الخارطة القبلية والمذهبية للصراع السعودي الإيراني في اليمن

الخارطة القبلية والمذهبية للصراع السعودي الإيراني في اليمن

تخوض المملكة العربية السعودية حرباً مع جمهورية إيران على الأراضي اليمنية. ومنذ تمدّد حركة "أنصار الله" الحوثية من معقلها الأساسي في محافظة صعدة، شمال اليمن، إلى المحافظات والمدن اليمنية وصولاً إلى العاصمة صنعاء، احتدمت الحرب بينها وبين خصومها، وبدأت مرحلة جديدة من الحرب السعودية-الإيرانية في اليمن.

دعم سعودي للقبائل

الشيخ مفرح بحيبح، أحد مشائخ قبيلة مراد في محافظة مأرب شمال شرق اليمن، قال لرصيف22: "لدينا علاقة جيدة مع المملكة السعودية منذ القدم، كما أن علاقتنا بدول الخليج بشكل عام جيّدة. هذه العلاقة كانت تمرّ بالمؤسسات الحكومية، ولكن نظراً إلى غيابها الآن، فإن قبائلنا تناشد دول الجوار، بما فيها السعودية، لمساعدتنا على مواجهة العدوان ضد المدّ الإيراني الخطير علينا وعلى المنطقة العربية بشكل عام".

كذلك أعرب الشيخ صالح العولقي، أحد مشائخ قبيلة العوالق في محافظة شبوه جنوب اليمن عن شكره للمملكة السعودية على ما تقدمه من دعم كبير لهم. وقال لرصيف22: "بفضل المملكة دحرنا الجماعات الحوثية التي تدعمها إيران من مناطقنا في محافظة شبوه جنوب شرق اليمن، ونحن سنواصل القتال ضد الحوثيين لإخراجهم من جميع مناطق جنوب اليمن".

حرب سعودية-إيرانية

الصحافي هاني المحويتي تحدث لرصيف22 عن موقع اليمن من التجاذب السعودي الإيراني وقال: "للسعودية جولات حربية مع إيران داخل الأراضي اليمنية منذ نصف قرن. ركيزة المملكة الأولى هي القبائل الموالية لها، وبالأخص القبائل المنتشرة على الحدود اليمنية السعودية في محافظات مأرب والجوف وحجة، شمال اليمن. فهي تمدّ هذه القبائل بدعم مالي ولوجستي، ووصل الدعم إلى حدّ منح شيوخ هذه القبائل الجنسية السعودية كما أعطوا منازل وامتيازات ورواتب شهرية، فضلاً عن تنقّل أبنائها بأريحية بين اليمن والسعودية".

وأضاف: "هذه القبائل تشكل نظاماً سعودياً مصغراً داخل اليمن يتبع النظام الأكبر السعودي. فمثلاً، الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر كان زعيماً لقبيلة حاشد، كبرى القبائل اليمنية، وبرغم أنه كان رئيساً للبرلمان اليمني فقد لعب دور سفير المملكة في قبيلته وبقية القبائل اليمنية، ولُقّب بـ"شيخ قبائل اليمن" بسبب الدور المحوري الذي أعطي له. كما أن قبيلة بكيل هي الأخرى موالية للسعودية".

yemen-tribes-1

وتابع: "حرصت المملكة على السيطرة على أكبر قبيلتين يمنيتين، حاشد وبكيل، ليكون لها جناح عسكري موالٍ لها وجيش شعبي مكون من مختلف القبائل اليمنية. وبالنسبة للجنوب اليمني، فغالبية القبائل الساحقة تناصر المملكة وأبرزها قبائل حضرموت المطلة على منفذ الوديعة الحدودي مع السعودية وقبائل العوالق في محافظة شبوه جنوب شرق اليمن".

صراع على بسط النفوذ

"خلايا نائمة" هي جملة يرددها الكثيرون في الشارع اليمني، جازمين أنها السبب في إشعال فتيل الحرب المعلنة بين السعودية وإيران على الأراضي اليمنية. وبخلاف ما يظنه البعض، فإن سبب الصراع السعودي-الإيراني ليس مذهبياً بل هو إستراتيجي، وتتنافس الدولتان بالأخص على السيطرة على "مضيق باب المندب".

فإيران مثلاً تبحث عن حضور لها في الخليج ولن يكون ذلك إلا عبر بوابة اليمن لأنها الدولة الأكثر اضطراباً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً مقارنةً بباقي دول الخليج. وما تروّج له السعودية من أن الصراع في اليمن مذهبي ويهدف إلى مواجهة "المد الشيعي الإمامي" هو حجة تساعدها على كسب دعم الكثير من الدول السنّية والتفاف أغلب القبائل اليمنية حولها.

