داعش يتمدد في اليمن ويتحدّى القاعدة

داعش يتمدد في اليمن ويتحدّى القاعدة

في الفترة الماضية، تعمّد تنظيم داعش لفت الأنظار والإعلان عن حضوره القوي في اليمن، مؤكداً أنه يخوض حرباً ضد الجميع. وجاءت مباركة أبي بكر البغدادي في تسجيله الصوتي الأخير لانطلاقة العمل في اليمن لتثبت انضمام اليمن إلى قائمة الدول التي يعتبرها التنظيم أرضاً للجهاد.

في بداية السنة الجارية، شاعت أخبار عن انتشار مجموعات صغيرة تابعة لداعش في محافظات إب ولحج وحضرموت. وبعد فترة، شاعت أخبار عن انتشار عشرات المسلحين التابعين لداعش في مدينة الحوطة، في محافظة لحج، وتوزيعهم منشورات يتوعّدون فيها الحوثيين. ولكن هذا كان بسيطاً أمام أول عمل إرهابي تبنّاه التنظيم حين استهدف انتحاريوه مسجدي بدر والحشوش في صنعاء مودّين بحياة العشرات من المصلين، وغالبيتهم من الحوثيين.

بروباغندا إظهار التوحش

لم يشذ داعش في اليمن عن عادته في استخدام المنابر الإعلامية والتضخيم البصري للفت الأنظار. كان ذلك واضحاً في أول إصدار مرئي بعنوان "جنود الخلافة" في 24 أبريل، وأعلن فيه "ولاية صنعاء".

وأظهر التسجيل الأول الذي صُوّر في إحدى المناطق الصحراوية مجموعة من العناصر المسلحة والملثمة تستعرض قواتها ومهاراتها الحربية، قبل أن يلقي قائد المجموعة الذي لم يكشف عن اسمه كلمة "تحريضية" أعلن فيها ولاءه لأبي بكر البغدادي. وحملت الرسالة تهديداً قوياً للحوثيين، وتوعدت مَن يطعنون بعرض أم المؤمنين عائشة بالذبح والشرب من دمائهم والانتقام لأعراض أهل السنة، كما وعدت باستعادة الأراضي التي "اغتصبها" الحوثيون.

وبعد أيام من هذا التسجيل الذي تزامن مع إعلان السعودية نهاية عملية "عاصفة الحزم" وبداية "إعادة الأمل"، نشرت الحسابات الموالية للتنظيم على تويتر، في 30 أبريل، تسجيلاً مرئياً جديداً من منطقة شبوة بعنوان "تصفية المرتدين".

وكان واضحاً أن ماكينة البروباغندا داخل التنظيم حرصت على أن يأتي التسجيل الثاني أكثر قوة وصدماً من الأول، من خلال تصويره عملية إعدام دموية لعدد من الجنود قال إنهم موالون للحوثيين. ويظهر الشريط الذي صور ليلاً عملية تصفية 6 جنود ذبحاً و11 آخرين رمياً بالرصاص. ويُعتقد أن العملية نُفّذت على الأقل قبل أسبوعين من نشر الإصدار.

وإثباتاً لإستراتيجيته المبنيّة على مبدأ "الحرب الشاملة"، لم يستثنِ التنظيم القوات الموالية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من هجماته. وهاجم نقطة تفتيش عسكرية في بلدة تريم، شرق حضرموت، وأجبر عناصرها على الفرار. كما نفّذ عملية أخرى استهدفت مجمعاً حكومياً. ولإعلان داعش وجوده في حضرموت رمزية كبرى لأن المحافظة معروفة بالحضور الكثيف لتنظيم "القاعدة في جزيرة العرب".

وفي 14 مايو، بث المكتب الإعلامي لـ"ولاية صنعاء" إصداراً مرئياً جديداً بعنوان "نوافذ من أرض اليمن"، يظهر فيه عدد من عناصر التنظيم في جلسة إنشادية احتفاءً بإعلان البيعة لـ"الدولة الإسلامية". وجدد الإصدار إعلان الحرب على الحوثيين، وفي نهايته أُعلن عن عملية جديدة استهدفت عناصر الأمن العام المكلفين حراسة أحد مراكز البريد وإعدامهم رمياً بالرصاص.

التنافس مع القاعدة

اختراق داعش لمناطق انتشار القاعدة في اليمن دفع التنظيم الأخير إلى المسارعة بإعلان نفي علاقته بالعمليات التي نفذها خصمه الجهادي، رغم أنه نفّذ عمليات مشابهة ضد جنود نظاميين. فحضرموت التي تقع بمحاذاة الحدود السعودية وتعد ثالث أكبر محافظات البلاد تعتبر عملياً المعقل الرئيسي لتنظيم القاعدة في اليمن، إذ سيطر على عاصمتها، مدينة المكلا، منذ بداية شهر أبريل الماضي بالتزامن مع بدء الضربات السعودية. وتقول تقارير إن القاعدة تسيطر على القصر الجمهوري والموانىء الرئيسية في المدينة وتحاول خلق حاضنة شعبية لها، لكنها لا تحظى بمباركة القبائل التي تعارض إقامة إمارة إسلامية هناك.

