هل نجح أكراد سوريا فعلاً في بناء إدارة تحترم التنوّع القومي والديني؟

هل نجح أكراد سوريا فعلاً في بناء إدارة تحترم التنوّع القومي والديني؟

تتميز محافظة الحسكة، شمال شرق سوريا، بتنوع مكوناتها وتجاورها، وهذا ما ولّد نوعاً من التعايش المشترك بينها. ولكن الأمر لم يخلُ من خلافات وصدامات بحكم حساسيتها السياسية، باعتبارها منطقة ذات غالبية كردية.

تعيش المنطقة اليوم، بعد انسحاب النظام من مناطق عدّة فيها، تحت سيطرة "الإدارة الذاتية الديمقراطية"، التابعة لـ"حزب الاتحاد الديمقراطي"، ويسيّر شؤونها ممثلون عن جميع المكونات.

تختلف وجهات النظر حول تجربة "الإدارة الذاتية الديمقراطية". فالباحث وعضو المنظمة الآثورية الديمقراطية، سعيد لحدو، يرى أنها خطوة جيدة ولا بد منها، "لكنها ليست الخطوة المثالية التي كنا نطمح إليها، وذلك لعدم تمثيلها الواقع الاجتماعي والسياسي لمكوّنات الجزيرة".

ويعتقد عضو المنظمة الآثورية مورياب جرجس حدو أن تعدد مكونات منطقة الجزيرة السورية يعزز من فكرة التعايش المشترك، والسلم الأهلي، فيما لو بُنيت على أسس ديمقراطية، "الأمر الذي يحتاج إلى توعية المجتمع، وضخ المزيد من الأفكار المدنية فيه".

حقيقة التعايش

تحاول "الإدارة الذاتية"، في أدبياتها وخلال استقبالها وفوداً أجنبية، التسويق للرأي العام أن تجربتها الديمقراطية مثالية، وأنها استطاعت إشاعة نوع من التعايش المشترك بين مكونات المنطقة، وهو التعايش الذي يكاد يختفي في سوريا.

يعترف نائب رئيس المجلس التنفيذي لـ"الإدارة الذاتية الديمقراطية" حسين عزام بأن التعايش المشترك والمصير الواحد يحتاجان إلى تكاتف الجميع، "لكن الحرب القائمة في البلاد، وظهور القوى التكفيرية المتطرفة، صعّبت مهمة الوصول إلى التعايش المشترك".

واعتبر القيادي في "الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ سوريا" ونائب رئيس "الائتلاف الوطني السوري المعارض"، مصطفى أوسو، أن "التعايش المشترك يتطلب قبل كل شيء مشاركة حقيقية وفعّالة والاعتراف بجميع مكونات المجتمع أياً كانت أفكارهم، والعمل انطلاقاً من مبدأ المساواة بين الأطراف، وهو ما يغيب في مشروع الإدارة الذاتية".

في المقابل، وبرغم أن مدير "منتدى الخابور المدني" والمخرج المسرحي، دحام السطام، يختلف مع الإطار العام لـ"الإدارة الذاتية" وينتقد أخطاءها الكثيرة، فهو يرى فيها تجربة مهمة تخدم المنطقة والمجتمع والناس، "خاصة أنها استطاعت أن تُحيّد نفسها عن عبثية الموت والفوضى العاصفة بالبلاد".

مقارنة تعايش مجتمع الجزيرة تحت سقف "الإدارة الذاتية"، مع المناطق الأخرى في سوريا، يحفز مورياب جرجس حدو على الاعتراف بأن المنطقة شهدت نوعاً من الاستقرار. وبرأيه، في حال أرادت هذه الإدارة تطوير تجربتها نحو تحقيق مجتمع سليم، "عليها الابتعاد عن التفرّد في اتخاذ القرارات وعن التسلط بالفكر الأوحد، وعدم تكريس السلطة السياسية والعسكرية لخدمة جسد واحد، وهذا ما سيخلف مستقبلاً ديكتاتورية جديدة، ستنسف العيش المشترك الذي تتباهى به أمام الرأي العام".

ويشير مصطفى أوسو إلى أن تسلط جهة واحدة على قرارات الإدارة الذاتية يسبّب نوعاً من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. هذا الأمر يفنده حسين عزام بالقول "إن الإدارة ليست من جانب واحد، كما يروج البعض، بل هي خليط فسيفسائي من كرد وعرب وسريان وآشوريين وشيشان. حتى أن القوة العسكرية الكردية، التي تتولى حماية المنطقة ملزمة بأوامر الإدارة الذاتية".

بين الماضي والحاضر

كان لمكونات الجزيرة دور كبير في تأسيس الدولة السورية الحديثة، ومقارعة الاستعمار ما يؤكد، بحسب سعيد لحدو، "أن مصطلح التعايش السلمي يبقى قاصراً عن التعبير الدقيق عن الحالة التي كانت قائمة، حين كانت حالة العلاقة بين العرب والكرد والسريان والأشوريين والمسيحيين في المنطقة، علاقة تكامل وتبادل مصالح أكثر من كونها علاقة تعايش سلمي".

