الربيع العربي ونظريّات نهاية الزمان عند الشيعة

الربيع العربي ونظريّات نهاية الزمان عند الشيعة

ما إن سقط الرئيس التونسي زين العابدين بن علي حتى اشتعل الجدل الشيعي التاريخي حول فكرة المهدويّة. فعلى الرغم من أن هذا الجدل الفقهي السياسي السيكولوجي لم يتوقف داخل البيت الشيعي منذ أكثر من ألف سنة، فإن حدّته كانت ولا تزال ترتبط بالأحداث الكبرى.

تونس، مصر والوعد الالهيّ

اعلان


مع بدايات الحراك العربي ظهرت إلى العلن تفسيرات شيعيّة ماورائية للأحداث. فمنذ أن أطلق السيد علي الخامنئي وصف الصحوة الإسلامية على الحراك الثوري في تونس ومصر، انبرى مسؤولون إيرانيون للتأكيد أن ما يجري هو تحقّق لوعد مؤسس الجمهورية الإمام الخميني بقيام حكومة الإمام المهدي العالمية، معتبرين أن ما تشهده المنطقة العربية وُلد من رحم الثورة الإيرانية التي عليها أن تكون القائدة لهذا التغيير. كان الإمام الخميني قد أعاد، بعد مئات السنين من سقوط الدولة الصفويّة، تنشيط ذاكرة الشيعة الجماعية وأحيا الوعي الشيعي الانتظاري، وذلك مع تأسيسه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

من هذه الأجواء، خرج حجة الإسلام الشيخ مصطفى باقري، وهو إمام جمعة مدينة يناب شمال إيران، ليقول إن التحوّل التاريخي الذي أحدثته الثورة التونسية هو من مقدّمات ظهور الإمام المهدي. كما اعتبر رئيس مجلس الشورى الإيراني، علي لاريجاني، أن الثورة المصرية دليلٌ على تنفيذ الوعد الإلهي. أمّا الرئيس أحمدي نجاد الذي اتُهم طوال فترة عهده، من قِبل المحافظين والإصلاحيين على حد سواء، برسم سياساته بناء على معتقداته الغيبية، فقد اعتبر أن "التحرك الأخير بدأ، وأنّنا في وسط ثورة عالمية يقودها الإمام المهدي".

خارج إيران، اعتبر النائب الكويتي الشيعي عدنان عبد الصمد أن تزامن انتصار الثورة المصرية، في 11 يناير، مع ذكرى انتصار الثورة الإيرانية تقديرٌ إلهيّ. هذا في وقت انبرى علماء عراقيون عدّة للحديث عن إرهاصات الظهور. ضجّت بعض المواقع الإلكترونية الشيعية بالحديث المروي عن إمامهم السادس، جعفر الصادق، والذي يقول فيه: "وإذا خلعت العرب أعنتها خرج صاحب هذا الأمر"، مفسرين مفردة أعنتها بحكّامها.

ما هي المهدويّة؟

المهدوية هي فكرة تدور حول ظهور الإمام الثاني عشر للشيعة، المهدي، الذي "سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً". وللظهور، بحسب الروايات الشيعية المنسوبة إلى أئمتهم، حركته التي يمتدّ محورها من سوريا إلى العراق فإيران ومكة. تتحدّث الروايات عن مؤشرات وعلامات تدلّ على الظهور. تختصر المؤشرات بوجود الأنصار المخلصين أو الدولة الممهدة. أما العلامات، وهي مثار أخذ وردّ بين الشيعة، فتنقسم إلى قسمين:

1- علامات حتمية متفق عليها بين أغلب فقهائهم وإن اختلفوا على خصائصها أو شكلها، وهي خمس:

ظهور السفياني: قائد حركة عسكرية كبيرة يرفع راية الضلال ويخرج من "الوادي اليابس"، أي من منطقة درعا السورية بحسب بعض التفسيرات، ويحكم سوريا والعراق.

