الأحزاب الأوروبية "الصديقة" للمهاجرين

الأحزاب الأوروبية "الصديقة" للمهاجرين

بعد "الربيع العربي" تزايدت موجات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. وكانت ألمانيا المقصد الأول للهاربين من نيران الحروب والفقر، تليها بريطانيا ثم إيطاليا ففرنسا. ارتفعت الأصوات الممتعضة من المهاجرين وانتشرت ظاهرتا العداء للمهاجرين والإسلاموفوبيا. ولكن في المقابل ساندتهم أحزاب وحركات سياسية. فمن هم "أصدقاء" المهاجرين؟

ألمانيا

سجّل العام 2013 أعلى نسبة تدفق للمهاجرين في السنوات العشرين الماضية إلى ألمانيا، ووصل عددهم حالياً إلى نحو 7 ملايين، جُلّهم من الجالية التركية، أي من المسلمين. وترافقت هذه الزيادة مع صعود نجم يمين متطرف مناهض للإسلام وللمهاجرين، يعبّر عنه حزب "البديل لألمانيا" ADF وحركة "وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب" PEGIDA. وقد ساهمت بعض الدراسات التي تبيّن أنّ الهجرة لا تعود بالربح المالي على المجتمع الألماني وأنّ البلد يجذب المهاجرين غير الكفوئين إلى إعطاء اليمين مبررات لخطابه.

اعلان


وضع خطاب اليمين المتطرّف الائتلاف الحكومي أمام تحدّيات كبيرة. فالمجتمع الألماني يُعدّ "مجتمع كبار السن"، إذ يعاني من تدنٍّ في نسبة الولادات. وكونه يعاني أيضاً من نقص في الكفاءات، فإنه يحتّم على الحكومة تشجيع الهجرة الكفوءة.

وانطلاقاً من هذا الواقع، انتقد توماس أوبرمان Thomas Oppermann زعيم الكتلة النيابية لـ"الحزب الإشتراكي الديمقراطي"، موجة الكره التي يتعرض لها المهاجرون، ورأى أن مشاعر الحقد المتصاعدة تجاههم تخالف مبدأ التعايش السلمي القائم في البلد. وأضاف أن ألمانيا بلد للهجرة يعتمد على المهاجرين، وتالياً يجب التعامل مع هؤلاء بروح إيجابية. وكان "الحزب" قد صوّت لمصلحة قانون جديد للهجرة قوامه "نظام تجميع النقاط"، يهدف إلى استقطاب المهاجرين المتخصّصين والأكفاء من أنحاء العالم، انسجاماً مع حاجة ألمانيا للأجيال الشابة المهاجرة.

أما المستشارة أنجيلا ميركيل، زعيمة حزب "الإتحاد الديمقراطي المسيحي" غير المرحّب تاريخياً بالمهاجرين، فقد عمدت إلى محاباة المهاجرين والمسلمين لا سيما أنّ عدد الجالية التركية بلغ حوالى 3.5 ملايين، معظمهم يحمل الجنسية الألمانية، ويملكون شبكات اقتصادية مهمة، فضلاً عن كونهم يمثلون كتلة ناخبة وازنة.

وغداة مشاركتها في تظاهرة باريس تضامناً مع صحيفة "شارلي إيبدو"، استقبلت المستشارة الألمانية رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو وصرّحت عقب اللقاء أن الإسلام ينتمي لألمانيا وأنّ الحكومة تعمل جاهدة لدمج المهاجرين في المجتمع بغض النظر عن دينهم. هذا وقد شاركت ميركل في التظاهرة التي نظمتها الجالية الإسلامية في برلين تنديداً بالجريمة التي طالت الصحيفة الفرنسية، في تحدٍّ رمزي لحركة بيغيدا، وطالبت الألمان بعدم تهميش أي من الجماعات التي تعيش في ألمانيا لأسباب دينية أو عرقية لأن ذلك يخالف قيم الأمة الليبرالية.

بريطانيا

وصل عدد المهاجرين في بريطانيا إلى حوالى 8 ملايين، 30% منهم من غير الأوروبيين قدموا من الهند وباكستان والمنطقة العربية. وتلقى الهجرة في المملكة رفضاً شعبياً حتى داخل صفوف "حزب العمال" المتسامح مع المهاجرين.

بيد أنّ هذا الموقف الشعبي السلبي يعاكس الأثر الإيجابي للهجرة على المملكة، إذ كشفت دراسة أعدّها "المركز الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية"، أن خفض عدد المهاجرين في بريطانيا سيكون له أثر سلبي على الاقتصاد لأنه سيؤدّي إلى ارتفاع الضرائب وانخفاض كبير في النمو على المدى البعيد. كذلك أكّدت دراسة سابقة أثر المهاجرين الإيجابي على الاقتصاد لجهة زيادة قوة العمل والطلب وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وإضفاء المرونة على سوق العمل.

في ظل هذا الواقع، برز "حزب الخضر" وحيداً عندما طرح نفسه ممثلاً للمهاجرين. إذ نشر في "اليوم العالمي للمهاجرين" صورة كتب عليها "اليوم هو اليوم العالمي للمهاجرين لكننا نقف معهم في كل يوم. من أينما أتيتم ستجدون لكم منزلاً لدى حزب الخضر".

أما حزب العمال، فإن موقفه من هذه المسألة مرتبك. فمن ناحية يريد إرضاء ناخبيه واعداً إياهم، في حال ترؤسه الحكومة، "بالعمل على وضع قواعد قانونية عادلة للهجرة"، ومحمّلاً مسؤولية ازدياد تدفق المهاجرين إلى زعيم الحزب المحافظ الحاكم ديفيد كاميرون. ومن ناحية ثانية يدرك أهمية دور المهاجرين ليس انتخابياً فحسب، فـ"يشيد بدورهم وبعملهم في المؤسسات العامة وبما يقدّمونه لبناء بريطانيا".

هذا ويتنافس حزب العمال مع المحافظين على سنّ قوانين جديدة للهجرة تتوافق وتوجهات الرأي العام. وقد شبّهت زعيمة "حزب الخضر" نتالي بينّيت Nathalie Bennett  هذا التنافس "بالسباق نحو القاع"، داعيةً إلى وضع سياسات إنسانية تخفّف عبء الحياة عن المهاجرين.

إيطاليا

تُعدّ إيطاليا المقصد الأول للمهاجرين العرب والأفارقة، وتُعد الجالية المغربية الأكبر بينهم. لكن وضع المهاجرين في الدولة التي تستقبل 4 ملايين مهاجر أفضل حالاً من وضعهم في البلدين الأوروبيَّين السابقين. فـ"الحزب الديمقراطي" بزعامة رئيس الوزراء ماتّيو رنتسي Matteo Renzi يدعم المهاجرين، وكذلك الأحزاب اليسارية التقليدية.

وأخيراً، بعد تصاعد أصوات اليمين المتطرّف المندّدة بعدم تطابق "هوية أوروبا" مع قِيم المهاجرين إثر الاعتداء على صحيفة "شارلي إيبدو"، هبّ ماتيّو رنتسي لانتقاد من سمّاهم "أصحاب التصرفات الشائنة والخرقاء"، غامزاً من قناة زعيم عصبة الشمال اليمينية المتطرفة، وللتشديد على أن "الهوية" لا تتناقض مع "اندماج" المهاجرين في المجتمع".

أما رئيس "منتدى المهاجرين" في الحزب الحاكم، ماركو باتشوتّي Marco Pacciotti فقد رأى، في مقابلة سابقة على قناة "سكاي تي جي 24"، أن المهاجرين ثروة مهمة لإيطاليا، مشدّداً على أنهم يساهمون في جعلها بلداً عالمياً في مختلف النواحي الثقافية والاقتصادية. وأضاف أن وجود حوالى مليون شاب مهاجر يدرسون في جامعات ومدارس إيطاليا يصنع عجلة استثنائية لتطوير البلد وتحضّره. وللعلم، فقد عمل "الحزب الديمقراطي" بعد تسلّمه الحكم على إلغاء "قانون بوسّي ـ فيني" Bossi-Fini الذي عدّ الهجرة غير الشرعية "جناية".

وكانت حكومة رانتسي قد بدأت العمل الصيف الفائت، على وضع قوانين جديدة تصب في مصلحة المهاجرين، مثل تعديل قانون الحصول على الجنسية لأبناء المهاجرين غير المجنّسين بعد خمس سنوات من إقامتهم ودراستهم، وخفض مدة حجز المهاجرين غير الشرعيين في مراكز التوقيف، بالإضافة إلى منح "المقيمين" حق الاقتراع في الانتخابات المحلية.

محاباة "الحزب الديمقراطي" للمهاجرين مردّها ليس فقط إلى الموقف الإيديولوجي لليسار ووقوفه مع الفئات المستضعفة، بل أساساً إلى المعطى الديموغرافي الذي يشير إلى تدني نسبة الولادات وشيخوخة المجتمع. تُضاف إلى ذلك المشاركة الفعالة للمهاجرين من الفئات الشابة في سوق العمل. فبحسب إحصاءات "يوروستات"، يصل معدل مشاركة المهاجرين في سوق العمل إلى نحو 61.9% بينما يبلغ معدل الإيطاليين الفاعلين 59.5%.

هذا عدا أنّ أجر اليد العاملة المهاجرة أقل بكثير من كلفة اليد العاملة الإيطالية. كذلك كشفت دراسة وضعها "المجلس القومي للاقتصاد والعمل" CNEL عن أن حوالى نصف المهاجرين يعملون في وظائف غير متخصصة لا يرغب المواطنون في شغلها. وهذا ما يعني أنّ المهاجر لا يحرم المواطن من فرص العمل في القطاعات المهمة، بل على العكس يفتح له مجال التوظيف في المجالات المتخصّصة التي تحتاج إلى مهارات عالية.

فرنسا

حالُ المهاجرين في فرنسا يشبه حال أقرانهم في إيطاليا من حيث وقوف قوى اليسار والبيئة إلى جانبهم، وأبرزها "الحزب الاشتراكي" الحاكم بزعامة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند. ففي افتتاح "متحف تاريخ الهجرة"، الشهر الفائت، أشاد هولاند بإسهامات المهاجرين في بناء الجمهورية، وطالب الفرنسيين بـ"عدم ترك الساحة خالية أمام من يوظّفون خطابات الخوف من اضمحلال الدولة"، وانتقد من "يريد تحجيم فرنسا بحدودها الجغرافية، وينادي بتقوقعها وانغلاقها على الآخر"، غامزاً من قناة "الجبهة الوطنية" المناهضة للمهاجرين والمسلمين. ولم يكتفِ هولاند بذلك، بل أعاد تذكير الفرنسيين بتاريخ هجرتهم إلى الخارج، معلناً أنه يشجّع إعطاء المهاجرين الحق بالاقتراع.

أهمية المهاجرين بالنسبة للأحزاب المؤيدة لهم تفوق كونهم قاعدة انتخابية عريضة. فبدوره، يعاني المجتمع الفرنسي من الشيخوخة، ويساهم المهاجرون في تفعيل عجلته الاقتصادية. وقد بيّنت دراسة حول تكلفة المهاجرين على الاقتصاد الفرنسي، أعدتها مجموعة من الخبراء في جامعة "ليل" لمصلحة وزارة الشؤون الإجتماعية، أنّ المهاجرين يشكلون "صفقة أعمال جيدة للدولة". وقد أظهرت الدراسة أنهم يتلقون من الدولة نحو 47.9 مليار يورو ويردّون للخزينة العامة حوالى 60.3 مليار يورو، وهذا ما يعني أنهم يساهمون في تمويل الموازنة العامة بنحو 12.4 مليار يورو. بالإضافة إلى هذه المليارات، تكمن القيمة المضافة للمهاجرين في أن غالبيتهم يعملون في وظائف لا يرغب المواطن الفرنسي في شغلها، هذا عدا تشكيلهم قوة استهلاكية ضرورية للدورة الاقتصادية.

وبرغم الانتشار الواسع للأحزاب اليمينية المتطرفة والأفكار النمطية والسطحية المنادية بأن المهاجرين غير منتجين أو سارقو وظائف، فإنهم يجدون، في معظم الدول الأوروبية، أحزاباً تدافع عنهم. وقد أشاد مفوض الاتحاد الأوروبي للهجرة والشؤون الداخلية والمواطنة، ديميتريس افراموبولوس Dimitris Avramopoulos بمناسبة "اليوم العالمي للمهاجرين" بدور هؤلاء في تعزيز قوة أوروبا، وأكّد أنهم ساهموا في نموّها اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، لافتاً إلى أنّ الكثير من دول القارّة تعاني من نقص حاد في اليد العاملة الماهرة والفتيّة.

نشر الموضوع على الموقع في تاريخ 01.02.2015 

التعليقات

المقال التالي