تركيا ليست حلماً للسوريين ولا جنة للجوء

تركيا ليست حلماً للسوريين ولا جنة للجوء

ليست تركيا حلماً للسوريين كما يعتقد البعض، وليست جنّة اللجوء كما يروّج بعض وجوه المعارضة السورية لغايات سياسية. لكن أغلب السوريين مرغمون على المكوث فيها، كما أرغم أشقاؤهم على اللجوء إلى الأردن ولبنان والعراق. لذلك يفرّ الكثير منهم إلى أوروبا ويضعون أنفسهم تحت رحمة تجار البشر مخاطرين بحياتهم.

كبقية الدول المتاخمة للتراب السوري، فتحت تركيا حدودها لموجات اللاجئين. إلا أن تلك الحدود فُتحت أيضاً أمام المهرّبين وصارت تجارة المواد الغذائية والنفط والثروة الحيوانية تُدار من مافيات سورية-تركية، استفادت كثيراً من ظاهرة سرقة المناطق المنكوبة التي اضطر سكانها للنزوح. وكانت تركيا، في الشمال السوري، معبراً لتصريف تلك السلع والمعادن، كالنحاس والحديد والألمنيوم، وشجعت هذه الطريق السالكة على التمادي في سرقة الأملاك العامة والخاصة.

كل ذلك كان يمرّ على مرأى الجيش التركي المنتشر على طول الحدود، وبالتعاون معه. فالحدود لم تكن تُغلق إلا أثناء تزايد الحديث عن تهريب السلاح وتدفق عناصر إرهابية من سوريا إلى تركيا، أو في مراحل حساسة كما قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حين لم تُستثنَ من إغلاق الحدود العائلات الهاربة من الموت.

عقبات تواجه السوريين في تركيا

في تركيا، يعيش نحو 265 ألف نازح سوري في 24 مخيماً أعدتها الحكومة التركية، ويمثلون 13% من إجمالي السوريين الموجودين في تركيا، بحسب الإحصاءات الرسمية. توفر الحكومة لهم السكن والطبابة والمدارس وبطاقات بدل غذاء تبلغ قيمتها 80 ليرة تركية للشخص الواحد شهرياً (33 دولاراً)، بالإضافة إلى بطاقة بدل منظفات بقيمة 30 ليرة تركية، لكن التقديم الأخير يقتصر على بعض المخيمات.

أما الغالبية العظمى من السوريين فتقيم خارج المخيمات وتنتشر في المدن التركية بنسب متفاوتة وتعاني من ظروف معيشية قاسية، بسبب ارتفاع بدل الإيجار وعدم وجود موارد. يعمل هؤلاء في جميع أنواع المهن لتأمين الحدود الدنيا من متطلبات حياتهم. وإذا كان المقيمون خارج المخيمات في المدن والأرياف الحدودية يحصلون، عبر منظمات إغاثية دولية أو تركية، على بعض المساعدات كالأغذية والألبسة والأغطية، وأحياناً بطاقات بدل غذاء بقيمة 40 ليرة تركية شهرياً، فإن القاطنين في المدن الداخلية منسيون تماماً.

بالإضافة إلى ما يتعرض له النازحون من استغلال في العمل وانتهاكات صريحة لحقوقهم، لا يوجد حتى الآن، على الصعيد العملي، ما يضمن حقوقهم، خاصةً أن الدولة التركية تعتبرهم ضيوفاً لا لاجئين. ولكنها تمنحهم بعض التقديمات أهمها إصدار بطاقات تعريفية لمَن لا يحملون إقامة أو جواز سفر تسمح لهم بالعمل، ودخلت حيّز التنفيذ منذ العام الماضي.

لكن تلك البطاقة لم تحمِهم من انتهاكات أرباب العمل الأتراك اليومية. فبالإضافة إلى تشغيل اليد العاملة السورية بأجور زهيدة، لا تكاد تجد عاملاً سورياً إلا ويحدثك عن سلب أحد أرباب عمله مستحقاته أو جزءاً منها. وهناك إجماع على عدم القدرة على استرداد الحقوق سواءً عن طريق القانون أو عبر العلاقات الشخصية. فمن المسلمات التي باتت معروفة للجميع أن التركي لن يقف ضد تركيّ آخر حتى حين يكون على خطأ ما دام الخلاف مع سوريّ.

أما صغار التجار الذين دخلوا مجال التجارة بأبسط أشكالها لتأمين مصدر عيشهم وفتحوا متاجر، فقد عانوا من التضييق على عملهم لإرغامهم على الحصول على رخصة مسجّلة باسم مواطن تركي. وهذه التضييقات تحدث حسب مزاج رئيس بلدية كل مدينة، ولا يُستثنى منها حتى القادمون بشكل شرعي.