وأكّد عبد الغني درهم، الباحث في التاريخ اليمني، لرصيف22، "أن المملكة السعودية تحكمت لعقود من الزمن بالقرار اليمني ومنعت التعاملات التجارية مع إيران. غير أن بروز جماعة الحوثيين بقوة ودون سابق إنذار على الساحة اليمنية، غيّر المشهد وقلب الطاولة عليها. وأخيراً، راحت هذه الجماعة تسعى إلى تقليص نفوذ المملكة في اليمن من خلال مهاجمة أتباعها، فشردت الكثير من المشايخ والقادة العسكريين وأجبرتهم على اللجوء إلى دول أخرى. وهذا التقليص سوف يتيح لإيران إبرام صفقات وعقد تحالفات داخل اليمن من خلال جماعة الحوثي، وهذا ما يقضّ مضجع الحكومة السعودية".

إيران والحركة الحوثية

لم تستقطب إيران في اليمن مشايخ القبائل كما فعلت السعودية، ولكنها أقامت في اليمن مستوطنة فكرية وسياسية تمثلت في جماعة معينة.

وقال الدكتور حسن مجلي، أستاذ علوم القانون الجنائي في جامعة صنعاء، لرصيف22: "نحن نتعرض لعدوان سعودي عسكري شامل على اليمن يدمّر جميع مقدراتنا الأساسية ويقتل الشعب بدون تمييز. والشعب اليمني يقف ضد هذا العدوان ومَن يقول عكس ذلك خائن للوطن والشعب".

yemen-tribes-2

وتابع: "القبائل التي تتقاضى المال من السعودية هم مرتزقة والمرتزقة موجودون في اليمن منذ حرب اليمن والسعودية عام 1934. ولا تزال تُصرف لهم رواتب كبيرة عبر "اللجنة الخاصة" التي كانت تدفع الرواتب والمخصصات علناً لمشايخ قبائل وسياسين وعسكريين. كذلك هنالك معسكرات في مدينتي "شرورة" و"تعز"، جنوب غرب اليمن، موالية للمملكة السعودية".

حرب إستراتيجية ودينية

قد يغيّر اعتماد إيران، لبسط نفوذها في اليمن، على المعتقد الديني مفهوم القبيلة اليمنية في المستقبل القريب. ولربما كان الحوثي بدايةً لفوضى تعم المنطقة الخليجية ورائداً لتنظيم يشبه تنظيم القاعدة الذي يحشد عناصره استناداً إلى معتقدات فكرية ودينية.

الدكتور نبيل الشرجبي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الحديدة، قال لرصيف22: "لا نستطيع القول إن الحرب الباردة السعودية الإيرانية على الأراضي اليمنية حرب لأطراف قبلية فقط. بل هي أكبر من ذلك إذ تشمل جوانب إستراتيجية ودينية، والسبب هو أن الجانب القبلي للأطراف المتصارعة في الداخل (حزب الإصلاح الإسلامي أي الإخوان والحوثيين) قد تم احتواؤه تحت الغطاء الديني الأكبر".

yemen-tribes-3

وأضاف: "لا يمكننا أن نقول إن اتجاهاً أو قبيلة ما كقبيلتي حاشد أو بكيل يقف مع طرف ضد الطرف الآخر. فهذه الحرب هي الأولى التي اختلط فيها التنوع القبلي. لكن المؤكد هو أن للقبيلة الدور الأبرز في هذه الحرب، وهي المحرك الأساسي لها. ومع ذلك فما نراه هو أن الجزء الأكبر من قبائل بكيل يقف في الصف السعودي وقبائل حاشد في الأغلب تقف في الصف الإيراني الحوثي".

وتابع: "السعودية في هذه الحرب دُهشت من عدم دعم الجناح القبلي لها، وهو ما أجبرها على التدخل بنفسها وخوض هذه الحرب بدلاً من الركون إلى القبائل اليمنية فحسب". قال الشرجبي: "تبيّن أن الجناح القبلي الداعم للحوثيين لا تتعامل معه إيران بشكل مباشر بل عبر الحوثيين أنفسهم على عكس ما تفعله السعودية. واتضح أن الانقسام القبلي في اليمن يقف وراءه التعصب المناطقي والمذهبي، فأغلب مَن يدينون بالشافعية هم مع الجناح السعودي، ومَن يدينون بالزيدية هم مع الجناح الإيراني".

أما في الجنوب، فيؤكد الشرجبي أن "التقسيمات الجنوبية أقرب بشكل كبير إلى الجناح السعودي، لكن تبقى قبائل الفرع الهاشمي عوناً للحوثي نظراً لما تتلقاه من دعم كبير جداً، مع ضرورة الإشارة إلى أن كل الأفخاذ الهاشمية، بدون استثناء وفي كل القبائل اليمنية، كحاشد ومذحج وبكيل، هي مع الجناح الإيراني".

التعليقات

المقال التالي