ظهور اليماني: قائد حركة عسكرية مؤمنة، "رايته أهدى الرايات" ويخرج إمّا من اليمن أو أن نسبه يعود إلى اليمن.

خسف البيداء: تخسف البيداء بجيش السفياني في الصحراء وتبتلع مقاتليه.

قتل النفس الزكية: يقتل إنسان مؤمن ربانيّ في مكة.

الصيحة الآتية من السماء: يصدر نداء سماويّ يسمعه كل أهل الأرض ويدعو إلى نصرة المهديّ.

ظهور السفياني يترافق مع ظهور شخصية أخرى هي الخراسانيّ، وهو صاحب راية قياديةّ مؤمنة يخرج من خراسان في إيران ويتصدّى للسفياني في العراق وقد عدّه البعض علامة سادسة.

2- علامات غير حتميةّ وغير مؤكدة الحدوث وهي بالعشرات (خلع العرب أعنتها، نزول الترك الجزيرة أي العراق، نزول الروم الرملة أي فلسطين، الانحلال الإخلاقي والديني...).

هذا وقد اتفقت أغلبية الشيعة على أن توقيت الظهور هو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وما للشرائط والعلامات إلّا الدلالة فقط، "فقد كذب الوقّاتون".

الخروج قريب جداً

في المحطات المفصلية للحياة السياسية يكثر الحديث عن قرب الظهور كما حصل مع وصول أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة في إيران سنة 2005 ومواجهته للغرب. وكما حصل بعد حرب تموز سنة 2006 في لبنان التي وصفت بأنّها "انتصار إلهي".

بعد الثورة المصرية بشهرين تقريباً، قامت مؤسسة "مبشران ظهور" بإخراج وثائقي حمل عنوان "الخروج قريب جداً" ووزعت حوالى 3 ملايين نسخة عنه داخل إيران. استفادت المؤسسة من انتعاش الخطاب المهدوي على إيقاع الحراك العربي ومن شخصية نجاد الذي كان يعتبر وصوله إلى الرئاسة أمراً إلهياً. أسقط الفيلم العلامات المهدوية على الأشخاص الحاليين، فقال إن السيد الخامنئي هو الخراساني مستنداً إلى بعض الأحاديث التي تتطرق إلى صفات الخراسانيّ الجسديّة، وإن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله هو اليماني مرجعاً نسبه إلى اليمن، وإن أحمدي نجاد هو شعيب بن صالح قائد جيش الخراساني على اعتبار أن بعض الأحاديث تحدثت عن أن شعيب رجل نحيلٌ أسمر.

فور انتشار الوثائقي انهالت الردود المستنكرة له. اعتبر "مركز الدراسات المهدويّة" في قم أنه أمر خطير وغير علمي، واعتبر آيات الله مكارم الشيرازي وجواد آملي ومصباح يزدي أنَ الروايات لا تقدم توضيحات نستطيع تطبيقها على أشخاص بعينهم. بدوره حذر السيد الخامنئي من ترويج المفاهيم الخاطئة والمنحرفة التي تسيء إلى قضية المهدويّة.

سرعان ما تحول الجدل من فقهي إلى سياسي مع اتهام الإصلاحيين والفريق القريب من السيد الخامنئي لسفنديار رحيم مشائي، مدير مكتب نجاد، بالوقوف وراء الشريط وبإدارته لتنظيم ذي أفكار منحرفة يدعى "طريق الحقيقة" ويروج للأفكار المنحرفة.

وفي لبنان، كان قد أصدر شادي فقيه كتيّباً بعنوان "أحمدي نجاد والثورة العالمية المقبلة"، وُزّع على نطاق واسع مستفيداً من المناخ المتأتّي عن حرب تموز 2006، وردّد فيه إدعاءات مماثلة.

