صور "الشهيد البطل الملازم شرف" تملأ مناطق العلويين في سوريا

صور "الشهيد البطل الملازم شرف" تملأ مناطق العلويين في سوريا

الطريق بين طرطوس الساحلية ووادي النصارى مزدحمة بصور الشباب المعلّقة بكثافة على أعمدة الطرق وعلى الحيطان. الصور متشابهة جدّاً، مع تغييرات طفيفة: اسمُ العسكري، ووجهه، ووضعيّة حمله سلاحه. معظم الصور كُتب عليها: "الشهيد البطل الملازم شرف".

الشهيد البطل الملازم شرف

في سوريا الرتبة العسكرية الأولى في صفّ الضباط هي الملازم. ويقتضي التقليد العسكري أن تتم ترقية أيّ عسكري رتبته دون الملازم إلى رتبة "ملازم شرف" في حال "استشهاده".

اعلان


في الأعوام الأربعة الأخيرة، كانت النسبة الكبرى من الملتحقين بالجيش تتشكّل من الشباب البالغ عمرهم 18 عاماً (ممّن تركوا تعليمهم باكراً أو ممّن التحقوا بالجيش مباشرةً بعد إكمالهم الشهادة الثانوية). نسبة هؤلاء تفوق نسبة خرّيجي الجامعات الذين يعملون على تأجيل فترة خدمتهم العسكرية عن طريق الرسوب في الجامعة والحصول على ورقة تأجيل، أو مغادرة البلاد بإذن سفرٍ فور التخرّج. هذا الواقع أدّى إلى انخفاض واضح في نسبة الضباط قياساً بنسبة المجنّدين أو المساعدين الأوائل. فالأخيرون هم الآن الشريحة العسكرية التي تخوض المعارك المباشرة، تقاتل في الصفوف الأمامية، تدهم، تقف على الحواجز، وعليه فهي الشريحة التي تموت بكثرة. لذلك فإن الصور الأكثر انتشاراً هي صور "الملازم شرف".

نقص في العنصر البشري

في الفترة الأخيرة، بدأ النظام السوري يغيّر سياسته في التعامل مع الجنود، ويعود ذلك إلى سببٍ بسيطٍ وواضح، وهو معاناة الجيش من نقص في العنصر البشري، بعد خسائره البشرية الهائلة. والمفارقة أن أبناء المناطق التي لم يشملها القتال، أي طرطوس وريفها واللاذقية وريفها باستثناء القسم الشمالي القريب من تركيا، يشكّلون النسبة الكبرى من المتطوعين في قوّات الدفاع الوطني المساعدة أو الموازية أحياناً للجيش النظامي. فالمدن الساحلية منخرطة بشكل كثيف في الحرب من خلال مدّها الجيش بالمقاتلين.

تتكرر الحوادث التي تثبت أن النظام السوري صار في حالة بحث دائم وشره عن تعويض خسائر الجيش البشرية. قبل ثلاثة أسابيع تقريباً، هزّت مدينة طرطوس والكثير من قراها موجة غير متوقّعة من المداهمات الأمنية على بيوت الشباب المتخلّفين عن الخدمة العسكرية. اعتقل هؤلاء الشباب دون سابق إنذار، وألحقوا فوراً بالخدمة. وقد شهدت منطقة "الصناعة" حصاراً دام ساعات منع خلالها خروج أيّ شاب منها قبل التأكد من تأجيله خدمته أو أنّه غير مطلوب للاحتياط، ثمّ دهم الجيش البيوت للتأكد من ذلك بشكل دقيق.

وكانت نتيجة يومي الاستنفار والمداهمات القبض على 450 شاباً من المتخلفين في طرطوس وريفها، وهذا ما أثار بلبلةً شديدة ورعباً من فكرة أنّ "غضّ الطرف" لم يعد متاحاً الآن.

عزّام (25 عاماً) يسكن في طرطوس وتخلّف عن الخدمة العسكرية بعد إكماله دراسته الجامعية ولم يتمكن من الهرب خارج البلاد قبل تعميم اسمه على الحواجز والنقاط الحدودية. قال لرصيف22: "الأمر الآن يبدو أكثر جديّة. ما كان شائعاً من غضّ النظر عن أبناء طرطوس وريفها، وعدم ملاحقة المتخلّفين فيها انتهى. يبدو أن العناصر البشرية التي تطوعت للقتال إلى جانب النظام ما عادت تغني عن الحاجة إلى جنود نظاميين".

