شبكات تهريب تنشط تحت عيون رجال الجمارك التونسيين

شبكات تهريب تنشط تحت عيون رجال الجمارك التونسيين

تشهد المناطق الحدودية في تونس حركة تهريب كثيفة. التهريب هو مهنة تقتات منها عائلات كثيرة. وبفضله تكوّنت رؤوس أموال ضخمة، وعلاقات إنسانية متشابكة بين المهربين وبين أهالي هذه المناطق وأجهزة الدولة.

في رواية "غاندي الصغير"، يقدّم الكاتب إلياس خوري شخصية المهرب "أحمد السنبك" كشخصية اجتماعية شقّت طريقها في ميدان التهريب من دون أن تتخلى عن أصدقائها الجدد من مهربين أو أصدقائها القدامى من الجيران وسكان الحي.

اعلان


في تونس تحافظ الحكاية على خيوطها لكن بتفاصيل أعمق، تفاصيل إنسانية تجمع المهربين بعضهم مع بعض وتجمعهم أيضاً مع جيرانهم من سكان الدول المجاورة. علاقات متينة يغذيها الخطر المشترك والمكاسب المادية. أما علاقتهم بأجهزة الدولة فتتشابك مع الفساد من ناحية ومع صمت مقصود من ناحية أخرى.

تنظيم شبكات التهريب

تنشط ظاهرة التهريب في خمس ولايات حدودية، ثلاث منها على الحدود مع دولة الجزائر وهي القصرين (حيدرة، فريانة، ماجل بالعباس) وجندوبة (غار الدماء) وقفصة (أم العرائس)، وولايتان على حدود دولة ليبيا وهي مدنين (بن قردان) وتطاوين (الذهيبة). ولكن هذه الظاهرة لا تقتصر على الولايات الحدودية فتنشط أعمال التهريب في الولايات الداخلية التي تؤوي مهربين وتحتوي على معابر وأسواق سوداء للبضائع المهرّبة إليها من تلك الولايات.

في حديث لرصيف22، يسخر المهرّب حمدي ن. وهو شاب من مدينة فريانة الحدوديّة، من تسمية "مهرّب" ويؤكد أنّ سكّان المناطق الحدوديّة يرفضون هذه التسمية ويفضّلون عليها تسمية "تاجر" لأنّ ما يقومون به هو، في نظرهم، نشاط لا يخالف القانون وينسجم مع طبيعة إقامتهم في مثل هذه المناطق الحدوديّة.

ويؤكد أحد عناصر الجمارك أنّ شبكات المهربين تتشكّل وفق هيكلية هرمية منظمة. وفي قاعدة الهرم، ينتشر المراقبون ومهمتهم رصد تحركات رجال الجمارك وأمن الحدود حين تعبر الشاحنات. ثم هنالك مرافقو السّائقين ومهتهم حماية الشاحنة من الاعتداءات المحتملة. ثم نجد السّائقين ومنهم مَن يعمل لحساب الغير ومنهم مَن يملك شاحنته الخاصة. أما في أعلى الهرم فنجد المزوّدين.

تحافظ شبكة العلاقات المتداخلة العنكبوتيّة هذه على تنظيم دقيق في هيكل متكامل، لكنها أيضاً تخلق شبكة من العلاقات الإنسانية القائمة أساساً على التضامن والتكافل بين المهرّبين في مواجهتهم الأمن الحدودي ودوريات رجال الجمارك.

يشرح المهرب حمدي ن. بعض أساليب العمل والتنسيق المشترك بين المهربين: "التهريب مهنة تتطلب الحذر الشديد والالتزام الصارم بقواعد العمل. في كثير من الحالات نتنقل في مجموعات يسبقها مراقب لكشف أماكن دوريات الأمن. لدينا شيفرات عدّة نستعملها لتبادل المعلومات في الطريق أو عبر الهاتف. ونتضامن كلنا مع أيّ مهرّب يقع في شراك رجال الجمارك وأمن الحدود أو يتعرض لحادث مروري".

