استمرار سجال "تحرير أم احتلال؟" يؤخر ولادة الدولة العراقية

استمرار سجال "تحرير أم احتلال؟" يؤخر ولادة الدولة العراقية

حتى الساعة الثانية عشرة من ظهر التاسع من أبريل 2003، كان العراقيون يسمعون أصوات الغارات الأمريكية، لكنهم لم يشاهدوا جنوداً أمريكيين في شوارع عاصمتهم بغداد. وبعد ظهر ذاك اليوم، دخلت دبابات أمريكية إلى العاصمة العراقية ووصلت إلى ساحة الفردوس وسط بغداد.

الأمريكيون أيقنوا أن ما يريدون تخليده يجب أن يتم أمام وسائل الإعلام، وفهموا أن هذا اليوم يجب أن تكون له ذكرى ثابتة. لذلك توجهوا نحو تمثال للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين يتوسط ساحة يطل عليها إثنان من أهم فنادق العراق، فلسطين وعشتار، حيث كانت تنتشر وسائل الإعلام الاجنبية ووكالات الأنباء العالمية.

تحطيم أيقونة النظام

مع توقف المدرعات أمام النُصب، راحت وسائل الإعلام الأجنبية ترصد تحركاتها. في تلك الأثناء تجمع العشرات من سكان المنازل القريبة في منطقة الكرادة وشارع السعدون بالقرب من المدرعات الأمريكية.

خلال فترة حكم صدام التي امتدت من 1979 حتى 2003، شهدت ساحة الفردوس إزالة نصب الجندي المجهول الذي كان يرمز إلى الجنود المجهولين في الحروب التي خاضها العراق، ورفع تمثاله الذي صار أيقونة سقوط نظامه.

كان صدام حسين، يمتلك، بحسب أرقام ظهرت بعد سقوط نظامه، 2500 تمثال في العراق. وكان إسقاط التمثال الذي يتوسط ساحة الفردوس في بغداد، بداية لسقوط التماثيل الأخرى.

فجأة، صعد جندي أمريكي إلى التمثال بمساعدة مواطن عراقي. ربطا سلاسل طويلة بعنق الرئيس، وفور نزولهما جذبت الدبابة الأمريكية السلاسل فسقط أشهر تمثال للرئيس العراقي الأسبق، وأُعلن سقوط النظام الديكتاتوري.

استمرار سجال تحرير أم احتلال يؤخر ولادة الدولة العراقية

نجاح كريم كان يبيع السجائر على طاولة صُنعت من بقايا أثاث منزلي رث، بالقرب من جامع 14 رمضان في ساحة الفردوس. ظل مذهولاً لدقائق وهو ينظر إلى اقتراب قوة أمريكية مدرعة إلى مكان كان ينتشر فيه، قبل ساعات قليلة، عناصر مسلحة من حزب البعث. قال نجاح الذي كان عمره في ذلك اليوم 25 عاماً، أن "مسلحين ينتمون لحزب البعث أبلغوه قبل رؤيته الدبابات الأمريكية بساعات أن بغداد مؤمنة والأمريكيون لن يدخلوها".

ولأن نجاح واحدٌ من 30 مليون عراقي، لم يعتقد في يوم من الأيام أن تلك الصورة الأسطورية التي صُنعت لصدام ستتلاشى، في وقت قصير، ويُصبح مَن كان يحكم بالقوة هارباً من أصغر مُجند في الجيش الأمريكي.

لا يزال السجال مستمراً

بعد 12 عاماً من تلك الحادثة، لم يعرف نجاح الذي يشغل حالياً منصباً إدارياً في إحدى مؤسسات الدولة العراقية، ماذا قررت حكومات "الشراكة الوطنية" في العراق. هل الذي حصل ذاك اليوم احتلال أم تحرير؟

التحالف الوطني (الشيعي)، الذي ينتمي إليه رؤساء الحكومات العراقية منذ عام 2005، شهد في أوقات سابقة خلافات حادة بين كُتله. تباينت مواقفها من أحداث يوم التاسع من أبريل 2003، فمنها مَن اعتبره يوماً يستحق الاحتفال بذكراه ومنها مَن اعتبره احتلالاً، وهناك من رفض الاحتفال لتزامنه مع ذكرى استشهاد الزعيم الشيعي محمد باقر صدر، الذي أعدمه صدام حسين مع شقيقته عام 1980.

لكن الحكومة العراقية الانتقالية، برئاسة إبراهيم الجعفري، قررت عام 2006 أن يكون التاسع من أبريل يوم عطلة رسمية استناداً إلى أول قرار اتخذه مجلس الحكم في 13 يوليو 2003. إلا أن مجلس

الوزراء العراقي، خلال فترة حكم نوري المالكي، قرر عام 2007 إلغاء العطلة الرسمية في هذا اليوم. أما الأكراد في شمال العراق، فقد قرر برلمان إقليمهم المتمتع بحكم ذاتي، في الثامن من أبريل 2013، اعتبار يوم اسقاط نظام صدام "يوم التحرير"، وبهذه المناسبة تتوقف جميع الدوائر الرسمية عن العمل. هذا في حين أعلنت كركوك عطلة نصف يوم بالمناسبة لتكون المحافظة الوحيدة الواقعة تحت سلطة الحكومة المركزية التي تحتفل بهذه المناسبة.

تباين الآراء

رئيس الحكومة العراقية السابق ونائب رئيس الجمهورية العراقي الحالي، نوري المالكي، قال في الذكرى العاشرة لتغيير النظام العراقي: "على الرغم من المشاكل التي مرت بها البلاد خلال العقد المنصرم، فإن أغلبية العراقيين يتفقون على أننا أصبحنا اليوم بحال أفضل مما كنا عليه في زمن الدكتاتورية الوحشية".

وأضاف أن العراقيين "سيظلون ممتنين لدور الولايات المتحدة وللتضحيات التي قدمها الجيش والمدنيون الذين ساهموا في إنهاء نظام حكم صدام"، مشيراً إلى أن "تلك التضحيات قليلة بالمقارنة مع الخسائر التي قدمها الشعب العراقي".

ولكن في المقابل، تعتبر أغلبية العشائر العراقية هذا اليوم "احتلالاً"، خاصة تلك التي تسكن شمال البلاد وغربها، وذلك نتيجة العلاقة الوطيدة التي كانت تربطها بنظام صدام، ووجود الكثير من أبنائها في الجيش السابق والجهاز الأمني الخاص بالرئيس. وبرغم أن شيوخ تلك العشائر يعتبرون ذلك التاريخ "احتلالاً"، فإن علاقة إيجابية كانت تربطهم بالمسؤولين العسكريين الأمريكيين، الذين لطالما دعوهم لحضور ولائم واحتفالات ومؤتمرات.

العراق أسير خيارين

علي السراي، وهو صحافي عراقي واكب التطورات التي حدثت بعد ذلك التاريخ، قال لرصيف22 إن العراق متنوع في وصفه وتقييمه ليوم ٩ أبريل 2003، وهو بالضرورة تنوع ثقافات سياسية، تتصادم على مصالح متناقضة ومتضاربة تركتها الولايات المتحدة، من دون حسم.

وأضاف: "الحيرة بين الاحتلال والتحرير، والصراع بين هاتين المقولتين، تخبرنا بأن العراق سيبقى في مرحلته الانتقالية، أو الأحرى إنه عاجز عن الانتقال إلى دولة ما بعد صدام، بل إن الانتقال أسير بين خياري "العراق المحرر" أو "المحتل"، في حين لا يمكن لأي من الفريقين البحث عن عراق ثالث".

ويلفت السراي إلى أن "جزءاً من تعثر المسار العراقي يعود إلى أن النخبة العراقية لا تزال عالقة في تلك اللحظة، وبعضها لا يزال يقدم أنشطة سياسية متواضعة ومرتبكة من وحي صدمة تغيير نظام صدام، إذ يشعر السُنة بأن تلك اللحظة أزاحتهم عن السلطة والنفوذ، بينما يركض الشيعة سريعاً لتصفية إرث ٣٥ عاماً من التهميش، أما مَن هم بينهما فيلفظهم هذا التصادم". ويؤكد: "لا مؤشرات على فض الاشتباك بين هذه الثنائية حتى الساعة".

بواسطة "الأريل" (جهاز الاستقبال الأرضي) الذي صُنع يدوياً، وعلى تلفاز لا يعمل إلا بعد ضربه مرة أو مرتين، كنا نُتابع، عبر قناة كردية وصلنا بثها من إقليم كردستان العراق، كيف كان يصعد الجندي الأمريكي ليضع السلاسل في عنق صدام.

في لحظة إسقاط التمثال، اختلفت الآراء. قالت جارتنا أم سامر لزوجها دامعة: "كان يحكمنا بسلام. أنا لا اعتقد أنه سقط. هذا مشهد تمثيلي. تريدون أنتم "الشيعة" أن توهمونا بأن أبا عدي (صدام)، قد انتهى زمنه". لم يُحبذ الزوج الرد عليها أمام الأصدقاء، فاكتفى بالقول: "انتهى صدام، والعراق حُرّر". لكن صوت فتى لم يتجاوز السابعة من عمره قاطعهما: "بابا صدام سبع وميكدرون يغلبوه".

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

كلمات مفتاحية
أمريكا العراق

التعليقات

المقال التالي