الأحزاب العراقية لا تمتلك فقط ميليشيات بل جيوشاً إلكترونية أيضاً

الأحزاب العراقية لا تمتلك فقط ميليشيات بل جيوشاً إلكترونية أيضاً

"هم فرق سرّية. أهمية عملهم تستوجب عدم كشف هويتهم. يتابعون الأخبار والمقالات ويتأكدون مما يرد فيها قبل نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي"، يقول مقرب من حزب سياسي عراقي يشرف على غرفة عمليات إلكترونية.

تمتلك الأحزاب السياسية في العراق، الصغيرة منها والكبيرة، عشرات المواقع الإلكترونية ومئات الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصةً فيسبوك. ولإدارة هذه الجبهات الإلكترونية، عيّنوا أشخاصاً برواتب توازي رواتب مُحرّري الأخبار في الصحف المحلية. وتخصص الأحزاب هذه المواقع لمهاجمة خصومها السياسيين، متخذةً أحياناً ترتيبات تحول دون كشف مَن يقف وراءها، حاميةً نفسها من المساءلة القانونية.

"عراق القانون" ونوري المالكي

ينشر موقع "عراق القانون" مقالات وأخباراً وتقارير. مع الوقت، صارت هويته شبه واضحة، فهو "عائد لفريق رئيس الحكومة العراقية السابقة نوري المالكي"، على ما استنتجت مواقع منافسة. مصدر في المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، بزعامة عمار الحكيم، اتهم موقع "عراق القانون" بمحاولة الإساءة لـ"رموز المجلس" والتقليل من شأن تجربة الحكيم.

وعند محاولة الاتصال بالموقع، لا تجد في خانة "اتصل بنا" سوى البريد الإلكتروني الخاص بالموقع. لا أرقام هواتف ولا عنوان لمقرّ. كما أنه لم يضع تعريفاً عن نفسه من خلال إنشاء فقرة "من نحن"، كما هي العادة.

"جاكوج" وعمار الحكيم

الاتهامات نفسها التي يوجهها المجلس الأعلى الإسلامي العراقي لائتلاف دولة القانون، يردّها الأخير له. يتهم حزب المالكي المجلس بمحاولة التقليل من شأن زعيمه من خلال بث أخبار "غير صحيحة"، وكتابة مقالات غير دقيقة عنه.

فقد جاء في خبر نشره موقع "جاكوج"، الذي يعتبر كثيرون أنه تابع للمجلس الأعلى، أن المالكي تلقى صفعة كبيرة حين رفض وزير خارجية قطر خالد العطية اللقاء به خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد، برغم أنه نائب رئيس الجمهورية.

هذه الحرب الإلكترونية المستعرة بين ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي والمجلس الأعلى بزعامة عمار الحكيم، تكاد تكون الأعنف في الأوساط السياسية العراقية، وذلك بسبب الخلافات العميقة بين الجانبين، والتي نشأت في فترة حكم نوري المالكي للعراق (2006-2014).

وقد اتهم حزب الحكيم في وقت سابق ائتلاف المالكي بمحاولة إسقاط زعيمه، عبر منابره الإعلامية، من خلال "فبركة الأخبار والمعلومات ومقاطع الفيديو". وقُبيل الانتخابات التشريعية العراقية (أبريل 2014)، بثت مواقع إلكترونية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو يُظهر عمار الحكيم وهو يتهجّم على القوات الأمنية العراقية. لكن إعلام حزبه نفى ذلك، وقال إن "المقطع مفبرك، وعمدت مواقع تابعة للمالكي إلى بثه".

هجمات على حيدر العبادي

رئيس الحكومة العراقية الجديدة، حيدر العبادي، لم يسلم هو أيضاً من تهجّمات وسائل الإعلام. وقال مصدر من مكتبه الإعلامي لرصيف22 إن "المواقع التي تشنّ حملة على العبادي لا تُعَدّ ولا تُحصى، وبعضها يحمل اسمه وصفته الشخصية".

وأضاف المصدر أن "بعض المواقع تم التبليغ عنها وأُغلقت، لكن الجهات الممولة لها أعادت نشاطها"، مشيراً إلى أن "أغلب هذه المواقع تُدار بأسماء وهمية وينفَق عليها من مخصصات مؤسسات الدولة". وكان العبادي نفسه قد لفت، في حديث لمراسلين قابلوه في مجلس النواب العراقي، أنه "يتعرض لحملة إعلامية شرسة".

جهلة جهلة ـ فرسان الأمل

على فيسبوك صفحة تحمل اسم "جهلة جهلة"، وهي عبارة شهيرة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر كان قد أطلقها على بعض أتباعه في وقت سابق. هذه الصفحة التي أُنشئت قبل سنوات تضع صورة "بروفايل" كاريكاتورية للصدر، وتنشر كل ما يُسيء إلى صاحب أكبر شعبية في العراق، وتبث الأخبار والصور والنكات التي تُقلل من شأنه.

أما صفحة "فرسان الأمل"، وهو اسم تشكيل تابع للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، فهي لا تختلف عن صفحة "جهلة جهلة". هي كذلك تحمل صورة كاريكاتورية لزعيم المجلس الأعلى عمار الحكيم، وتنتهج خطاً مقارباً للصفحة التي تُشهّر بالصدر.

وكالات أنباء؟

بعض المواقع الإلكترونية الهادفة إلى التشهير بالخصوم تتخذ طابع وكالة الأنباء، لإبعاد أيّة شُبهة عنها. لكنها، برغم ذلك، لا تفصح عن هوية العاملين فيها. ويكمن دورها في نسخ الأخبار من المواقع الرصينة الأخرى ونشرها، لكنها تنشر موادَّ خاصة، وأخباراً مفبركة، ومقالات تشهيرية، وبيانات غير صحيحة... وكالعادة تنسب أغلبية معلوماتها إلى مصادر ترفض الكشف عن اسمها.

وقال الخبير القانوني علي التميمي لرصيف22 إنه "وفق القرار الأخير الصادر عن محكمة الإعلام، يُعتبر فيسبوك وتويتر وغيرهما من المواقع بمثابة وسائل إعلامية. وعليه، فإن ما يُنشر عليهما يخضع للمسؤولية الجزائية".

أما عن كيفية التوصل إلى كشف هوية مَن يقف خلف الحسابات، فقال: "عن طريق الشركة التي تبيع الأرقام الخاصه باشتراك الإنترنت". وهنا، يلقي التميمي اللوم على بعض أصحاب شركات الإنترنت، التي تمنح خطوط اشتراك دون أخذ معلومات ووثائق تثبت هوية المشترك، لافتاً إلى أنه "من حق المتضرر مقاضاة الشركة التي جاء منها التشهير ما دامت الشريحة باسمها، ولكونها لم تتخذ الاحتياطات اللازمة لمنع البيع المباشر".

مراقبة الخصوم

بدأت الأحزاب والجماعات الدينية تُشكّل فرق رصد تُراقب وتوثّق ما يُنشر عنها في مواقع الحلفاء والخصوم. مدير مركز الصحافة الاستقصائية العراقية، "تقصي"، محمد الربيعي، قال لرصيف22 إنه "في كل البلدان التي تعاني من تقييد التدفق الحر للمعلومات، هناك إمكانية عالية جداً لتضليل الجمهور، ويزداد الأمر سوءاً حين تغيب عن وسائل الإعلام ثقافة التحقق والتقصي، كما هو الحال في العراق الآن".

وأضاف أن "الأشخاص الذين يسرّبون الصور أو مقاطع الفيديو أو الوثائق والمعلومات، يريدون غالباً تحقيق غاية ما، مثل استهداف جهة سياسية مناوئة أو أشخاص معينين أو تضليل الرأي العام حول قضية معينة. وإذا كانت الفوضى التي تشهدها مواقع التواصل الاجتماعي وسهولة البث والنشر تتيحان لهم أن يفعلوا ذلك، فإن وسائل الإعلام ينبغي أن تكون مُلزَمة مهنياً بعدم الانسياق وراء هذه التسريبات كي لا تكون أدوات تساهم في خداع الجمهور لمصلحة من يقوم بعملية التسريب أو الفبركة".

المستغرب أن الأحزاب السياسية المتصارعة تعرف تماماً هويات مَن يقفون خلف المواقع التي تُشهّر بها، حتى أنها باتت تعقد صفقات غير مُعلنة للتخفيف من حدّة تهجمّات بعضها على بعضها الآخر.

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي