دروز سوريا وخرافة إمكانية العيش بسلام مع تنظيم القاعدة

دروز سوريا وخرافة إمكانية العيش بسلام مع تنظيم القاعدة

يمكن تفهّم بعض التصريحات المنفصمة عن الواقع التي يطلقها بعض الزعماء الدروز ويتحدثون فيها عن إمكانية العيش بسلام مع تنظيم القاعدة. يمكن القول إن هدفهم تأجيل الكارثة التي تقترب من الأقليات في سوريا، علّ الظروف القادمة تسمح لهم بتداركها. ولكن لم يعد ممكناً تفهّم ميل بعض "المثقفين" إلى ترديد هذه الخرافات لأن ثمن هذه الأكاذيب قد يكون دماً يلوّث أياديهم.

البارحة، قتلت جبهة النصرة ما بين 20 و40 سورياً درزياً في قرية قلب لوزة، في محافظة إدلب. بجريمتها الجديدة، وجّهت الجبهة ضربة إلى الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط الذي لطالما روّج لإمكانية العيش بسلام معها، وقوّت من حجج الراغبين بالمواجهة.

اعلان


من المؤكد أن هدف الجبهة التابعة لتنظيم القاعدة لم يكن ارتكاب مجزرة بحق المدنيين الدروز، على طريقة مجازر داعش بحق الإيزيديين. ففي إدلب لا أحد يستطيع منعها من فعل ما تشاء. ولكن ما حصل يؤكد أن نظرية إمكانية العيش بحرية تحت عباءة "النصرة" هو مجرّد وهم.

قبل فترة وجيزة، حيّا جنبلاط "جيش الفتح" ("النصرة" قوته الضاربة) على إنجازاته في محافظة إدلب، وطلب من الموحدين الدروز الانضمام الى ركب الثورة ضارباً لهم مثال "أبناء إدلب الذين يعيشون بكرامة في أرضهم وبين شعبهم". لذلك، كان وقوع المجزرة في إدلب تحديداً ضربة قوية لخطّ "البك". فبرغم كل القنوات السياسية المفتوحة بين الطرفين، أدى إشكال بسيط إلى هجوم على مدنيين دروز واتهامهم بالكفر واستباحة دمائهم. ففي إمارة النصرة ممنوع الاعتراض وممنوع الاختلاف.

جبل الدروز يترقّب

لا شك في أن جريمة قلب لوزة ستُلقي بظلها بشكل كبير على قلعة الدروز السوريين، جبل الدروز (محافظة السويداء). فالثقل الديموغرافي لأبناء الطائفة الدرزية (600-700 ألف شخص) يتركز هناك (نصف مليون) مع انتشار بنسب متفاوتة في محافظات القنيطرة وريف دمشق وإدلب.

تتجه الأنظار بشكل كبير إلى جبل الدروز مع تسارع التطورات داخل الجبل، بين أبنائه، وعلى تخومه بعد سيطرة مقاتلي المعارضة السورية على اللواء 52، أكبر ألوية النظام في محافظة درعا القريبة، وتحركاتهم للسيطرة على مراكز عسكرية أخرى تقع على تخوم بلاد الدروز.

ما يعقّد مسألة الدروز السوريين هو غياب الزعامات السياسية السورية التي تتحدث باسمهم. فآخر زعمائهم الزمنيين كان منصور سلطان باشا الأطرش. وبعده، لم يسمح نظام البعث السوري بظهور أيّ زعيم ذي وزن. من هنا نفهم سعي زعماء الدروز اللبنانيين إلى ملء هذا الفراغ في الفترة الأخيرة وإكثارهم من الحديث عن شؤون أولاد العم، ومن هنا نفهم الدور الكبير الذي يلعبه مشايخ العقل السوريون.

لعبة الإزدواجية الخطيرة

أمام العاصفة السورية، يلعب الدروز لعبة إزدواجية خطيرة. يرمون بعض أوراقهم في ملعب النظام وأوراقاً أخرى في ملعب المعارضة. هكذا يتركون "شعرة" معلّقة مع المنتصر في الحرب.

