قصة عبد المجيد الذي مات تحت التعذيب في السجون التونسية

قصة عبد المجيد الذي مات تحت التعذيب في السجون التونسية

يصر أعوان فرقة الأبحاث والتفتيش للحرس الوطني في محافظة سيدي بوزيد، على أنّ عبد المجيد الجدّي قد انتحر شنقاً. إلا أن عائلة عبد المجيد تؤكد أنّه كان رجلا بشوشاً، مقبلاً على الحياة، ولا يعاني من أيّة أعراض لأمراض نفسية أو اكتئاب.

نهاية غامضة لعبد المجيد

حكاية عبد المجيد الجدّي مع مراكز التوقيف بدأت منذ شهر فبراير 2015، حين تم إيقافه في مقر فرقة الأبحاث والتفتيش التابعة للحرس الوطني في سيدي بوزيد، على ذمة قضية سرقة، قبل أن تفرج عنه المحكمة لعدم ثبوت الأدلّة.

براءة عبد المجيد من تهمة السرقة، لم تنهِ مشواره مع وزارة الداخلية. رياض الجدّي، شقيق الضحية سرد لرصيف22 تفاصيل هذا المشوار بكثير من الألم والغضب: "جرأة عبد المجيد هي السبب الرئيسي في وفاته. بعد أن لفّق له أعوان الحرس في المنطقة تهمة السرقة، لم يشأ أن تمر جلسة محاكمته من دون أن يسرد للقضاة ما حصل له في غرفة الإيقاف. فأعوان الفرقة المذكورة قاموا بتكبيل يديه وتعليقه ليلة كاملة، ما ترك آثاراً على معصميه تمكنت المحكمة من معاينتها".

Torture-Banner

وأضاف رياض: "شقيقي كان متأكداً من اتهاماته ضد فرقة الحرس الوطني المذكورة، حتى أنه قام بتاريخ 14 أبريل 2015 بتقديم شكوى ضدها بتهمة التعذيب. وبعد مرور شهر فقط من رفع هذه القضية، قام أعوان الفرقة عينها بإيقافه مرة أخرى بتهمة سرقة سيارة، غير أنهم بعد يوم واحد من الإيقاف اتصلوا بنا لإعلامنا بموت شقيقي منتحراً".

لم يستطع رياض حبس دموعه وهو يتابع سرد ما حدث لشقيقه: "أخي احتفل منذ أسابيع بخطبته على فتاة، وشرع في الاستعداد لتنظيم حفل زفافه، وكان يتمتع بمعنويات عالية جداً بسبب هذه الأحداث السعيدة".

وأكّد رياض أنه "حين تم إيقاف عبد المجيد، لم تقم فرقة الحرس المعنية بإعلامنا بإيقافه كما يتوجب عليها فعله حسب القانون، إلا أنهم أعلمونا في اليوم التالي باقتضاب بانتحاره شنقاً باستعمال ملاية قطنية قام، بحسب روايتهم، بربطها أعلى الباب قبل أن يعلّق نفسه بها. إلا أنني بعد تسلمي لجثة أخي وأثناء قيامنا بغسلها، لاحظت وجود آثار تعذيب واضحة: كدمات زرقاء اللون على مستوى رأسه و جروح في رقبته وكتفيه وآثار ضرب على كامل جسمه، تثبت أن أخي قتل ولم ينتحر. تسلسل الأحداث في علاقة أخي مع أعوان هذه الفرقة يبدو واضحاً، بداية من اتهامه الكاذب بالسرقة وتعذيبه، ثم إعادة اتهامه بالتهمة نفسها، بعد أن رفع ضدهم قضية، وتعذيبه من جديد حتى الموت، ثم تعليقه داخل غرفة الإيقاف والادعاء أنه انتحر".

رياض الجدّي أكّد أنه قام بتصوير آثار التعذيب، وقدّم الصور إلى "المنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان"، و"المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب"، اللتين تعهدتا بإعادة تشريح الجثة ورفع قضية ضد الفاعلين، في حال ثبت فعلاً قيامهم بتعذيب شقيقه. من جهتها، نفت فرقة الحرس المعنية حدوث تعذيب ضد الضحية، مؤكدة صحة أقوالها  بخصوص حادثة انتحاره شنقاً.

ثالت وفاة غامضة داخل السجون خلال أقل من شهر

على أثر إعلان عائلة عبد المجيد تشكيكها في حادثة انتحار ابنها، تحركت مكونات المجتمع المدني في تونس للتحقيق في الحادثة ولمساندة العائلة. وقد أصدرت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب بياناً أعلنت فيه أن "وفاة الضحية تمت في ظروف مريبة، وتحوم حولها شبهات عدة". وطالبت بـ"فتح تحقيق قضائي وإداري سريع في ملابسات القضية، وإجراء تشريح طبي من قبل ثلاثة أطباء شرعيين".

وفي تصريح لرصيف22، أكد الكاتب العام للمنظمة، منذر الشارني، أن "وفاة عبد المجيد الغامضة هي الثالثة من نوعها داخل السجون خلال أقل من شهر". وقد سجلت منظمته "حالتين مشابهتين في الساحل التونسي، راح ضحيتها شابان هما عبد المنعم الزياني ولطفي حميدة". كما أكد الشارني أن "الحكومة التونسية ووزارتي الداخلية والعدل تحديداً، لم تظهرا أي تجاوب مع مطالب المجتمع المدني بضرورة كشف ملابسات هذه القضايا، والدعوة إلى احترام حقوق الإنسان والحرمة الجسدية داخل غرف الإيقاف والسجون".

قصة عبد المجيد الذي مات تحت التعذيب في السجون التونسية

الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان تجاوبت أيضاً مع نداء عائلة الضحية، إذ أكّد رئيسها عبد الستار بن موسى، في حديث لرصيف22 أنّه "تمّ الاتصال بوزارة الداخلية من أجل فتح تحقيق عاجل في الحادثة، كما تمّ تكليف رئيس فرع الرابطة في سيدي بوزيد، بودربالة النصيري، بمتابعة مجريات التحقيق، والاتصال بعائلة الضحية، والعمل على أن يتم كشف الحقيقة كاملة ومعاقبة الجناة، في حال ثبتت ضدهم التهم".

وفي انتظار استكمال التحقيقات حول هذه القضية، لفتت رئيسة المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب راضية النصرواي، إلى أنه "على عكس جميع التوقعات بعد الثورة، فإن شكاوى الموقوفين والمسجونين وعائلاتهم تصل إلى المنظمة باستمرار". وقالت لرصيف22 إن "التعذيب يتم اليوم في مراكز الشرطة ومراكز الحرس وداخل السجون بصفة متفاوتة، لانتزاع اعترافات أو لتلفيق عقوبات بهدف التشفي".

ومن أهم أسباب تواصل التعذيب بعد الثورة، ذكرت النصراوي: "الإفلات من العقاب وغياب المحاسبة، تلفيق التهم ضد المشتكين من التعذيب، عدم إصلاح المنظومات الأمنية والسجنية والقضائية، إضافة إلى وجود ثغرات في القانون التونسي تخدم التعتيم على هذه الجرائم، وغياب الرغبة الحقيقة في تنقيحها لعدم وجود إرادة سياسية في التغيير".

إرث بن علي مستمر

الاتفاقية العالمية لمناهضة التعذيب وغيرها من الاتفاقات المناهضة للتعذيب، لم تنجح سابقاً في الحد من الممارسات "البشعة" لرجال أمن تونسيين. آلاف المساجين رووا بعد سقوط النظام معاناتهم في أقبية الداخلية، بما خلفتها لهم من ألم نفسي دائم.

فتحت حكم الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، عرفت سجون تونس أحلك فتراتها، وشهدت معاناة عشرات آلاف التونسيين وغالبيتهم من المساجين السياسيين من أبشع طرق التعذيب.

هذا الوضع الذي ظن الجميع أنه انتهى بعد ثورة 14 يناير 2011 ، يتواصل اليوم وبالبشاعة عينها. فقسم هام من البوليس التونسي، الذي اعتاد على معاملة التونسيين بقسوة، لم يستوعب بعد تغيّر الأوضاع السياسية. لذلك فإن المؤسسة الأمنية ما زالت تتخبط في طريق التحول من نظام قمعي إلى نظام ديمقراطي.

نشر هذا الموضوع على الموقع في 26.05.2014

التعليقات

المقال التالي