فتنة الشام

مع بدء الحراك السوري، اشتدّ الجدل المهدويّ، ولبس لبوساً سياسياً عسكرياً. الكثير من عامة الشيعة وبعض العلماء العراقيين كالشيخ عبد الحميد المهاجر وجلال الدين الصغير، بالإضافة إلى الشيخ اللبناني علي كوراني، قالوا إن الظهور مرتبط بخراب الشام مستندين إلى حديث الإمام الصادق الذي يقول: "الفرج كل الفرج بخراب الشام". ومع اشتداد المعارك راح كثيرون يتناقلون حديث الإمام الباقر وفيه: "أول أرض تخرب الشام، يختلفون على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني". ويسقطون هذه الأسماء على أفرقاء القتال الذي لن ينتهي إلا بخلع حاكم دمشق وسيطرة السفياني على الحكم ليعود ويتبعه خروج المهدي وفقاً لرواية منسوبة إلى الإمام علي تقول: "رجفة تكون بالشام، يهلك فيها أكثر من مئة ألف... فإذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها حرستا، فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، حتى يستولي على منبر دمشق، فإذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي".

كان لهذه التفسيرات وقعها على المزاج الشيعي العام، وخاصة العراقي، في بداية الأحداث السورية. اقتنع البعض بأن الرئيس السوري بشار الأسد سيسقط حكماً ولا جدوى من التدخل العسكري الشيعي في سوريا وعلى الشيعة الاستعداد للقتال على أبواب الكوفة.

بذل الإيرانيون جهوداً واسعة لإقناع الشباب العراقي غير المنضوي تحت راية ولاية الفقيه بالتوجّه للقتال في سوريا. شدّوا عصبهم بفكرة الدفاع عن المقامات الدينية. وأكّد السيد الخامنئي أنّ العلامات المهدوية الصحيحة قليلة جداً لأن سند الروايات ضعيف. بينما هاجم الشيخ أسد قصير، وهو من وكلاء الخامنئي وله متتبعوه الكثر على قناة الكوثر الفضائية، كل مسقطي العلامات على الصراع الحالي معتبراً أنّ الروايات التي يستند إليها هؤلاء لإثبات علامات الظهور أغلبها غير علمي، وأن الإسقاطات والتعليقات على الأحداث الحالية كعلامة السفياني في العراق والشام قد يكون له مخاطر ومفاسد لأن بعضها يتكلم عن انتصارات للسفياني حتى يصل إلى الكوفة. وهذا يثير الرعب في قلوب الناس.

أمّا السيّد حسن نصر الله الذي تدخل وحزبه في النزاع السوري فتوجه إلى محازبيه، في حديث داخلي نُشر مقتطفٌ منه، بالتشديد على أنّ "أمر الإمام بغتة"، وقد يحصل فجأة بمعزل عن كل ما يشاع من العلامات. والواقع أن معظم العلماء من أتباع ولاية الفقيه، وخصوصاً علماء حزب الله اللبناني، يرون أن "البداء" جائز حتى في العلامات الحتمية، انطلاقاً من الآية القرآنية (يمحوا اللَّهُ ما يشاء وَيُثبِتُ وعِندَهُ أُمُّ الكِتَاب) أي أن العلامات قد لا تحصل أصلاً أو ربما تحصل بتغير كبير في شكلها أو خصائصها. وعليه فحاكم دمشق قد لا يسقط وقد لا يسيطر السفياني على الشام. من هنا انتشرت في الآونة الأخيرة على بعض وسائل التواصل الاجتماعي أحاديث كثيرة تقول إن البداء قد حصل، وإن حزب الله غيّر القدر.

الحوثي وفزع بغداد

حين سقطت الموصل، خيّم الوجوم على وجوه كثير من الشيعة العراقيين القريبين من مناطق القتال. وتحدّثت بعض المصادر الإعلامية عن حركة نزوح من النجف وكربلاء، رغم بعدهما الجغرافي النسبي عن مناطق سيطرة "داعش". تهيأ لهم أن السفياني وليس البغدادي هو من أعلن إمارته. وتم تناقل الحديث المنسوب إلى الإمام علي: "إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة، بُعث في طلب أهل خراسان. ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي". ظنّ كثيرون أن اللحظة التاريخية الحاسمة اقتربت وارتفعت ابتهالات العراقيين بالدعاء لخروج المخلص إلى أن أعلنت مرجعية النجف فتوى الجهاد.

