أسباب كثيرة تدفع أمازيغ المغرب إلى الشعور بالتهميش

أسباب كثيرة تدفع أمازيغ المغرب إلى الشعور بالتهميش

نحو أربع سنوات مرّت على إقرار الأمازيغية لغة رسمية في المغرب، بعد الموافقة على التعديلات الدستورية لسنة 2011. لكن، برغم أهمية هذه الخطوة في مسار النضال الأمازيغي، فإن الحركة الثقافية الأمازيغية ليست راضية تماماً عن مسار الأمور خلال السنوات الماضية.

فتفعيل هذه الإجراءات الدستورية لا يزال بطيئاً وهو ما يثير مخاوف الفاعلين المدنيين الأمازيغيين الذين يخشون وجود نيّات متعمدة لعرقلة التطبيق الفعلي للمقتضيات الدستورية. ويزيد من هذه المخاوف استمرار بعض مظاهر تهميش الأمازيغ في مختلف مناحي الحياة.

اعلان


من يؤخّر الإنجاز؟

كغيره من الناشطين المدافعين عن الحقوق الثقافية واللغوية، لا يزال الناشط في المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات، أحمد عصيد، ينتظر صدور القانونيْن التنظيميين اللذين سيجعلان الأمازيغية لغة رسمية، وهما: القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، والقانون التنظيمي لمجلس اللغات. وقال لرصيف22: "الحكومة ليس لها اليد المباشرة في تأخير تفعيل القرار، لأن ملف الأمازيغية يدخل ضمن الملفات السيادية التي تبتّها الجهات العليا، مثل ملف المرأة وملف الصحراء والشأن الديني، كما يندرج في إطار التوجهات الكبرى والالتزامات الرسمية التي لا تعود إلى الحكومات التي تتغير وتتعاقب. وهذا هو سبب التأخير الرئيسي. الحكومة لا تستطيع تحريك هذا الملف بدون إشارة من أعلى تحدد بعض الثوابت حسماً للخلاف وضماناً للتوافق".

وأضاف عصيد: "القانون التنظيمي للأمازيغية سيتم إعداده في الأمانة العامة للحكومة بعد تواصل مع الجهات العليا ومع الحكومة قبل فتح حوار ومشاورات مع المجتمع المدني وبقية الأطراف. وهذا لا يعني أن الحكومة ليست مسؤولة عن تأخير النهوض باللغة الأمازيغية، لأن هناك أموراً تعهدتها في تصريحها الأول ولا بد من تحقيقها وهي لا تتعلق بالضرورة بالقانون التنظيمي، بل باستمرار مسلسل المأسَسة السابق الذي انطلق منذ 2001، وهو المسلسل الذي عرقلته الحكومة الحالية وأوقفته في العديد من القطاعات عوض إغنائه والاستمرار فيه".

تجاوزات في حق الأمازيغية

وسجّل عصيد استمرار وقوع عدد من التجاوزات والخروق السافرة في حق الأمازيغية خاصة في مجالي التعليم والإعلام. ويضرب مثالاً على ذلك قضية سحب التكليف المتعلق بتدريس الأمازيغية من أساتذة متخصصين تمّ تكوينهم خصيصاً لتدريسها، وتكليفهم بعكس ذلك تدريس العربية والفرنسية في العديد من النيابات والأكاديميات التعليمية. فمن أصل 14 ألف مدرس عُيّنوا لكي يدرسوا الأمازيغية لا يمارس عملياً هذا العمل إلا نحو ألف، مع وجود عدد لا يتعدى 380 مدرساً متخصصاً. كما يستمر، بحسب عصيد، عدم احترام دفاتر التحملات التي وقعت عليها القنوات التلفزيونية، خاصة الأولى والثانية، دون أن تكون هناك أية محاسبة من قبل الوزارة أو من قبل الهيئة المكلفة (الهاكا).

كذلك رأى رئيس التجمع الأمازيغي العالمي رشيد رخا أن الوضع القائم شبيه بحالة ما قبل إعلان حرب شاملة على كل ما هو أمازيغي. وقال لرصيف22: "لا يزال تجاهل الحديث والكتابة بالأمازيغية قائماً في المؤسسات العمومية ولو على واجهاتها، بشكل كامل. كذلك لم تزل الدولة بمختلف مؤسساتها مستمرة في استعمال العربية والفرنسية لغتين رسميتين برغم كون الفرنسية لغة غير دستورية".

وبالإضافة إلى ذلك، أشار رخا إلى أنه "مُنع مجرد الحديث بالأمازيغية داخل البرلمان ولا يزال منع تسجيل الأسماء الأمازيغية مستمراً، كما يستمر قمع احتجاجات الحركة الأمازيغية على نحو لم يكن يحصل قبل ترسيم الأمازيغية. وإلى ذلك، تم تجاهل الإشارة إلى تعليم الأمازيغية في مشاريع إصلاح التعليم سواء ذلك الذي صاغته وزارة التربية الوطنية، أو التقرير الذي أعده المجلس الأعلى للتعليم وربط دمج الأمازيغية بالتعليم بإصدار قانونها التنظيمي".