الأصوات الدرزية السورية الفاعلة، أي أصوات مشايخ العقل الثلاثة الكبار، أعلنت في مناسبات عدّة ولاءها للنظام. أكثرهم إطلاقاً للتصريحات، الشيخ يوسف جربوع، يرفض الأصوات اللبنانية المعارضة للنظام ويعتبر أن هؤلاء لا يعرفون "حقيقة الأوضاع" لا بل يؤكد أن "الخطر سيصل إلى لبنان عاجلاً أو آجلاً". هذا التيار لا يقتصر دعمه للنظام على التصريحات. على مدار سنوات الحرب، قدّم الدروز أكثر من ألف شاب سقطوا في صفوف الجيش السوري. كما انضم مئات شباب الجبل إلى صفوف اللجان الشعبية المسلّحة وإلى قوات الدفاع الوطني.

في المقابل، هناك تيار سياسي درزي يعتبر أن مستقبل الدروز السوريين المحاطين ببحر من السنّة لا يمكن أن يُضمَن إلا بالانفتاح على جيرانهم وتبنّي خياراتهم. من هنا يكرر الزعيم اللبناني وليد جنبلاط دعواته التي تعتبر أن "المصالحة مع أهل درعا والجوار هي الحماية والضمانة". للتيار غير التوافق مع النظام تعبيرات ميدانية أشهرها في الفترة الأخيرة قيام مجموعة، بقيادة الشيخ وحيد البلعوس، بطرد قوات الجيش من أحد المراكز في مدينة السويداء، على خلفية مضايقات عناصر هذا المركز المتكررة للسكان. أما أهم المؤشرات على أن دروز سوريا يعتبرون أنفسهم خارج حرب النظام إلى حد بعيد فهو تخلّف أكثر من 25 ألف مجنّد عن الخدمة العسكرية.

بين التيارين أخذ وردّ. فبعد تحرك البلعوس المذكور وتسريب وانتشار فيديو له يهاجم فيه العلويين والرئيس السوري بشار الأسد، اجتمع مشايخ الدروز الكبار الثلاثة وأبعدوه دينياً ما يعني أنهم حرموه من مشيخته. ولكن الأهم من كل هذا هو أن أيّاً من التيارين لم ينجح في تسويق "لعبته". فالنظام يطالب مؤيديه بحثّ الدروز على الانخراط بفعالية كبيرة في الجيش والمعارضة تطالب مؤيديها بتحركات عملية ضد النظام.

ما يمكن قوله بشكل عام هو أن الدروز لم ينخرطوا بشكل فاعل في تحركات المعارضة السورية، وكل ما يُقال بهذا الشأن لا يتعدّى كونه تكبيراً إعلامياً لمواقف محدودة في الزمان والمكان أو نفخاً لبعض التحركات الدرزية الثانوية، لخلق رموز معارِضة (خلدون زين الدين مثالاً).

خيارات الدروز الصعبة

في أحد تصريحاته، اعتبر جنبلاط أن السوريين اختاروا جبهة النصرة "وأهل مكة أدرى بشعابها"، ولكن "البك" لم يتحدث عن حال أهل "مكة الدرزية". فهل يمكن لهؤلاء العيش بسلام مع "النصرة"؟ في مقابلته الأخيرة مع قناة الجزيرة، وكان الهدف منها الدعاية لاعتداله، قال أمير جبهة النصرة أبو محمد الجولاني أنه يعتبر الدروز "محل دعوة" ما يعني أنه لن يقتلهم ولكنه سيعمل على أسلمتهم وفق عقيدته، وقال إن مقاتليه سيتعاملون مع "القبور الشركية، والمعابد" وفقاً للشريعة، ما يعني أنه سيحطمها. ويكفي الانتباه إلى توصيفه أماكن عبادتهم بـ"المعابد" لتبيان أنه ينظر إليهم كمشركين.

