عصر سقوط تماثيل طغاة العالم العربي

عصر سقوط تماثيل طغاة العالم العربي

تحوّلت لحظات تدمير تماثيل الطغاة إلى مجرد أحداث عابرة أو صور نتذكرها كدلالة على تغيير أنظمة، مثل سيطرة الولايات المتحدة على العراق، وإعلان قيام حكومات جديدة إبّان الربيع العربي. وغالباً ما انحرفت مظاهر التنفيس الجماعي عن الغضب من الإطار السياسي إلى الاحتفال بزوال تمثال الطاغية. ولكن ما الذي يتغيّر مع استئصال هذه النصب الرمزية من المشهد العام للأمة؟ أهو وعيها؟ ولأنّ التماثيل تلعب دورًا مهماً في تحديد هوية الأمة ومخيلتها، فإن ”تدنيس التماثيل يتخطى بمدلولاته تاريخ تحطيم الأيقونات”، والأجاسد المحطمة لهؤلاء الزعماء، المصنوعة من الحجر والبرونز، تحظى بحياة أخرى بعدها.

تخصّص حديقة ميمينتو في المجر موقعًا لتماثيل الطغاة المحطّمة، حيث باستطاعة الزوّار التعرف إلى تماثيل تعود إلى أيام الحكم الشيوعي منذ أربعة عقود. في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم تأخذ التماثيل في مرحلة ما بعد تدميرها الأهمية ذاتها التي حظيت بها لحظة التدمير. بات من الواضح اليوم أنه عبر متابعة مصير أي تمثال، ليس في لحظات إسقاطه الدرامية فحسب، بل في مسيرته الوجودية، يمكن متابعة التطور السياسي لأمة.

اعلان


صدّام حسين

سقوط تماثيل طغاة العالم العربي - حسني المبارك

في 9 أبريل 2003، لدى دخول القوات الأمريكية إلى بغداد بعد أسابيع على عملية "تحرير العراق"، تصدرت نشرات الأخبار صور الحشود في ساحة الفردوس وهم يرمون الأحذية على تمثال صدام حسين البرونزي، يتبعها مشهد رجلٍ يضرب بمطرقته القاعدة الإسمنتية للتمثال قبل أن تدمرّه قوات المارينز بآليةٍ عسكرية مصفّحة. قبل لحظة التدمير، اعتلى جندي أمريكي التمثال ووضع علم الولايات المتحدة على وجه صدّام ليخلعه فجأةً ويستبدله بالعلم العراقي.

اليوم، تعتبر لحظة إسقاط تمثال صدام حسين موضع جدل، فالبعض يؤمن أن عملية الإسقاط كانت عملًا مخططًا له مسبقًا، تولّتها وحدة العمليات النفسية في الجيش الأمريكي، فيما يجزم البعض الآخر أنّ تراكم أحداث غير مخطط لها هو ما سرّع في إسقاط التمثال. الغزو الأمريكي للعراق كان منذ البداية لعبة إعلامية بامتياز، وساهم قرب موقع التمثال من فندق فلسطين الذي كان مركز إقامة الصحافيين الأجانب، في تكريس هذه الفكرة، إذ أتاح نقل صورة مباشرة لإسقاط التمثال إلى كل أنحاء العالم. المسؤولون الأمريكيون كانوا سريعين جداً في اختيار الصور المناسبة من ساحة الفردوس. بعد إسقاط التمثال بدقائق، صرّح وزير الدفاع الأمريكي آنذاك Donald Rumsfeld للصحافة: “مشاهد العراقيين الذين يحتفلون في الشوارع ويصعدون إلى الدبابات الأمريكية ويسقطون تماثيل صدام حسين في وسط بغداد تحبس الأنفاس. عندما تراهم لا يمكنك إلا أن تفكر في سقوط جدار برلين وانهيار الستار الحديدي. إننا ننظر إلى التاريخ وهو يكتب”.

في أغسطس 2004، نشرت صحيفة لوس أنجلس تايمز مقالًا موضوعه ضلوع الجيش الأمريكي في عملية إسقاط تمثال صدّام، إذ ذكر المقال أنّ كولونيل في قوات المارينز ومجموعة من العراقيين المندفعين بادروا إلى إسقاطه. يقول الرقيب Brian Plesch من وحدة العمليات النفسية في الجيش الأمريكي إن رفع العلم الأمريكي على تمثال صدّام كان مفاجئاً: "لم نكن نريد أن نظهر كقوات محتلّة، لقد كان بعض العراقيين يطالبون بنزع العلم الأمريكي واستبداله بالعلم العراقي". وبالفعل تولى الرقيب ذلك، ولكنه حصل على النسخة الخطأ منه، التي تعود إلى ما قبل العام 1991 وينقصها شعار الله أكبر في الوسط. انتقد لاحقًا الجيش الأميركي في دراسة أجراها حول الحرب في العراق جهود وحدة العمليات النفسية، معتبراً أنها تعمدت خلق صورة لا تنسى عن الغزو الأمريكي للعراق.

لم يقتصر التعليق على لحظة إسقاط التمثال على مقال لوس أنجلس تايمز. فقد أشارت مقالات اخرى إلى أنّ الإسقاط كان مخططًا له لإبراز نصر الولايات المتحدة وفرحة الشعب العراقي وانتهاء الحرب. في العام 2004، وفي وثائقي بعنوان "غرفة التحكم" اعتبر صحافيون من قناة الجزيرة أنّ لحظة الإسقاط كانت أشبه “بعرض مشوق... وفكرة ذكية جداً”، فقد تمّ إحضار العراقيين إلى الساحة كما يجري إحضار الممثلين إلى موقع التصوير.

يزعم البعض أن المارينز اكتفوا بمساعدة العراقيين الذين تجمّعوا حول التمثال لإسقاطه، وقرّروا تسريع العملية عبر استخدام الآليات العسكرية التي جُهزت بسلاسل معدنية. بهذه النسخة من الرواية، يظهر العراقيون على أنّهم أصحاب المبادرة، فهم الذين تسلقوا أعلى التمثال ووضعوا حلقة الشنق حول رقبة صدّام، لكن التمثال بقي معانداً على السقوط فتدخلت قوات المارينز بالآليات لتسهيل العملية. قبل سقوط التمثال بشكلٍ كامل، قفز بعض العراقيين عليه وشتموه وضربوه بالأحذية. في الواقع، لم يكن هناك إلّا مجموعة صغيرة من العراقيين في الساحة وقتذاك، أمّا الباقي فكانوا إما عناصر من الجيش الأمريكي أو صحافيين، على الرغم من أن الصور الإعلامية حاولت إظهار عكس ذلك.

صورة رفع العلم الأمريكي على تمثال صدام قد تكون عصية على النسيان، فقد ضجّت الصحافة العربية بها، واصفةً الجيش الأمريكي بالتباهي بالنصر. وعند انتشار خبر وجود العلم الأمريكي في البنتاغون في 11 سبتمبر، ظهرت نظريات تزعم أنّ العلم كان قد نقل خصيصًا إلى ساحة الفردوس بناءً على طلب البيت الأبيض.

بالطبع لم يكن ذلك التمثال في ساحة الفردوس الوحيد لصدّام، بل كان هناك الكثير وكلّها لاقت المصير ذاته. اليوم، بعض منها ما هو إلا أجزاء، والبعض الآخر يحفظ في المتاحف، أمّا الباقي فقد تم بيعه في المزاد عبر الإنترنت. لم يتصوّر خالد عزّت، نحّات تمثال ساحة الفردوس، أن يلقى عمله هذا المصير. قال: "توقعت أنه سيتمّ إزالة هذه التماثيل عند انهيار النظام ولكنني ظننت أنها ستحفظ في متحف على الأقل". تم تدمير التمثال ولكن أجزاءً منه تظهر في الأخبار من حينٍ إلى أخر. يرفض رجل بريطاني غنم قطعة برونزية من التمثال إعادتها إلى الحكومة العراقية، فهو يزعم أنّه حوّل هذه القطعة تحفةً فنية.

حافظ الأسد

سقوط تماثيل طغاة العالم العربي - حافظ الأسد

في مارس 2013 استولت الجماعات التي تحارب نظام الرئيس بشّار الأسد على مدينة الرقّة وأسقطت تمثال حافظ الأسد البرونزي. أظهرت مقاطع الفيديو مجموعة من الأولاد يتسلقون التمثال في ساحة الرّقة ويربطون حبلًا حول عنقه، بينما يتوجّه أحد هؤلاء في الفيديو إلى التمثال بعبارات نابية مناهضة لحكم حافظ الأسد الذي دام من العام 1971 إلى العام 2000. ضرب السوريون التمثال الذي سقط إلى جانب سبيل مياه بالأحذية والأحزمة والفؤوس، أمّا البعض الآخر فأطلق النار عليه. يقول ناشطون إنّ انفجارًا دوّى في ساحة الرّقة بعد دقائق على بث شريط الفيديو، وقتل العديد من الموجودين في الساحة. اليوم، يمكن مشاهدة التمثال مشوهًا برسومٍ وعبارات، منها "غدًا سيكون أفضل".

معمّر القذافي

سقوط تماثيل طغاة العالم العربي - معمر القذافي

في 23 أغسطس 2011 اقتحم المقاتلون مجمّع القذافي في باب العزيزيّة، ورفعوا علمهم فيه وقطعوا رأس تمثال القذافي أثناء احتفالهم. علمًا أنهم لم يكونوا قد عثروا على القذافي بعد، إلّا أنّ ما حصل كان بمثابة نهاية رمزية لحكم الطاغية الذي دام 42 عامًا. امتلأت شوارع طرابلس بالمبتهجين الذين أطلقوا الأعيرة النارية احتفالاً بخبر سيطرة المقاتلين على مجمع القذافي.

أظهرت مقاطع الفيديو المقاتلين وهم يقطعون رأس أحد تماثيل القذافي ويبصقون عليه ويركلونه. ثمّ تسلقوا أعلى تمثال ضخم لقبضة تمسك بطائرة وحاولوا تحطيمه. عندما قصف Reagan مجمع القذافي في العام 1986 قرر القذافي بناء هذا التمثال الذهبي ليكون بمثابة وعد بالانتقام من الولايات المتحدة الأمريكية على هذا الاعتداء.

تم نقل تمثال القبضة التي تسحق الطائرة إلى مصراتة التي عاشت ثلاثة أشهر من حصار قوات القذافي. لاحقًا، انتقل بعض العائلات للسكن داخل مجمع باب العزيزية، علمًا أنّ السلطات المحلية رغبت في تحويله حديقة.

وبينما نزعت صور القذافي عن جدران طرابلس وأعمدة الإنارة، بقي تمثال له في بوركينا فاسو خلال ثورتها سليمًا، مع أنّه كان إلى جانب تمثال الرئيس السابق كومباوري الذي هدم. يعود سبب عدم لمس تمثال القذافي هناك إلى علاقات القذافي الطيبة بالزعيم السابق توماس سانكارا، ودعمه الاقتصادي للبلاد.

حسني مبارك

سقوط تماثيل طغاة العالم العربي - حسني مبارك

في أغسطس 2011، تم تشويه تمثال عملاق للرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، على مشارف القاهرة، في مدينة 6 أكتوبر. حدث ذلك قبل يوم من مثول مبارك، ورئيس جهاز الأمن التابع له و6 من كبار رجال الشرطة أمام المحكمة بتهمة استخدام القوة لمواجهة المتظاهرين خلال ثورة 25 يناير، وهذا ما أدّى إلى مقتل ما يقارب 850 متظاهراً. في التمثال نفسه، يمكن رؤية وجوه الحائز جائزة نوبل في الكيمياء أحمد زويل، والرئيس المصري الراحل أنور السادات، والحائز جائزة نوبل في الآداب نجيب محفوظ.

جمال عبد الناصر

سقوط تماثيل طغاة العالم العربي - جمال عبد الناصر

في 12 فبراير 2012، دمّر الثوار الليبيون تمثالاً كبيراً للرئيس المصري السابق جمال عبدالناصر في مدينة بنغازي. وكان القذافي قد شيّد هذا التمثال تكريمًا لرمز القومية العربية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، فقد كان يعتبره، كما وصفه أكثر من مرة، أخاً أكبر له ومثاله في العروبة. كان التمثال موجودًا في شارع يعرف بشارع جمال عبدالناصر. تغيّر اسم الشارع اليوم لعبدالفتاح يونس، الذي كان وزير الداخلية السابق في نظام القذافي قبل أن ينشق وينضم للثوار.

نشر الموضوع على الموقع في 30.01.2015

التعليقات

المقال التالي