ومع توسّع حركة أنصار الله في اليمن، حضر عالم الغيب لتفسير أحداث إستراتيجية. بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، راحت بعض الأوساط الشيعية تتحدث عن أن عبد الملك الحوثي، وليس السيد نصر الله، هو اليماني ورُفعت في شوارع صعدة، معقل الحوثيين، يافطات تفتدي اليماني.

ادعاء المهدوية

شخصيات شيعية كثيرة ادّعت أنها من شخصيات عصر الظهور. فناصر محمد اليماني، ضابط يمني سابق، ادّعى أنه المهدي المنتظر وأرسل إلى بعض العلماء والسياسيين رسائل يطالبهم فيها ببيعته. والشيخ أحمد بن الحسن، وهو رجل معمم من البصرة، ادّعى أنه وصيّ الإمام المهدي وأنه تلقّى علومه مباشرة من الإمام، وليس في أيّة حوزة من الحوزات الفاسدة، بحسب تعبيره، وأنه اليماني. هذا الشيخ يمتلك قناة اسمها "المنقذ العالمي" وله مكاتب عدة في العراق وأسس "التيار المهدوي" في العراق، عام 2004، واشتبك مع قوات الأمن العراقية.

قوبلت هذه الادّعاءات بهجمة عنيفة من المراجع الذين وصفوها بالسذاجة وبالأوهام ووصفوا أصحابها بالكاذبين انطلاقاً من الحديث "كل من ادّعى الرؤية فكذبوه". وقد استغلت الحكومة العراقية آراء العلماء قبل وقت قصير لتبرير الهجوم على جماعة السيد محمود الصرخي الذي ادّعى الاتصال بالإمام وأنشأ حركة دينية مسلحة.

عصر الظهور أم قزلباش؟

يرى أتباع "ولاية الفقية" أن تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو إقامة للدولة الممهدة لظهور الإمام المهدي. في رأيهم، لا مثيل للصعود الشيعي الحالي في التاريخ ولا بد أن يفضي ذلك إلى ظهور إمامهم. في هذا السياق يضع مؤيدو حزب الله قول السيد حسن نصر الله "ولى زمن الهزائم وبدأ زمن الانتصارات". الجدل بينهم وبين المنتظرين الآخرين أساسه أن بعض هؤلاء يقول إن الظهور وراء الباب بينما هم يقولون إن الإمام قد يأتي بغتة وقد يستغرق الأمر عشرات السنوات ولكن لا رجوع إلى الوراء.

في المقابل، يرى آخرون أن الثورة الإيرانية لا تعني أنه لا تراجع بعد اليوم. عام 2008، وفي مقابلة تلفزيونية، قال الشيخ هاشمي رفسنجاني: "لن نستطيع تأكيد فكرة خروج الإمام بثورة ما، لأن الثورات يمكن أن تأتي وتذهب لتأتي ثورات أخرى".

بكلامه، استحضر رفسنجاني نموذج الدولة الصفوية. ففي مطلع القرن السادس عشر، ادّعى الشاه إسماعيل الصفوي أنه نائب الإمام وجمع حوله حركة عسكرية شيعية عرفت باسم القزلباش. كانت هذه الحركة تظنّ أنها حركة ممهدة لظهور الإمام. حتى كبير فقهاء الشيعة آنذاك، العلامة المجلسي، رأى في الدولة الصفوية قوة ممهدة لظهور الإمام. ولكن الدولة الصفوية سقطت.

يبدو أن الفكر السياسي الشيعي لن يتخلى عن العناصر الغيبية في تفسير الأحداث الدنيوية. فما دامت الأوضاع السياسية لن تستقر، لن يهدأ الجدل المهدوي.

نشر هذا الموضوع على الموقع في تاريخ 31.10.2014

التعليقات

المقال التالي