معاناة مع الإقامة

بعد أكثر من عام على بدء النزوح، خفّضت تركيا رسوم الإقامة العادية التي تسمى "إقامة بإذن وزاري" إلى النصف، فصارت كلفتها نحو 200 ليرة تركية بدلاً من 400، وهي إقامات تصدر عن القوى الأمنية ومدتها عام وتُمنح لمن لديهم جوازات سفر ويدخلون تركيا من خلال المعابر الرسمية أو عبر المطار، ولا يحتاج السوري لأكثر من عقد إيجار منزل للحصول عليها. إلا أن الحكومة التركية عادت ومنعت إعطاءها للسوريين المقيمين في المدن الحدودية كإنطاكيا وكليس، ولا يزال قرار المنع سارياً حتى اللحظة.

ومع نهاية عام 2013، أوقفت منحها للسوريين. كذلك أوقفت تجديد الإقامات المنتهية الصلاحية. ومنذ ذاك الإجراء، اقتصرت الإقامات التي يمكن للسوريين نيلها على نوعين: الأولى تخص رجال الأعمال الذين يرغبون في الاستثمار في تركيا. أما الثانية فهي الإقامة السياحية، وتتطلب إيصالاً يُثبت امتلاك السوري مبلغاً قدره 6000$ أو كشف حساب جارٍ من البنك بالقيمة نفسها وعقد إيجار منزل لمدة سنة، بالإضافة إلى تأمين صحي كلفته سنوياً نحو 800 ليرة تركية للشخص.

ولكن منذ فترة قصيرة، عادت تركيا واستأنفت منح الإقامات التي تم إيقافها سابقاً ("إقامة بإذن وزاري")، إلا أن إصدارها أو تجديد إقامة منتهية الصلاحية باتت كلفتها 2000 ليرة تركية.

بموجب القانون التركي، يحق للسوري الداخل إلى تركيا بطريقة شرعية البقاء ثلاثة أشهر في البلاد. بعد ذلك، يعتبر وجوده غير شرعي إلا إذا حصل على إقامة، ويُعاقب المخالفون بغرامة 200-500 ليرة تركية عند مغادرة تركيا، ويُمنعون من العودة إليها لفترة زمنية قد تصل إلى 5 سنوات. لكن الأتراك لا يطبقون هذا القانون على السوريين الذين يعودون إلى سوريا ثم يعاودون الدخول إلى تركيا، ولا على مَن يسافرون عبر المطار. لكن مَن يسافر عبر المطار عليه دفع مبلغ المخالفة إذا عاد إلى تركيا.

حالياً، ليس هناك تداعيات لعدم امتلاك إقامة. يستطيع السوري التنقل حيث يشاء دون مساءلة. أما في السابق، في السنة الأولى من اللجوء، كان السفر ممنوعاً على السوريين خارج المحافظة التي يقطنون فيها. علماً ان السلطات التركية لم تكن تدقق كثيراً في هذا الأمر، وحين كانت تكتشف شخصاً دخل بطريقة غير شرعية ويحاول التجوّل في تركيا، كانت تكتفي بإرغامه على العودة إلى المدينة التي يقطن فيها.

تتريك لوحات السيارات

أخيراً، أقدمت مديريات المرور على استصدار قرار يقضي بتتريك لوحات السيارات السورية، تحت طائلة الحجز بعد انقضاء المهلة المحددة التي انتهت في الثالث من مايو الماضي. تبلغ رسوم تسجيل السيارة 850 ليرة تركية، و200 ليرة للسماسرة حداً أدنى. لا تختلف الرسوم التي يدفعها السوري عن الرسوم التي يدفعها المواطن التركي. وقد روّجت الحكومة التركية أن الهدف من هذا الإجراء هو الحدّ من المشاكل التي يتعرض لها السوريون وممتلكاتهم في فترات التوتر، وتسهيل ضبط المخالفات المرورية.

ولكن، في الحقيقة، فإن اللوحات التي خصصت للسورين تختلف عن لوحات السيارات التركية، وهذا ما يسمح لأي شخص بالتعرف على أن ملكيتها تعود لشخص سوري لا لتركي. فعلى سبيل المثال، في مدينة غازي عينتاب، تتكون لوحة السيارة التركية من خمس خانات، إضافة لرمز المدينة، وتشمل الخانات حرفين وثلاثة أرقام أو بالعكس، والحروف ليست محددة. بينما تتكوّن اللوحات المخصصة للسوريين من ست خانات: ثلاثة حروف محددة SAA أو SAB أو SAS وثلاثة أرقام متسلسلة. وهذا يسمح بتمييز السيارات السورية من خلال لوحاتها، وتالياً لن تتحقق غاية الحفاظ على ممتلكات السوريين في مراحل التوتر، لكنها تعود بملايين الليرات على الحكومة. ففي غازي عينتاب وحدها تم تسجيل أكثر من خمسة آلاف سيارة.

التعليقات

المقال التالي