الإسلام والتماثيل، بين محمد عبده وأبي بكر البغدادي

الإسلام والتماثيل، بين محمد عبده وأبي بكر البغدادي

لم تكن مصادفة اختيار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يوم 26 فبراير لنشر شريط الفيديو الخاص بمحو جزء غالٍ من الإرث الحضاري في العراق، من خلال تدمير تماثيل متحف الموصل. التوقيت بدا في منتهى الرمزية، ففي اليوم نفسه من العام 2001، كان زعيم حركة طالبان الملا محمد عمر قد أصدر أمره الشهير بمحو كل الآثار غير الاسلامية في أفغانستان.

الجريمة الجديدة بحق الإرث الحضاري وثّقها تنظيم داعش في شريط مصوّر يبين تدمير الآثار القديمة في متحف مدينة الموصل، حيث يظهر عناصره وهم يهدمون تماثيل ضخمة باستخدام المطارق وأدوات الحفر. ومن بين ما دمروه تماثيل لآلهة تعود إلى حضارات بلاد الرافدين وتمثال للثور الآشوري المجنح داخل المتحف يعود تاريخه إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وآخر منتصب في "بوابة نركال" الأثرية.

 

ولعل ما تضمنه الشريط المسجل من رسائل يعكس الطريقة التي "يفكّر" فيها هذا التنظيم إن من حيث القول إنّ "هذه أصنام وأوثان لأقوام في القرون السابقة كانت تُعبد من دون الله"، وإنّ "ما يسمى بالآشوريين والأكّاديين وغيرهم كانوا يتخذون آلهة للمطر وآلهة للزرع وأخرى للحرب يشركون بها بالله ويتقربون إليها بشتى أنواع القرابين"، أو في التبخيس من قيمة تلك الآثار التي "هان علينا تحطيمها وإن كانت بمليارات الدولارات".

"سائح بصير" في صقلية

قبل الجريمة الداعشية المذكورة بقرنٍ وعقد، تحديداً في شهر مارس 1904، كتب مفتي الديار المصرية آنذاك الإمام محمد عبده، باسمه المستعار "سائح بصير"، مقالاً في مجلة "المنار" التي كان يصدرها محمد رشيد رضا، عن زيارة قام بها لجزيرة صقلية، وقد جاء فيه: "لا تبخس أهل سيسليا (صقلية) حقهم، فإنّهم فهموا مسألة لا بأس بفهمها، وأظنهم عرفوا ذلك من إخوانهم أهل شمالي إيطاليا وبقية الأوروبيين، وهي المحافظة على الآثار القديمة والجديدة".

لم يخفِ الامام محمد عبده إعجابه بظاهرة اهتمام الصقليين بالآثار، لا بل استفاض في الكتابة عن مشاهداته، مشيداً بحرص هؤلاء القوم على حفظ الصور المرسومة على الورق والنسيج وكذلك التماثيل.

وفي معرض تفسيره لهذا "الحرص الغريب"، كتب الإمام محمد عبده: "إذا كنت تدري السبب في حفظ سلفك للشعر، وضبطه في دواوينه، والمبالغة في تحريره، خصوصاً شعر الجاهلية، وما عني الأوائل - رحمهم الله - بجمعه وترتيبه، أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذي يُرى ولا يُسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يُسمع ولا يُرى".

وعلى أثر ذلك، انطلق الإمام محمد عبده في الحديث عن "حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية"، و"هل هذا حرام أو جائز أو مكروه أو مندوب أو واجب؟"، فقال: "إنّ الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان، فإما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع سؤالاً إلى المفتي وهو يجيبك مشافهة".

واستطرد: "إذا أوردت عليه (المفتي، وهو نفسه كاتب المقال) حديث: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصوّرون، أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك: إن الحديث جاء في أيام الوثنية، وكانت الصور تتخذ في ذلك العهد لسببين: الأول اللهو، والثاني التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين. والأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه. والمصور في الحالين شاغل عن الله، أو ممهد للإشراك به، فإذا زال هذان العارضان وقصدت الفائدة كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات".

وأضاف مفتي الديار المصرية: "يغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرّم وسيلة من أفضل وسائل العلم، بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين لا من جهة العقيدة ولا من وجهة العمل".

فتوى قطَرية

إما لم يقرأ أمراء داعش الشرعيون ما كتبه الإمام محمد عبده، أو قرأوه واعتبروه "انحرافاً" يستوجب "تكفير" صاحبه، خصوصاً أن في جعبتهم ما يكفي من الفتاوى المتشددة لتبرير جرائمهم بحق البشر والحجر على السواء.

ومن هذه الفتاوى التي يطبّقها داعش تلقائياً في سعيه لمحو الإرث الحضاري، واحدة نشرها موقع "إسلام ويب"، التابع لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف القطرية، في التاسع عشر من مارس 2001، بعنوان "وجوب إزالة الأصنام".

يومذاك، كانت أفغانستان تشهد نكبة حضارية شبيهة بنكبة الموصل حين تحدّت حكومة "طالبان" العالم بأسره - بما في ذلك وسطاء "منظمة التعاون الإسلامي" - ونفذت تهديدها بهدم تمثال بوذا في باتيام.

ما جاء في الفتوى القطرية يبدو مثيراً للاهتمام، خصوصاً أنها ربما كانت الرأي الديني (الرسمي) الوحيد الذي برر الجريمة "الطالبانية". الفتوى القطرية كانت جازمة في أن "الأدلة الشرعية دلت على وجوب هدم الأوثان والأصنام، متى تمكن المسلمون من ‏ذلك، سواء وجد من يعبدها أو لم يوجد".

ومما اوردته تلك الفتوى من "أدلة شرعية" في هذا الإطار "ما رواه مسلم عن عمرو بن عبسة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: وبأي شيء ‏أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك ‏به شيء"، و"ما رواه مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك ‏على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ‏ولا قبراً مشرفاً إلا سويته"، وكذلك قول النبي محمد "أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون"، وقوله: "الذين يصنعون ‏الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم"، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يخلص منها صاحب الفتوى إلى أن "التعلل بكون هذه التماثيل من التراث الإنساني كلام ساقط لا يلتفت إليه"، وأنها "تراث محرّم يجب إزالته".

"ما يُعبد دون الله"

بين ما كتبه محمد عبده في عام 1904، وبين الفتوى القطرية الصادرة في عام 2001، ثمة من سعى إلى ايجاد حل وسط بين الرأيين.

وفي خضم الجدل حول هدم طالبان لتمثال بوذا باميان، ظهر المفكر الإسلامي محمد سليم العوا، في برنامج "الشريعة والحياة" عبر قناة "الجزيرة"، ليستشهد بما افتى به القاضي عياض في شأن الأحاديث المتضمنة وعيداً شديداً للمصورين أو صناع التماثيل، فقال إن "هذا الوعيد على واحد من ثلاثة أشياء أو عليها إذا اجتمعت: إما على صنع التماثيل من أجل العبادة، فهذا محرم لأنه سبيل إلى الوثنية، أو على صنع التماثيل من أجل تعظيمها، كما نصنع تماثيل المعظمين من الناس، ونضعها في الميادين، وإما على صنع التماثيل لمضاهاة خلق الله".

لكن أصحاب الفتاوى المتشددة لا يوافقون إطلاقاً على ما قاله القاضي عياض وغيره من العلماء المسلمين، حتى أكثرهم مغالاة. وهذا ما ترد عليه الفتوى القطرية الآنفة الذكر باستحضار حديث نبوي رواه الترمذي وابو داود عن أبي هريرة: "قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: أتاني جبريل فقال: كنت أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت ‏عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في ‏البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُرْ برأس التمثال الذي بالباب ‏فليقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر فليقطع ويجعل منه وسادتين منتبذتين ‏توطآن، ومُرْ بالكلب فليخرج. ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وعلى هذا المنوال، أفتى القيادي في "الدعوة السلفية" في مصر مرجان الجوهري بهدم الأهرام وتحطيم أبو الهول، في مقابلة تلفزيونية عبر قناة "دريم"، باعتبار ان "كل صنم أو تمثال أو وثن يعبد أو يُخشى أن يعبد ولو من فرد واحد في العالم، يجب أن يحطم وهذا واجب على من يمتلك القرار''.

 

الصحابة والأصنام: جدل تاريخي

ومن أبرز التساؤلات التي أثيرت بعد هدم داعش لتماثيل متحف الموصل: لماذا لم يقم الصحابة، ومن تلاهم في "الخلافة"، بهدم التماثيل في البلاد التي فتحوها، ومن بينها العراق ومصر؟

وفي معرض ردّه على دعوة الجوهري إلى هدم التماثيل الفرعونية، تساءل القيادي التاريخي في "حركة النهضة" التونسية عبد الفتاح مورو، خلال المقابلة ذاتها: "هل سيدنا عمرو بن العاص رضى الله عنه حينما جاء إلى مصر قام بتحطيم التماثيل؟".

الملاحظة ذاتها كان قد أشار اليها العوا، في المقابلة المذكورة سابقاً، حين أشار إلى أن "فكرة هدم ما كان سابقاً فكرة غير إسلامية"، وأن "المسلمين دخلوا بلاد الدنيا كلها، ووجدوا فيها التماثيل والأصنام والأوثان ولم يمسوها بسوء، لأن هذه التماثيل أو الأصنام أو الأوثان دليل على عظمة الإسلام ورقيه وسموه وارتفاعه بالآدميين من عبادة الأوثان التي يصنعونها بأيدهم إلى عبادة الله الواحد القهار".

ولكن يبدو أن ثمة جواباً حاضراً لدى اصحاب الفتاوى المتشددة للرد على هذه الآراء. ومن بين هؤلاء الداعية الكويتي ابراهيم الكندري الذي قال، بعد جريمة الموصل، إن "إزالة الأصنام والأوثان ضرورة شرعية"، وإن "التعلل بأن الصحابة دخلوا مصر ولم يحطموا الأهرامات وأبا الهول لا يجوز لأن التماثيل الفرعونية كانت مدفونة تحت الأرض ولم تخرج وتظهر إلا في القرون المتأخرة".

وبدا أن مخرج أفلام داعش كان حريصاً على إظهار فكرة أن التماثيل كانت مدفونة تحت الأرض، وهو ما يتبدّى في الشريط المصوّر الذي يظهر صورة قديمة لأحد التماثيل التي جرى تحطيمها مدفونة تحت التراب، ومرفقة بتعليق: "هذه التماثيل لم تكن ظاهرة في عهد الرسول والصحابة بل استخرجها عباد الشياطين".

تردد "المعتدلين"

في السادس من مارس، قال الأزهر كلمته، بعد طول انتظار: "ما يقوم به تنظيم داعش الإرهابي من تدميرٍ وهدمٍ للآثار بالمناطق الخاضعة لنفوذه بالعراق وسوريا وليبيا بدعوى أنها أصنام، يعد جريمةً كبرى في حق العالم بأسره".

وأضاف الأزهر أن "تدمير التراث الحضاري أمر محرم شرعاً، ومرفوض جملة وتفصيلاً، وكذلك التعامل بالتهريب والبيع والشراء للآثار"، وأن "الآثار من القيم التاريخية والإنسانية التي ينبغي عدم مسها بسوء، وهي إرث إنساني يجب الحفاظ عليه، ولا يجوز الاقتراب منه أبداً".

وبالرغم من أن كثيرين نظروا إلى بيان الأزهر بإيجابية، فقد لاحظ  آخرون أن ما صدر عن أهم مرجعية في العالم الاسلامي لا يرقى إلى درجة الفتوى التي من شأنها أن تحسم التناقض حتى داخل المعسكر الفقهي المعتدل.

وسام متّى

صحافي لبناني، يحمل إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية، متخصص في الشؤون العربية والدولية والحركات الإسلامية.

التعليقات

المقال التالي