إذا أردتم ديمقراطية لا تحترم حقوق الإنسان، يمكنكم استنساخ التجربة اللبنانية

إذا أردتم ديمقراطية لا تحترم حقوق الإنسان، يمكنكم استنساخ التجربة اللبنانية

سدّة الرئاسة اللبنانية شاغرة منذ 324 يوماً ولم ينجح نواب الأمة في انتخاب رئيس جديد حتى الآن. هؤلاء كانوا قد مدّدوا لأنفسهم سنتين منتهكين أبسط قواعد الديمقراطية. رغم ذلك، لا يزال كثيرون يتحدثون عن تعميم التجربة اللبنانية على المجتمعات العربية المتنوّعة طائفياً.

 

التجربة اللبنانية

برغم مشاكل النظام السياسي اللبناني الكثيرة، نقع دورياً على كلام يتغزل بالتجربة اللبنانية. على سبيل المثال، اعتبرت الوثيقة الختامية لـ"مؤتمر العائلة وتحديات العصر في الشرق الأوسط" التي وقّعها رؤساء الطوائف المسيحية والإسلامية، أن "النموذج الذي أرساه لبنان في مجالات الحوار الحضاري... هو الرد العملي على التطرف في كل أشكاله السياسية والدينية" وأضافت أن التجربة الوطنية اللبنانية تصلح "مدخلاً لمساهمة مباشرة في إرساء واقع إقليمي جديد قائم على احترام حقوق الإنسان، خصوصاً لجهة تركيز مفاهيم دولة القانون والتعاون الإقليمي القائم على أساس الاعتراف والاحترام المتبادلين".

 

تلخّص الفقرة السابقة منطق الإشادة بـ"التجربة اللبنانية"، إشادة كرّرها آلاف السياسيين والمفكرين اللبنانيين والعالميين وقدّموها كوصفة صالحة للمجتمعات العربية المتنوّعة التي تمرّ بمرحلة انتقالية. لا بل أن البعض يبالغ في هذه المسألة كما السفير البريطاني توم فليتشر الذي قال قبل أشهر إنه "إذا أثبتت تجربة التعايش نجاحها في لبنان، فإنها ستنسحب على بلدان العالم أجمع وليس على دول الإقليم فحسب".

 

ما هي التجربة اللبنانية؟ منذ تأسيس لبنان، وُلدت صيغة سياسية تقوم على تقسيم الأدوار بين الدولة والطوائف، بشكل يخلق سلطة مركزية هي الدولة المدنية إلى جانب سلطات غير رسمية هي سلطات الطوائف. وجد اللبنانيون طريقة تسمح لكل الطوائف بممارسة حرياتها الدينية ولكن الأهم هو أنها سمحت لها بالمشاركة في السلطة، بحسب أحجامها.

 

تساعد ثلاث مواد دستورية على فهم الصيغة اللبنانية الاجتماعية. فالمادة 9 تنص على أن الدولة "تكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها... وهي تضمن أيضاً للأهالي على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية". والمادة 10 تنص على أنه "لا يمكن أن تُمسّ حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصة". والمادة 19 تعطي "رؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً" حق الطعن أمام المجلس الدستوري بأي قانون "يتعلّق حصراً بالأحوال الشخصية".

 

أما بالنسبة لمشاركة الطوائف في السلطة، فتنص المادة 24 من الدستور على توزيع المقاعد النيابية "وفقاً للقواعد الآتية: أـ بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين؛ ب ـ نسبياً بين طوائف كل من الفئتين؛ ج ـ نسبياً بين المناطق". وتنص المادة 95 على أنه، إلى أن تُلغى الطائفية السياسية، "تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة".

 

وقد وضعت المادة 65 من الدستور قاعدة هامة جداً لمنع الهيمنة الطائفية. فبعد تأكيدها على إناطة السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، قالت أن المجلس "يتخذ قراراته توافقياً. فإذا تعذر ذلك فبالتصويت"، أي أن الأولوية هي لمحاولة التوافق. كما أكدت أن المواضيع الأساسية، وقد حدّدتها، "تحتاج إلى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها"، وبهذا تلغى إمكانية هيمنة المسلمين على المسيحيين أو العكس.

 

مأزق السيستام اللبناني

بسبب ما يمكن تسميته بالفيتو الممنوح للطوائف، يحدث أن يتعطّل السيستام اللبناني كما هو حاصل الآن حيث لم يتمكّن النوّاب من انتخاب رئيس للجمهورية ولم ينجحوا في الاتفاق على قانون انتخابي يرضي جميع القوى السياسية ـ الطائفية. كان من المفترض أن تجري الانتخابات في يونيو 2013، ولكنّ البرلمان مدّد لنفسه 17 شهراً ثم عاد ومدّد لنفسه حتى 20 يونيو 2017. وبما أن تركيبة السلطة اللبنانية تتضمّن ثلاثة رؤوس موزّعة على الطوائف الثلاثة الكبرى (رئيس الجمهورية ماروني ورئيس البرلمان شيعي ورئيس الحكومة سنّي)، فإن في هذا الفراغ تعدٍّ على الميثاقية.

 

عندما اتفق اللبنانيون على تمثيل كل الطوائف في البرلمان، قاموا بذلك منطلقين من نظرية لخّصها أحد واضعي الصيغة اللبنانية، ميشال شيحا، بقوله: "نتناقش في الداخل للحيلولة دون الصراع في الخارج". الآن ومع اعتبار بعض القوى السياسية أن تركيبة مجلس النواب الحالي لا تعكس حجمها الشعبي، بسبب قانون الانتخاب، لن يعود من مجال لسوى صراع في الخارج مع المتضرّرين.

 

يضاعف من هذا المأزق ارتباط الطوائف اللبنانية، بشكل أو بآخر، بمراكز قوى خارجية. تحاول كل طائفة استدراج الخارج إلى الداخل اللبناني لتعوّض بقوته بعض مكامن الخلل في عوامل قوّتها الداخلية. وهو ما يخلق "ثقافة انتظار الخارج" وانتظار "التسوية الإقليمية". ثقافة الانتظار هذه كان قد عبّر عنها رئيس الحكومة تمام سلام في كلمة قال فيها: "بلد مثل لبنان يتميز بالتنوع لا يمكن أن يتعافى إلا بإنتاج التسويات... للخارج دور كبير في العمل على إنجاح هذه التسويات" متأسياً على "انشغال القوى الخارجية بمواضيع أكثر خطورة وأولوية... وعدم تمكّنها من الأخذ بيدنا". يعكس تصريح سلام نظرة البعض إلى لبنان كطفل صغير يحتاج إلى الرعاية.

 

إضافة إلى الخلل في منظومة تداول السلطة، ينتج من واقع استعصاء النظام السياسي اللبناني على الديكتاتورية، بسبب طبيعة تركيبة المجتمع اللبناني ومشاركة كل القوى الاجتماعية الأساسية في السلطة، نوع من لامبالاة المواطنين تجاه تطوير هذا النظام، رغم أن الحالة الديمقراطية في هذا البلد الصغير تتراجع يوماً بعد يوم.

يمزج اللبنانيون، كما يفعل نظامهم السياسي، بين حقوقهم كأفراد وحقوق طوائفهم الجماعية ويعطون حقوق الطوائف الأولوية رغم أنها لا تنعكس بالضرورة على واقع حياتهم اليومية. كذلك تحرم المنظومة اللبنانية الأفراد غير الطائفيين من عدد كبير من الحقوق وتحدّ من طبيعة المطالب المسموح التفكير فيها.

 

دعوات للتغيير

أمام انسداد الأفق السياسي بوجه اللبنانيين، يُطرح موضوع تغيير النظام ولكن من باب رفض التغيير خوفاً من المجهول. أبرز مَن طرح هذا الموضوع أخيراً هو البطريرك الماروني بشارة الراعي حين قال: "يُحكى اليوم في مشروع مؤتمر تأسيسي، وبهذا إرادة لتغيير الميثاق، كما أن هناك آلية أخرى تستخدم وهي طرح المثالثة، أي سني ـ شيعي ـ مسيحي" مؤكداً رفضه لهذه الطروحات.

 

فكرة المثالثة هي فكرة تتأسس على التغيّرات الديموغرافية في لبنان. حين تأسس هذا الكيان كانت الغلبة الديموغرافية للمسيحيين فتمثلوا في البرلمان بنسبة 6 مسيحيين مقابل كل 5 مسلمين. وبعد الحرب، وتزامنت نهايتها مع تغيّر التركيبة السكانية للبنانيين، اتفق اللبنانيون، عام 1989 في "اتفاق الطائف" على المناصفة. الآن تغيّرت الديموغرافيا اللبنانية وصار المسيحيون يشكّلون فقط حوالى ثلث اللبنانيين.

 

أما فكرة "المؤتمر التأسيسي"، فيعتبر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أول من طرحها وذلك في خطاب ألقاه في الأول من يونيو 2012. لم يدعُ نصر الله إلى أكثر من "أن نقيم مؤتمر حوار وطني"، مضيفاً أنه "يمكن أن ننتخب مؤتمراً تاسيسياً، ليس على أساس طائفي بل على أساس شرائح ونسب مئوية، لديه مهلة 6 اشهر أو سنة، لمناقشة كل الخيارات". لم يضف أي تفصيل فاتحاً المجال للتأويلات.

 

في ما خصّ الراعي نفسه، فهو لا شك يدرك أن السيستام اللبناني معطّل. لقد سبق نصر الله في الدعوة إلى "وضع عقد إجتماعي جديد، على أساس الميثاق الوطني، قوامه صيغة إجرائية تعزز الديموقراطية والميثاقية في مجتمعنا التعددي" وذلك لاستكمال بناء الدولة التي تحمي الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية... وأيضاً لم يدخل الراعي في الكيف واكتفى بالعموميات، وهذا ما ترك المجال لتأويلات مختلفة.

 

الديمقراطية كضحيّة

تمام سلام يقول إن "اتفاق الطائف ليس كتاباً مقدساً وهو بالتأكيد يتضمن هفوات وثغرات" ولكن خيال اللبنانيين يعجز عن خلق بديل أفضل من الدستور الحالي. أمام هذا الواقع تتراجع حقوق الإنسان على أكثر من مستوى.

 

يطرح بعض المسيحيين انتخاب أبناء كل طائفة لممثليهم في البرلمان دون أن ينتبهوا إلى أن هذا الطرح يخلق لامساواة فاقعة بين المواطنين بحيث يصير صوت كل مسيحي مساوياً لصوتيْ مسلميْن. إلى ذلك، يتم التضييق على كل أنواع الإنتاج الفكري الذي يمسّ مشاعر إحدى الطوائف اللبنانية أكان كتاباً أو فيلماً... وأيضاً، يمتنع المواطنون عن خلق قوى اجتماعية تطالب بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية لأن أولويتهم هي حقوق الطوائف وصار هذا جزءاً من ثقافتهم بحيث نستطيع الحديث عن شعار "المواطن في خدمة الطائفة"، رغم أنه عملياً، ليست الطائفة سوى كيان وهمي وما حقوقها سوى حقوق سياسييها وشبكات زبائنيتهم.

 

بتمديديْه، ضاعف البرلمان اللبناني مدّة ولايته التشريعية لتصير 8 سنوات مخالفاً المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن "إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية"، ومخالفاً المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه لبنان، والتي تنص على أن "لكل مواطن... (الحق في) أن ينتخب ويُنتخب، في انتخابات نزيهة تجرى دورياً بالاقتراع العام... وتضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين". هذا الحق المنتهك تؤكد عليه المفوضية السامية لحقوق الإنسان باعتبارها أن دورية الانتخابات ضرورية لتمكين الناس من محاسبة ممثليهم وأنه يجب الحرص على احترام هذا المبدأ لتأمين إرساء السلطة الحكومية على أساس إرادة الناخبين.

 

للتجربة اللبنانية إيجابياتها وسلبياتها. يمكن للعرب أن يستفيدوا منها ليخلقوا صيغاً خاصة تمنح كل القوى الاجتماعية، طائفية أم قومية، حقوقها وتسمح لها بالمشاركة في السلطة ليتجاوزوا أنظمتهم الاستبدادية. ولكن يجب أن يقرأوها جيداً لعدم تكرار أخطائها ولعدم تحويل التوازن الحذر بين الجماعات إلى حجّة للتضييق على حريات المواطنين الأفراد.

كلمات مفتاحية
حقوق الإنسان لبنان

التعليقات

المقال التالي