أمريكيون في ميليشيات مسيحية عراقية لمقاتلة داعش

أمريكيون في ميليشيات مسيحية عراقية لمقاتلة داعش

في قرية تلسقف القريبة من قرية قره قوش التابعة لمدينة الموصل (شمالي العراق)، يحاول بريت فايس ورفاقه الأمريكيون مساندة المسلحين المسيحيين الذين يقاتلون تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، بعد تهجيره الآلاف منهم إلى بلدات أخرى عند دخوله المدينة في 10 يونيو 2014.

عناصر الميليشيا المسيحية الأشورية التي التحق بصفوفها متطوعون أمريكيون، يبدأون قتالهم مع داعش في أغلب الأوقات بعد غروب الشمس، عندما يحاول التنظيم اجتياح مقارّهم وأماكن وجودهم. لا مقارنة بين سلاح الطرفين، فداعش يمتلك سلاحاً متطوراً، أما المدافعون عن أرضهم فسلاحهم أغلبه من السلاح الروسي الذي استورده العراق قبل عام 2003.

اعلان


ولأول مرة في تاريخها خلت مدينة الموصل بعد 19 يونيو 2014 من المسيحيين العراقيين، في أكبر عملية نزوح لأبناء هذه الديانة بعد الحرب العالمية الثانية. وعقب نزوحهم من بلداتهم شمالي العراق، عُرض عليهم الهجرة إلى فرنسا، وأعلن وزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس استعداد بلاده لاستقبالهم، لكن هذه الدعوة لم تلقَ ترحيباً من رئيس كتلة الرافدين (المسيحية) في مجلس النواب العراقي يونادم كنا، الذي وصف تلك الدعوات بـ"الأجندات الخارجية الساعية لإفراغ العراق من المسيحيين".

"الدمار والحرب وقتل الابرياء وتهجير الأقليات، كل هذه الأسباب دفعتني للقتال في العراق"، قال لرصيف22 بريت فايس، الذي جاء من الولايات المتحدة الأمريكية للقتال في صفوف الميليشيات المسيحية. ويضيف فايس إن "القتال مع الأبرياء والدفاع عنهم، يُشكل محطة أساسية في حياتي. فأنا بحاجة إلى السمو أكثر في الدفاع عن الإنسانية".

IRAQ-KURDS-US-CONFLICT-CHRISTIANS

بريت فايس - أ ف ب

رحلة فايس من بلاده إلى أربيل وصولاً إلى قرية تلسقف كانت ملأى بالأمل والأمنيات في تحقيق شيء يمكنه أن يساعد النساء والأطفال على الخلاص من "وباء اسمه داعش". وقال فايس: "نحن نساند الأصدقاء المسيحيين في الدفاع عن أرضهم. هناك من يريد أن يخلق فجوة بين بني البشر عندما يقول إننا لن نتمكن من الوصول إلى العراق للدفاع عن هؤلاء الأبرياء".

يعتمد المقاتلون الأمريكيون على أموالهم الخاصة طوال فترة إقامتهم في العراق. هم خمسة  مع الفصيل المسيحي المسلح، لكنهم شكلوا دافعاً معنوياً لهؤلاء المقاتلين المسيحيين. "وجودهم بيننا منحنا دافعاً كبيراً من أجل القتال. قدومهم من دول أخرى يؤكد لنا أن العالم يرفض الارهاب"، يقول لرصيف 22 رامي بولص، أحد المقاتلين الأشوريين.

أما جون ويليامس الذي وصل إلى العراق بعد فايس بأسابيع، فيرى أن "كل الحروب التي تشنها العصابات الارهابية ضد الأبرياء يجب أن تدفع الجميع للذهاب إلى ذلك المكان، لأن الإنسانية لا تقف عند حدود أو عند قومية أو جنسية أو دين".

ينوي ويليامس الزواج بشابة مسيحية بعد الانتهاء من القتال. "كل شيء في العراق يدفعني إلى الدفاع عنه، الناس هنا أبرياء، مناخهم جميل، السير بين الأشجار في شمال العراق يعطيك راحة نفسية كبيرة"، قال لرصيف22.

سلاح الكلاشنكوف الذي يحمله ويليامس، أهداه إليه رامي، عندما وصل إلى القرية، فالمتطوع الأمريكي ترك عمله في إحدى الشركات الأمريكية وفضل الذهاب إلى العراق للقتال مع الميليشيات المسيحية. "كل رصاصة أطلقها على العصابات الارهابية تُشعرني بسعادة وفخر"، قال ابن الـ42 عاماً.

أما رامي بولص فقد ترك دراسته في جامعة الموصل، بعد أحداث العاشر من يونيو 2014. وقال إنه لم يعد يرى أي شيء مهماً سوى إعادة الأطفال للعب في شوارع البلدة. وهو أيضاً يبحث عن حبيبته التي نزحت من حي الوحدة في الموصل، بعد يومين من سيطرة داعش على المدينة، وانقطع الاتصال بها.

يتناول رامي وجبة الفطور يومياً مع فايس ورفاقه، على جذع شجرة اقتطعته إحدى القذائف. وعن علاقته بالمقاتلين الأمريكيين قال: "كل ما يجمعنا الآن هو الإنسان والدفاع عن قضيتنا. سننتهي من الحرب مع داعش وستستمر علاقتنا".

والمسيحيون العراقيون يعيشون منذ مئات السنين في بلدات شمالي العراق، قبل أن يهجروا منها أخيراً. ولم تكن البلدات التي يسكنونها مكاناً للعيش والترفيه فقط، بل كانوا يحصلون على قوتهم منها، من خلال صناعة الخمر والحلويات والراشي. أما الآن فلم تعد كل تلك الأشياء موجودة. رُفعت الرايات السود فوق المنازل والكنائس هناك.

يشكو المقاتلون في الميليشيات المسيحية من قلة السلاح، فهم لم يجدوا أي رافد أو مصدر يمدهم به، سوى الاعتماد على ما كانوا يخبئونه في منازلهم. "نحن بحاجة إلى السلاح والذخيرة"، يقول لرصيف22 خديدا عمانوئيل وهو قائد سرية مقاتلين أشوريين.

عمانوئيل الذي كان يعمل في صناعة الخمور في ناحية بعشيقة (12 كم عن مدينة الموصل)، أرسل عائلته إلى اقليم كردستان العراق، ثم عاد وانضم إلى صفوف المقاتلين ضد داعش. يشكو قائد السرية من قلة التسليح وعدم وجود دعم حكومي عراقي للعناصر المقاتلة، لكنه يشيد بالتنسيق الذي يشكله مقاتلوه مع عناصر البيشمركة الكردية.

عدد كبير من المقاتلين المسيحيين لم يتدربوا سابقاً على السلاح، وربما لم يلمسوا السلاح أساساً. لطالما عرف عن الأشوريين حبهم للسلم حتى للذين يعتدون عليهم، لكن فايس ورفاقه دربوهم بشكل سطحي على كيفية استخدام السلاح وخوض حرب الشوارع. وعن نفسه، قال فايس: "تدربت سابقاً على القتال مع أصدقاء في أمريكا، ومنحتني أفلام الأكشن وعياً أكثر في كيفية القتال".

لا يقتصر دور المقاتلين المسيحيين والأمريكيين على القتال فقط، بل استطاعوا لعب دور إنساني من خلال نقل المساعدات الطبية والغذائية إلى أبناء ديانتهم النازحين في مدن وقرى أخرى.

ويرى المقاتلون الأشوريون أن "السواتر التي نصبت على حدود قرية تلسقف ستُزال بعد طرد داعش من القرى الأخرى"، لكنهم يؤكدون أنه "لن يكون كل شيء على ما يرام إذا لم تعد أجراس الكنائس إلى دقاتها المعهودة".

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي