لنصارح أنفسنا: الشعوب العربية لا ترفض التعذيب وربما تستمتع به

لنصارح أنفسنا: الشعوب العربية لا ترفض التعذيب وربما تستمتع به

لم تعد مصادفة أن نشهد انقساماً اجتماعياً حاداً حول الموقف من قضايا التعذيب التي تكاد تنكشف لنا نماذج منها بشكل يومي، بالصوت والصورة. وصل الأمر إلى حدٍّ بات يمكننا معه القول إن الشعوب العربية ليست ضد التعذيب. معظم الناس يؤيدون علناً أو في سريرتهم تعذيب خصومهم. وهذه كارثة.

الفرح بتعذيب الخصم يقابله شعور الأخير بالمظلومية. نفس الفيديو يسوّق له البعض بتقديم من قبيل "هذا جزاء مَن يتحدّانا" ويسوّق له البعض الآخر بتقديم من قبيل "أنظروا ماذا يفعلون بنا". ولأن أعمال التعذيب كثيرة وهويات مرتكبيها تتبدّل بحسب الظروف والسياقات، يتبادل المتحمسون مواقع الفخر والمظلومية. فالثابت الوحيد هو الانقسام.

قي يونيو 2015 خرجت إلى العلن، بالصوت والصورة، فضيحة تعذيب بعض المساجين الإسلاميين في سجن رومية اللبناني. ومنذ اللحظات الأولى لشيوع الفيديوهات انقسم الجمهور. فريق أدان التعذيب وتحدث عن مظلومية أهل السنّة وفريق مقابل راح يُذكّر بأعمال تعذيب ارتكبها الإسلاميون، بالصوت والصورة أيضاً، قاصداً تبرير ممارسة التعذيب بحقهم. ومن محاسن الصدف أن الجهاز الذي مارس التعذيب محسوب لبنانياً على الطائفة السنّية وإلا لكانت العواقب وخيمة.

هذا الانقسام لم يكن محلياً البتة ولعلّه أبرز ما يشترك فيه العرب في المرحلة الراهنة. الأمثلة كثيرة ويومية وتطلّ علينا بشكل خاص من الدول التي تهاوت فيها السلطة المركزية محرّرة مكوّناتها الاجتماعية من "آلة القمع" كسوريا والعراق ومن الدول التي تتحدى بعض جماعاتها السلطة المركزية القوية كمصر.

صاروا عملة نادرة مَن يتعاطون مع التعذيب كجريمة قائمة بذاتها، لا تغيّر من وصفها هويات المعذِّب والمعذَّب. الحالة العامة هي إسقاط الصفة الإنسانية عن الخصم والتشجيع على استباحته مادياً ومعنوياً. وهذا ما يتأكد أكثر في الأوصاف التي تطلق على القتلى المنتمين إلى الخصوم كـ"فطيسة" و"جيفة" وغيرها.

أقوال جاهزة

شارك غردالحالة العامة اليوم هي إسقاط الصفة الإنسانية عن الخصم والتشجيع على استباحته مادياً ومعنوياً

شارك غردالشعوب العربية ليست ضد التعذيب، معظم الناس يؤيدون علناً أو في سريرتهم تعذيب خصومهم... وهذه كارثة

أبرز التمويهات الشائعة لواقع تقبّل التعذيب لا بل التلذذ به هو مسارعة جماعات كاملة إلى التذكير بممارسات خصومها السابقة فور انكشاف تعرّض بعضهم للتعذيب، أو مسارعة بعض "المحللين" إلى اختزال الموضوع بالمصالح السياسية المتحققة من فعل انكشاف وقائع التعذيب.

المعيار الوحيد للحكم صار ازدواجية المعايير. تتحلل الدول العربية تدريجياً وتعود مكوّناتها إلى هوياتها الضيّقة. لم تعد ما نسمّيه "سلطات شرعية" تمتلك شرعية القمع المستمدّة من فكرة الدولة. فشرعية القمع انتقلت إلى ميليشيات الجماعات والأخيرة تغيب عن تصوّراتها فكرة المجال الذي يضمّ مكوّنات متعددة. لذلك يستحلّ الجميع الجميع وتتحوّل الجماعات إلى ذئاب بالنسبة للجماعات الأخرى. ولذلك يشجّع معظم الناس جماعاتهم على افتراس الآخرين.

والمفارقة هي أن الاستثمار في فضائح التعذيب صار يلغي كينونة المعذَّب وهويته الفردية، وينكر الاعتراف بالتعذيب كجريمة قائمة بذاتها. فصدام الجماعات يتطلّب استعمال وقائع التعذيب في خدمة سياسات الجماعة لشدّ عصب المنتمين إليها وحثهم على معاداة المنتمين إلى جماعات أخرى وشيطنتهم. لم يعد المعذَّب فرداً بل صار تجسيداً لجماعة. لذلك لا وهج لوقائع التعذيب الكثيرة التي يرتكبها أبناء جماعة بحق أفراد منتمين إلى نفس الجماعة، إلا إذا ترافق ذلك مع اتهامهم بأنهم صحوات، أو بأنهم عاقون بحق الجماعة الأم ويعملون لمصلحة جماعة عدوّة. ولا اهتمام بممارسة الأجهزة الرسمية للتعذيب إلا إذا كانت هذه الأجهزة متهمة بخدمة جماعة بعينها.

صار معظم العرب يتعاطون مع أي كلام عن حقوق الإنسان أو الكرامة الإنسانية ككلام خيالي لا صلة له بالواقع. كل المفاهيم التي تضفي على الخصم صفات إنسانية صارت مرفوضة لأن ما يطلبه الجمهور هو تبرير استباحة الخصوم لا أي شيء آخر. ولعلّ الحديث عن "أخلاق المبارزة" صار أنفع من الحديث عن حقوق الإنسان وعن الترويج للمفاهيم السلمية. وربما من الأنسب القول: تقاتلوا ولكن تحلّوا بالقليل من أخلاق الفروسية.

التعليقات

المقال التالي