التهريب حلّ شعبي لأزمة البطالة

المعادلة يصفها أحد سكان الحدود كالتالي: "لم يفعلوا لنا شيئاً ولم نحصل على شيء من التنمية مقارنة بالمناطق الساحلية والعاصمة ورغم ذلك يريدون منعنا من التجارة مع الجزائريين".

التهريب، على الحدود، هو هبة من الطبيعة وعمل متوارث تناقلته أجيال من المهمشين في ظل غياب شبه كامل للدولة التي لا تحضر إلا عبر دوريات الأمن. هذا ما يتداوله سكان الحدود. ويرفضون التفريط في تجارة التهريب ويعتبرونها شريان حياة لمناطقهم ومصدر رزق للكثيرين.

حتى أبناء المناطق الداخلية يستفيدون من التهريب في ظل وجود أسواق سوداء لترويج البضائع المهربة. هذه الأسواق تأخذ تسميتها من الدول المجاورة مصدر البضائع. نجد في أغلب المدن التونسية أسواقاً تسمى "سوق ليبيا" أو "سوق الجزائر".

في سيدي بوزيد، "سوق ليبيا" تضم متاجر متلاصقة تعرض بضائع مهربة عبر الحدود الليبية. يقول قيس ب. صاحب أحد هذه المتاجر، في حديث لرصيف22، إنّ المهربين يمدونهم بكل أنواع البضائع بأسعار أقل بكثير من الأسعار التي تباع بها عادة، لذلك فهي تحقق لهم ربحاً معقولاً ومورد رزق مهماً، وهي أيضاً أسعار مناسبة لبقية المواطنين خاصة في ظل تواصل إرتفاع الأسعار.

التهريب شر لا بدّ منه

يصف أحد عناصر الجمارك لـرصيف22 التهريب بأنه "شر لا بدّ منه". هذه الجملة تستعمل كثيراً لتفسير صمت أجهزة الدولة بشأن عمليات التهريب التي لم تنقطع يوماً حتى في المناسبات التي تم فيها إعلان إقفال الحدود. هذه الجملة هي الشجرة التي تخفي غابة فساد أجهزة الجمارك وأمن الحدود وفشل مخططات الدولة التنموية. وهو ما يضطرها إلى الصمت عن عمليات التهريب في مواجهة احتجاجات سكان الحدود بسبب البطالة. ويضيف: "إنّ رؤساءنا يقولون لنا راقبوا فقط إن كان هناك مخدرات أو سلاح، وغير ذلك دعوهم يمرون ولا تعترضوا طريقهم. وفي مدينة فريانة التابعة لولاية القصرين كانت سيارات الأمن هدفاً للأهالي الذين قدموا لمساعدة المهربين ولتحرير سلعهم وأبدوا غضبهم الشديد من الحكومة. فهم يعتبرون أنهم مستثنون من سياسات التنمية، وأنهم مستعدون لكل شيء منذ الآن".

المهربون الأكثر قوة هم تقريباً في منأى عن مراقبة قوات الأمن ورجال الجمارك بسبب قوة أموالهم وعلاقاتهم المتشابكة مع أجهزة الدولة وأيضاً بسبب قدرتهم على تحريك عصاباتهم العائلية ضد قوات الأمن فيولّد ذلك أجواء مشحونة في حال وقوع أي خلاف.

تتحدث أجهزة الدولة عن الضرر الذي يتسبب التهريب به للاقتصاد الوطني وتقدم أرقاماً ضخمة عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عنه. لكن التهريب يبقى دوماً حلاً شعبياً لأزمة البطالة في ظل غياب المشاريع التنموية في المناطق الحدودية، ويبقى كذلك حلاً لأزمة غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار على كامل تراب الجمهورية التونسية.

نشر هذا الموضوع على الموقع في تاريخ 29.12.2014

التعليقات

المقال التالي