بداية الانفتاح

وكان النظام السياسي المغربي قد بدأ بالانفتاح نسبياً على مطالب الأمازيغ، بعد وصول الملك محمد السادس إلى الحكم، في محاولة منه لتجاوز الظلم الذي كان يعاني منه الأمازيغ في عهد الملك القوي الراحل الحسن الثاني. وبعد سنتين من وصوله إلى الحكم، اعترف الملك محمد السادس، في خطاب ألقاه في 17 أكتوبر 2001، عُرف في أدبيات الحركة الأمازيغية بـ"خطاب أغدير" (نسبة إلى مكان الخطاب)، بالأمازيغية كمكوّن أساسي من مكونات الثقافة المغربية. وعلى إثره، تم تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، سنة 2002، كمؤسسة وطنية مهمتها النهوض بالأمازيغية والمساهمة في سنّ السياسات العمومية المتعلقة بهذه اللغة، كما جرى إقرار حرف "تيفيناغ" لكتابة الأمازيغية سنة 2003.

أسباب كثيرة تدفع أمازيغ المغرب إلى الشعور بالتهميش

انتقاد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية

ووجّه نشطاء أمازيغ انتقادات كثيرة إلى المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بسبب سوء التدبير والافتقار إلى الاستقلالية عن السلطة وضعف المبادرة. فرشيد رخا يعتقد أن الوضع الذي تعيشه هذه المؤسسة دليل حيّ على التراجعات التي لحقت بمكاسب الأمازيغية. ويضيف: "جُمّد المجلس الإداري للمعهد، ولم تتم دسترته، وقد غيّبته المؤسسات الرسمية، ولم تُطوَّر صلاحياته تطويراً يمكّنه من المساهمة الفاعلة في الرقي بالأمازيغية بعد ترسيمها".

برأي رخا، "يجب ألا ننتظر من المعهد الذي هو مؤسسة أكاديمية أن يقوم بأكثر مما يسمح له به الظهير الذي أسسه وكذا القوانين التي تؤطر عمله. لكن بالتأكيد، وكما نقول دائماً، فالاجتهاد مطلوب من قبل هذه المؤسسة، خصوصاً أنها المؤسسة الرسمية الوحيدة المختصة في الأمازيغية".

لكن أحمد عصيد يرى أن للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية دوراً هاماً في المرحلة المقبلة برغم الملاحظات على عمله، لأنه المؤسسة الأكاديمية المكلفة بالمعيرة (إخراج لغة أمازيغية موحّدة إلى الوجود)، ويستطرد: "إذا أرادت الدولة مثلاً إعادة كتابة العلامات في الطرق والفضاءات العمومية، فإن المعهد هو المرجع في كيفية الكتابة وقواعدها وفي المعجم وغير ذلك مما يتعلق باللغة والثقافة الأمازيغيتين. هذا بالإضافة إلى استمرار دوره الاستشاري داخل المجالس الرسمية كالمجلس الأعلى للتعليم والمجلس الوطني للغات".

شكوى من التهميش الثقافي

ويشكو الأمازيغيون تحديداً من استمرار تهميش ثقافتهم داخل الإدارات العمومية مثل المحاكم وغيرها. فالمواطنون الأمازيغ الذين لا يتحدثون إلا لغتهم ليس في إمكانهم سوى تمني أن يجدوا في المحاكم أو المستشفيات أو المجالس البلدية مَن يفهم لغتهم لمساعدتهم على تدبير شؤونهم.

إلى ذلك، لا تزال بعض العائلات الأمازيغية تعاني رفض تسجيل مواليدها بأسماء أمازيغية بدعوى عدم وجودها في قائمة "الأسماء المقبولة"، وهذه بدعة قديمة كان وراءها وزير الداخلية الأسبق الراحل إدريس البصري. وبرغم إعلان المسؤولين المغربيين تجاوز هذا الإشكال، وتالياً غياب أي قرار يمنع تسجيل المواليد الجدد بأسماء أمازيغية، فإن أسراً عدة لا تزال تقع ضحية لاجتهادات الموظفين.

وقالت مصادر مقرّبة من حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يقود الائتلاف الحكومي إن القانون التنظيمي الخاص بإحداث مجلس للغات والذي أشرفت على إعداده وزارة الثقافة قد بات جاهزاً، وأُرسل إلى الديوان الملكي للموافقة عليه، ويُنتظر إصداره بالتزامن مع قانون تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية.

لكن ذلك لن يكون نهاية المطاف للحراك الأمازيغي في المغرب، كما يقول عصيد، لافتاً إلى أن حركتهم حركة تحرير وليست حركة مطلبية في مجال اللغة والثقافة، وهي تحمل مشروعاً ديمقراطياً شاملاً من أهم عناصره فصل الدين عن الدولة.

التعليقات

المقال التالي