إضافة إلى أسلوب الترهيب، تأتي حملات الترغيب. فالمداهمات والحواجز ليست الطريقة الوحيدة لإرغام الناس على الذهاب إلى الجيش. هناك حملات إعلامية ضخمة تبثّها وزارة الدفاع بالتعاون مع وزارة الإعلام، كإعلانات التلفزيون السوري التي تدعو الناس إلى الالتحاق بالجيش وعدم التخلّف عن الخدمة، أو الإعلانات الكبيرة المنتشرة على الطرق في دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس، والتي تحاول التقرّب من الناس وترغيبهم في الدخول إلى الجيش.

"عمْ تتفرج؟ شو ناطر؟، التحق بالجيش". هي عبارة عامية تذيّل صورة كبيرة لرجل عسكريّ وسيم، يمدّ يده ليساعد امرأةً عجوزاً. هذا أحد أشكال حملات الترغيب. ويأتي القرار الأخير بزيادة رواتب العسكريين عشرة آلاف ليرة شهريّاً (ما يعادل 50$) في هذا الإطار أيضاً.

فقدان الثقة

يوسف، 29 عاماً، هو ملازم من العساكر الذين تمّ إنقاذهم من حصار سجن حلب المركزي، عقب قيام العقيد الشهير سهيل الحسن الملّقب بـ"النمر" بـ"تحرير السجن" في مايو من العام الماضي، وذلك بعد محاصرة جبهة النصرة لهم ثلاثة عشر شهراً.

روى يوسف لرصيف22 تفاصيل حياته خلال الحصار، وتحدث عن عدم اكتراث النظام بهم، وقال إن طائرة كانت تأتي كلّ يومين وتلقي، بشكل عشوائيّ، أكياس الخبز وكثيراً ما كانت تسقط بعيداً، في المناطق التي لا يمكن الوصول إليها لأنها "في مرمى نيران العدوّ". هذا الحال أجبرهم على أكل العشب الأخضر النامي في ساحة السجن. وأضاف: "النظام لو لم يضطر إلى قطع الإمدادات التي كانت تأتي من تركيا إلى أحياء شمال شرق حلب الواقعة تحت سيطرة جبهة النصرة والكتائب الإسلامية، مروراً بالمناطق المحيطة بالسجن، لما حرّك ساكناً من أجلنا".

اهتمام جديد بالجنود

قبل أسابيع، شهد مستشفى جسر الشغور، في ريف إدلب، معارك عنيفة لمدّة قاربت الأسبوعين قبل أن تنتهي بانسحاب القوات النظامية منه، في 15 مايو الماضي، ليترك في يد جيش الفتح.

تغيّر تعامل النظام مع الجنود الذين كانوا محاصرين هناك. فبعد عام على أحداث سجن حلب المركزي، لم ينتظر النظام سنةً كاملةً لتحرير عساكر المستشفى. وفور تيقّنه من هزيمته، أمّن تغطية جويّة لانسحابهم، فتمكّن 150 عسكريّاً من الفرار إلى البساتين القريبة. وبرغم أن طريق انسحابهم كانت محفوفة بالمخاطر، ولم تكن مؤمنة بشكل كامل، فقد نجا علي (22 عاماً) من مستشفى جسر الشغور، وقال: "الطيران حاول بأقصى طاقته تشتيت تركيز الكتائب المقاتلة وشنّ أكثر من سبعين غارةً على المناطق المحيطة بالمستشفى لتأمين خروج العساكر منه".

فقدان الأمل

التحق عزيز (27 عاماً) بالخدمة العسكرية قبل أشهر من بداية الحرب السورية، بعد أن أنهى دراسته في معهد التمويل والمصارف في جامعة تشرين. هو ينتمي إلى الجيل الأول من العساكر المحتفظ بهم برغم حلول موعد تسريحهم. أصيب عزيز في قدمه في تفجير ضرب قطعته العسكرية في دمشق، فأعطي إجازةً مدتها ستة أشهر. وبعد حديث من هنا ومحاولة رشوة من هناك، لم يحصل على التسريح. قرر إكمال دراسته، وتسجّل في الجامعة ونجح في أول مرحلة من امتحاناته. ولكن "لا أمل في التسريح، وحياتي تصرف على معركةٍ ليس لي علاقة بها"، قال والغصة في صوته.

التجار الذين يستخدمون علاقاتهم مع أصحاب القرار للحصول على تأجيل خدمة أو تسريح مقابل مبالغ مالية صار عملهم صعباً. فقد أخذ أحدهم مبلغ مئة وخمسين ألف ليرة سورية من عزّام ولكن لا خبر عن ورقة تسريحه بعد مرور شهر ونصف الشهر على دفعه الرشوة.

كلمات مفتاحية
العلويون سوريا

التعليقات

المقال التالي