وهنالك مؤشرات عدّة على أن الأمور ستذهب باتجاه تكرار السيناريو الليبي، أي بإعلان مجموعات موالية للقاعدة انشقاقها تباعاً ومبايعة "الدولة الإسلامية". ويُتوقع أن يساعد استهداف الطائرات الأمريكية عدداً من القادة البارزين في تنظيم القاعدة في اليمن كحارث النظاري وابراهيم الربيش ومأمون حاتم وناصر بن علي الآنسي، في الأشهر الأخيرة، في التسريع بحصول هذه العملية.

فالخطاب الجهادي لداعش بات أكثر جاذبية من خطاب القاعدة وتحديداً بالنسبة لجيل الشباب، خصوصاً أن الأزمة في اليمن تقترب أكثر فأكثر من الحرب الطائفية. ومع عدم إبداء القاعدة ردود فعل كبيرة تجاه تقدم الحوثيين في عدد من المناطق المعروفة بأنها ذات غالبية سنية، جاءت تفجيرات داعش للمسجدين الشيعيين لتعطيه صدقية أكبر من خصمه بعيون المتشبعين بالفكر الجهادي.

وبرغم أن اسم القاعدة قد عاد للبروز إعلامياً بشكل كبير إثر تبنيها للعملية الإرهابية التي نفذها الأخوان "كواشي" ضد مقر صحيفة شارلي إيبدو الساخرة في باريس، في يناير الماضي، فإن عدداً من أنصارها في اليمن أعلنوا منذ فبراير الماضي نقض بيعتهم لأيمن الظواهري وإعلان تشكيل كتائب مسلحة لمواجهة "الحوثيين" في صنعاء وذمار.

وكان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب قد أعلن، نهاية شهر نوفمبر الماضي، في كلمة للقيادي حارث النظاري (قتل في غارة أمريكية في شهر فبراير)، رفضه لإعلان البغدادي الخلافة. وجاء في الكلمة المطولة أن داعش جماعة مجاهدة كغيرها من الجماعات المجاهدة، لكن إعلان الخلافة ‏"لم يستوفِ الشروط اللازمة ولم يتم عبر المشورة مع أهل الحل والعقد في الأمة الإسلامية، أو ‏على الأقل مع بعض العلماء الصادقين وقادة الجماعات المجاهدة"، وهو ما فُهم منه أن هناك امتعاضاً قاعدياً من تلميحات داعش إلى سعيها لإقامة ولاية تابعة لها في اليمن. وحينذاك، كان لافتاً أن عدداً من المتعاطفين مع القاعدة في اليمن امتعضوا من كلمة النظاري رغم أنه لم يدعُ بشكل واضح إلى التصدي لتمدد داعش.

استغلال الفوضى

في رسالة وجّهها عدد من المقاتلين اليمنيين في صفوف داعش من محافظة الرقة السورية إلى مقاتلي داعش في اليمن، قدّموا لهم مجموعة من النصائح السياسية والإستراتيجية داعين إيّاهم إلى التعامل بشدة مع الأعداء وعدم الاكتراث بالمتخاذلين، كما طالبوا اليمنيين بعدم الثقة بالدول التي تقف خلف عاصفة الحزم لأنها تتلقى أوامرها من الأمريكيين.

حتى الآن، ظلت داعش وفيّة لإستراتيجيتها في المناطق التي أعلنت وجودها فيها، وهي إستراتيجية قائمة على الاستفادة من التوترات والنزاعات واستغلال انهيار الدولة المركزية وضعف أو تشتت الجيش الوطني واللعب على التناقضات الطائفية لتثبيت أقدامها شيئاً فشيئاً، وهو ما يحصل حالياً في اليمن.

يصعب الجزم بموقف القبائل اليمنية السنيّة من تمدد داعش، وإذا ما كانت ستتغاضى عنه نكاية بالحوثيين. لكن بعض المراقبين يرون أن البنية القبلية للمجتمع اليمني ترفض الممارسات المتطرفة والشاذة التي يمارسها التنظيم كقطع الرؤوس وإعدام أسرى الحرب، وهو ما قد يُبعد القبائل عنه. وهذا السيناريو حصل في ليبيا حيث لا يمكن القول إن داعش يحظى بتعاطف ودعم قبليين. لكن، في المقابل، استثمر التنظيم كثيراً في واقع تذمّر القبائل، في سرت مثلاً، من آثار سقوط نظام الرئيس الليبي الأسبق معمّر القذافي، وهو ما سمح لأنصار الشريعة (بايعت البغدادي لاحقاً) بالقيام بأعمال دعوية قبل بداية الصراع العسكري على السلطة الذي استفادت منه داعش مجدداً للإعلان عن نفسها.

التعليقات

المقال التالي