علاقة الدروز السوريين بمحيطهم السنّي متوترة وتكررت حوادث تؤكد ذلك، وعلاقتهم بالنظام السوري ليست على ما يرام أيضاً ويشهد على ذلك ابتزاز النظام لهم وتهديده بسحب الآليات العسكرية الثقيلة من جبلهم إن لم ينخرطوا بقوة في صفوف جيشه. الدروز، ككل الأقليات، يسعون إلى احترام خصوصياتهم على أكمل وجه، وهذا ما لا يحققه لهم النظام ولا تحققه بطبيعة الحال المعارضة الإسلامية.

مَن يتقدّم حالياً باتجاه جبلهم هي "الجبهة الجنوبية"، وهي جبهة عسكرية لا تضم المجموعات الإسلامية المتطرفة كداعش وجبهة النصرة، وتؤكد أن "أبناء السويداء هم إخوتنا وأهلنا وأننا لم ولن نقاتلهم". ولكن الأخيرتين ليستا بعيدتين عن مناطقهم. وكما أثبت سير المعارك وتشكيل الجبهات في سوريا لا يمكن أن يأمن الدروز إلى أن مكاسب "الجبهة الجنوبية" لن تسقط في المستقبل بيد النصرة. لذلك فإن الحماية التي تؤمنها مواقف جنبلاط مشروطة بكيفية تطور الأوضاع الميدانية في الفترة المقبلة.

يعرف الدروز أن محيطهم الإقليمي يشكّل عاملاً مساعداً لهم. سياسيون وأمنيون إسرائيليون عدّة أعتبروا أن المس بدروز سوريا هو خط أحمر. وزعيم دروز إسرائيل الروحي، الشيخ موفق طريف، أكّد مراراً أنه في لحظة الخطر الجدّي سيدخل مئات الشباب المسلّحين من إسرائيل إلى سوريا للدفاع عن أولاد عمهم. ولكن هذا ما لا يريده دروز سوريا. يفضّلون أن يبقوا عروبيين وأن تكون ضمانة أمنهم عربية.

يبدو أن الدروز السوريين صاروا مقتنعين بأن أي خيار سيسلكونه يجب أن يكون مستنداً إلى قوة عسكرية درزية خالصة. "الدروز يطلبون من الجميع تسليح الدروز"، قال مسؤول أمريكي قبل أيام. في الفترة الماضية كان النظام السوري يرفض رفضاً قاطعاً بناء قوة مسلحة درزية. كان الدروز راضين نسبياً بأن يحمي النظام مناطقهم. ولكن التطورات الأخيرة أضعفت النظام كثيراً وصار عليهم سحب بيضهم من سلّته.

الميل إلى التسلّح ظاهرة تمتلك شعبية كبيرة في أوساط دروز سوريا. منها وُلدت شعبية الشيخ البلعوس. قبل يومين، حين كان الجيش السوري يهمّ بسحب معدات عسكرية ثقيلة خارج محافظة السويداء، وقف البلعوس ومناصروه في وجههم وحالوا دون ذلك. "السلاح هو حق الشعب للدفاع عن نفسه أمام كل المخاطر"، قال الشيخ. موقفه يُظهر ماذا يعني أن يكون الدرزي ضد النظام. المسألة نسبية جداً، والتعميمات الدارجة لا تصلح لفهم تعقيدات موقفهم.

في الفترة الماضية، نشأت مجموعات عسكرية درزية عدّة. وقبل يومين دعا الزعيم الروحي لدروز سوريا، الشيخ حكمت الهجري، القادرين على حمل السلاح إلى الالتحاق بالجيش السوري "على أن تكون خدمتكم العسكرية ضمن حدود محافظة السويداء التي يتهددها الخطر الداهم والإرهاب المحدق بنا". ولكن التطورات المتسارعة والميل الشعبي الكبير إلى التسلّح تخطيا موقف المشايخ، وضعف النظام سيساعدهم على سلوك الطريق الثالث. حتى الآن لم يبنِ الدروز "بيشمركتهم" (نسبةً إلى البيشمركة) ويبدو أن هذه ستكون خطوتهم القادمة، وقد تفرز هذه الخطوة زعماء دروزاً سوريين كانوا غائبين عن مجتمعهم في ظل حكم البعث.

التعليقات

المقال التالي