ويؤكد دحام السطام أن القيم والمفاهيم الاجتماعية والأخلاقية المشتركة ساهمت في تحقيق نمط من "التعايش السلمي" في المنطقة، وتمثل ذلك بالعلاقات المجتمعية مثل المصاهرة، برغم محاولة "النظام السوري" اللعب على وتر التفرقة، وضرب جذور العلاقات بين تلك المكونات.

ولكن ظهور أمراء الحرب والفوضى يقفان عائقاً أمام تطبيق مفهوم التعايش وتحقيق السلم الأهلي، بحسب ميرآل بروردا، مدير "مركز التآخي للديمقراطية والمجتمع المدني" Birati، هذا بالإضافة إلى اللعب على أوتار الدين والقومية "والتحريض على الجرائم من قبل دول إقليمية دعمت جهات لزرع الفرقة في المنطقة، والاقتتال بين مكوناتها لأهداف سياسية".

بروردا يعتقد أنه برغم قدرة الإدارة الذاتية على تفادي التناحر بين مكونات المنطقة، فإنها لم تنجح بالقدر الكافي بسبب الإيديولوجيا التي تتحكم بها، والنأي بالنفس عن القضية السورية العامة، وإخضاع المناطق الكردية لسيطرتها العسكرية والسياسية، والعمل على تحقيق مصالحها ورؤاها.

إن نجاح تجربة التعايش المشترك تحتاج إلى إزالة العديد من المعوقات، في رأي مصطفى أوسو وذلك "لا يمكن أن يتمّ إلا بمشاركة الآخرين، والاعتراف بالخصوصيات القومية والدينية والثقافية والسياسية لكل مكونات المنطقة، واحترامها وإفساح المجال أمامها للتعبير عن نفسها وأفكارها، ومنح الضمانات القانونية، للمشاركة الحقيقية والفعالة في الإدارة والقرار، وتأمين المساواة بين الجميع".

لا يركّز حسين العزام البتّة على ضرورة المشاركة الجماعية الفعالة في الإدارة الذاتية لنجاحها. فهو يسلّم بأن الإدارة تحتضن الجميع، لذا يعتبر "أن المعوقات تكمن في كيفية إقناع الناس بتجربة الإدارة الذاتية كنموذج أمثل لسوريا المستقبل، وإقناعهم بأننا المنطقة الوحيدة في سوريا، التي نجحت في النجاة من الدمار والخراب، في ظل الأزمة السورية القائمة".

مستقبل المنطقة

استفراد فئة بواقع أيّة منطقة وتحكمها بحياة الناس يتعارضان مع المفهوم الحقيقي للديمقراطية. "لا يمكننا الحديث عن تعايش سلمي واقعي، دون أن يكون للآخرين حق المشاركة الفعلية والاعتراض"، بحسب سعيد لحدو.

يتفق معه في الرأي مصطفى أوسو ويؤكد أن "التعايش السلمي والأهلي يحتاج إلى القضاء على الاستبداد بمختلف أشكاله، والعمل على خلق بيئة مناسبة لثقافة التسامح وحقوق الإنسان في المنطقة، بعيداً عن سيطرة فكر الحزب الواحد والزعيم الأوحد".

ومن هنا، يدعو دحام السطام "الإدارة الذاتية" إلى توضيح صورة عملها أكثر فأكثر، وترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية، واحترام تطلعات الآخرين، والالتزام بالمعايير الإنسانية وقيمها، "حتى تستطيع الوصول إلى مجتمع مدني حضاري يسوده التعايش المشترك".

التعايش المشترك ممكن أن يحصل في المنطقة، بعيداً عن القوة الأمنية، ويمكن خلق واقع أفضل وتمتين العلاقة بين مكونات الجزيرة وبناء الثقة بينها، يرى مورياب جرجس. ويتفاءل بروردا بواقع أن مصالح جميع المكونات تتلاقى الآن ومستقبلاً، لكن ذلك، برأيه، يتطلب جهداً كبيراً وتفعيلاً لدور منظمات المجتمع المدني وإفساح المجال أمامها للعمل بحرية تامة، بالإضافة إلى تفعيل دور الإعلام للوصول إلى بيئة سليمة. وبحسب السطام، هناك ضرورة لعقد اجتماعي جديد يقوم على أساس المواطنة.

سعيد لحدو غير قلق بشأن المستقبل وبشأن مستقبل سوريا. يؤكد أن السوريين لن يكونوا يوماً شعباً عدائياً تجاه الآخرين فكيف يكونون هكذا في ما بينهم. فقد استقبلوا عبر التاريخ، بكل رحابة صدر، المسيحيين الذين نزحوا من مذابح العثمانيين عام 1915، والفلسطينيين عام 1948، واللبنانيين إبان الحرب الأهلية، بالإضافة للعراقيين عام 2003. ولكنه يشير إلى أن التعايش المشترك "يحتاج إلى مشاركة الجميع وترسيخ التعددية من دون الاستفراد بالسلطة من طرف واحد".

سردار ملا درويش

صحافي سوري يحمل إجازة في الإعلام من جامعة دمشق، يعمل في الصحافة المكتوبة والمسموعة والإلكترونية وعضو هيئة إدارية في رابطة الصحفيين السوريين.

كلمات مفتاحية
الأكراد سوريا

التعليقات

المقال التالي