي على ذكر أيّة شخصيات دينية أو سياسية وهو أراد أن تتضمن مصطلحات دارجة في الأوساط الشعبية.

الشاعر عامر عاصي، الذي كتب أكثر من أغنية وطنية بعد عام 2003، قال لرصيف22 "إن الأغنية الوطنية العراقية تُعاني من قلة وعي الشاعر والمطرب، لعدم علمهما بأهميتها وبالمقومات التي يجب أن تتوافر فيها، حتى أصبحت جزءاً من المشكلة التي يعاني منها العراق، بسبب استخدامها كلمات العُنف".

بعض كلمات الأغاني التي كُتبت تحديداً بعد 2003، لم تختلف فكرتها والمصطلحات التي تضمنتها مع ما يذهب إليه الإرهاب بتفجيراته واعتداءاته. إحدى الأغاني السيئة تقول كلماتها: "نسحل بهم... ندوس على رؤوسهم... نُحرقهم".

وأضاف عاصي: "الأغنية الوطنية فن مستقل يعتمد على الجانب الفكري والمعالجات الوطنية التي تبتعد عن أيّة تسمية غير الوطن، وعن ذكر إسم أيّة شخصية دينية أو سياسية. لكن ليس هذا ما يحصل الآن، فغالبية تلك الأغاني، أُنشدت لشخصيات ورجال دين وليس للعراق".

ورأى أن "كثرة الأغاني التي تُسمّى وطنية جاءت نتيجة تعدد الفصائل المسلحة التي تقاتل إلى جانب القوات الحكومية، كما أن تعدد جهات الإنتاج فتح الباب لمن هبّ ودبّ، مما خلق حالة من الفوضى في أغنية يجب أن تكون بعيدة عن القسوة والعنف، وأقرب إلى القيم الأخلاقية".

يميلون مع الريح

المطرب العراقي قاسم السلطان صار العراقيون يتشاءمون من أغانيه الوطنية، فهو آخر من غنى لصدام حسين عام 2003، أغنيته المعروفة "فوت بيها وعالزلم خليها". فكان أن سقط نظامه بعد ذلك بأيام.

لكنه عاد حديثاً إلى المستمعين بأكثر من أغنية وطنية. يقول في إحداها وهي بعنوان "المايكدر علينا": "ما نخلي جريذي بيهم عايش" (لن نترك جرذاً منهم حيّاً).

تستحضر بعض الأغاني رموزاً دينية. وإن كان أغلب العراقيين متفقين على هذه الرموز فإنها تغيّب الطابع الوطني للأغنية. وصار دارجاً أن تترافق الكلمات الإيجابية التي تُشيد بفعل ما مع صور لشخصيات سياسية عراقية، وكأن الاغنية سُجّلت لهم وليس للعراق.

علماً أن شخصيات الفنانين لم ترتقِ بحضورها إلى مستوى الأغنية الوطنية أو الحماسية. فأغلبهم يظهر في الفيديو كليب راقصاً وحركاته غير ملائمة لأهمية الأغنية وكلماتها، وإن كانت إيجابية وتحمل مضامين وطنية.

كلمات غير لائقة

المطرب الشاب وليد الهاجري، في أغنيته التي أنشدها دعماً للقوات العراقية والقوات المساندة لها في حربها ضد الإرهاب، لم يجد أفضل من كلمة بديلة لمصطلح "ناخذ خاوة" (نأخذ أتاوة) وهو بذلك أوصل رسالة لا تختلف في مضمونها عن أفعال تنظيم القاعدة خلال السنوات الماضية في مدينة الموصل، حيث كان يأخذ الأتاوات من المدنيين.

وانتقد الفنان حسين نعمة وضع بعض المفردات غير اللائقة في أناشيد حماسية، تُسمّى "أغاني وطنية". وأشار إلى "ضرورة أن يعي الجميع أهمية الأغنية الوطنية، والأهداف المرجوة منها".

وقال صاحب أشهر الأغاني في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لرصيف22: "إن الإكثار من إدراج مفردات غير لائقة في كلمات الأغنية الوطنية هو إساءة لها. كما أن هذا النوع من الأغاني يجب أن يُلحَّن بطريقة ترتقي إلى مستوى الحدث وإلى مضمون الرسالة المُرادة منها، لا أن تكون عبئاً عليها".

وتعدّ أغنية "إلا طحين"، التي غنّاها المطرب الشاب سيف عامر، نموذجاً آخر عن انحدار مستوى الأغاني الوطنية. فهي انطلقت من عبارة لاقت رواجاً شعبياً بعد أن ابتكرها أحد مقاتلي الحشد الشعبي، المعروف باسم أبو عزرا أو أبو عزرائيل، حين هدد عناصر تنظيم داعش بأن مقاتلي الحشد لن يتركوهم "إلا بعد أن نطحنهم طحيناً".

أسلحة النظام السابق

مدير فرقة بغداد للعود، المؤلف الموسيقي سامي نسيم، قال لرصيف22 "إن ما يمرّ به العراق الآن مرحلة تتعلق بوجوده، ويحتاج إلى دعم ومساندة من جميع الفئات، خاصة من الوسطين الثقافي والفني، لكن الأغنية الوطنية لم تكن بالمستوى المطلوب مثلما كانت عليه سابقاً، عندما كان لها دور بارز في مواكبة الأحداث بطريقة مهذبة".

ولفت إلى "أن السبب وراء تراجع دور الأغنية الوطنية، يعود إلى تخلي المؤسسة الفنية الرسمية عن دورها، بالإضافة إلى غياب مقوّمات هذا النوع من الأغاني، وضعف الألحان"، مشيراً إلى أنها "لم تكن بمستوى الحدث الذي يمر به العراق"، ومتوقعاً أن "صمت المعنيين سوف يطول، لأنهم غير مكترثين لما يحدث من إسفاف".

لا تتضمن الأغاني المنتشرة مصطلحات "سوقية" وعامية فقط، بل كان للغلو مكان فيها، فيقول أحد المطربين: "نحن الذين نُسقط غيوم الدنيا".

الكاتب والصحافي العراقي، علي عبد الأمير عجام، قال لرصيف22: "خلال عقدي ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته تم إنتاج أكثر من ألفي أغنية ونشيد وأوبريت لا جامع يجمعها سوى الإشادة بعبقرية "القائد" (صدام حسين) الذي حوّل البلاد حطاماً وجعل أهلها بين مشرد وقتيل ومحاصر وجائع. هذا النمط الذي يتعامل مع الفنون والثقافة بوصفها أدوات رخيصة ملحقة بالحكومة هو مفهوم لا يزال قائماً في العراق".

وأضاف: "برغم تغيير النظام فإن المؤسسة الثقافية لا تزال تعاني من عجز فكري. هي عاجزة عن الابتكار، لذا فإنها عادت إلى أسلحة النظام السابق: شعر حماسي أغلبه شعبي رديء لكنه يبدو مهماً لإثارة الحماسة بحسب مروجيه، وغناء تافه يلحنه موسيقيون هم ملحنو موجة الغناء المائع المثير للغرائز، وأوبريتات تتعامل مع الفنانين بوصفهم قطيعاً وتظنّ أنه كلما ازداد عددهم أثناء التصوير عظم عطاؤهم وازداد الشحن الحماسي فيه".

وتابع: "بوصفي ناقداً موسيقياً التزم نهجاً في قراءة الأنغام بكونها مؤشراً اجتماعياً، أجزم بأن ما قُدّم في العراق في سنوات ما بعد الـ2003 من أغانٍ حماسية ووطنية هو شكل من أشكال الفساد المطلق الذي غرقت فيه البلاد حتى باتت فخورة بأنها تستقر في القاع".

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

كلمات مفتاحية
العراق فن

التعليقات

المقال التالي