داعش طوّر خبرة ناشطي الربيع العربي ويستخدمها ببراعة لاستقطاب عناصر جديدة

داعش طوّر خبرة ناشطي الربيع العربي ويستخدمها ببراعة لاستقطاب عناصر جديدة

تُعدّ الحملات الدعائية التي يقوم بها داعش نقلةً نوعية في الدعاية الجهادية. في حديث لرصيف22، قال الخبير ناصر ودادي إن "داعش استفاد من كل التكنولوجيات التي استخدمها نشطاء الربيع العربي وطورها. وحالياً يقوم بتقديم محتوى بصري بالغ الاحترافية، ونجح في إستخدام الأناشيد للترويج لنفسه".

ويلفت ودادي، المدون وخبير الإعلام الاجتماعي الموريتاني المقيم في أمريكا، إلى أن "داعش اليوم لديه صوتان يعدان بمثابة مايكل جاكسون وجيمس براون الجهاديين وهما أبو ياسر وأبو هاجر الحضرمي، وقد استطاع بكل ذكاء أن يخاطب الجماهير بما تفهمه. وهو يقوم بإطلاق أناشيد محلية، تخاطب كل جنسية عربية بما يناسبها من نمط لحني ولهجة مع المحافظة على المحتوى الفتاك والكلام بلغة أدبية راقية".

اعلان


فمثلاً نجد اللهجة والنمط الغنائي النجدييْن في نشيد "من جزيرتنا نبعث اﻷلحان".

ونجد النمط العراقي في نشيد "يا راكب المسروجة".

ونجد الملامح الليبية في نشيد غاب البدر لأبو نذير الليبي.

وتعبّر كلمات نشيد "لست أرضى المقام" عن مستوى لغوي إبداعي متميز رغم أن هذا النشيد هو تحريض على الانسلاخ عن المجتمع والذهاب للإلتحاق بالدواعش. ويؤكد ودادي أن "داعش هو وريث تنظيم الدولة الإسلامية في العراق. والتراث الموسيقي التراكمي للحركات الجهادية مشترك بين القاعدة وداعش. وما جرى هو أن أغلبية المنتجين والمنشدين قدموا البيعة للبغدادي".

ويضيف ودادي "أن القفزة الحقيقية التي حققها داعش هي استمالته الغربيين ولا أعني هنا المسلمين فقط بل الغربيين البيض أيضاً. فقد قام بمخطابتهم بلغاتهم وترجم بعض الأناشيد إلى الإنجليزية والألمانية وبقية اللغات". ويوضح أن "الترجمة هنا لا تعني مجرد إيجاد مرادفات للكلمات العربية باللغات الأجنبية كما فعل تنظيم القاعدة في العقد الماضي بدون نجاحات كبيرة، بل تنميط المحتوى بصيغة غربية مبنية على رموز ومفردات تلك الثقافات مما حول ذلك المحتوى من مجرد خطب لا يفهمها المراهقون والشباب الغربيون، إلى مجموعة رسائل تخاطب عقولهم ووعيهم الباطن بفعالية لم ينجح تنظيم القاعدة في الوصول إليها بسبب قلة حرفية دعائييه وعدم فهمهم للجمهور المستهدف".

ويشرح ودادي أن "الفرق بين الدعاية القاعدية والدعاية الداعشية هو أن الأولى كانت دعوة للقتال ضد عدو خارجي فقط بدون ربط ذلك بهدف آني محدد بينما القفزة التي أحدثها داعش هي أن خطابه الدعائي إقترن بهدف واضح: إقامة دولة الخلافة التي ستطبق الشريعة الإسلامية، مما جعل الرسالة المركزية أسهل فهماً للغربيين. ويتم توصيف الجهاد كمغامرة وكفرصة لكتابة التاريخ، وأيضاً كفرصة للسيرعلى خطى الصحابة، مما يترجم عملياً بإغراء المستمعين بفرصة أن يكونوا هم خالد بن الوليد أو سعد بن أبي وقاص الجدد".

للتعرف على الحرب الإلكترونية التي يخوضها العالم ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، يمكن قراءة موضوع: قطع رأس تنظيم داعش في العالم الافتراضي

كأمثلة على هذا التوجه الجديد، يستطرد ودادي، نجد في نشيد "حي على الجهاد" من إصدار دار الحياة وغناء أبو طلحة الألماني تشابهاً مع طريقة الأداء التي تقوم بها فرق "الهافي ميتال" الألمانية مثل رامشتاين وغيرها. ويُلاحظ قيام المشرفين على النشيد بالاعتماد على تقنية عالية لحل مشكلة عدم استخدام آلات موسيقية تحرمها إيديولوجيا التنظيم.

ويلفت الخبير الموريتاني إلى أن داعش حقق نقلة نوعية أخرى وهي التركيز على الفئة العمرية ما بين 16 و25 سنة. فقد قام بانتاج فيديوهات بها مؤثرات تحاكي ألعاب الفيديو التي تجد صدى بين الشباب من تلك الفئة العمرية. وقد اعتمد هذا المجهود على مؤسسة الحياة التي لديها قدرات عالية في الإعلام والتسويق. السبب هو أن داعش اكتشف أن طبع بعض المحتوى التروجي بطابع الغرب سيدعم حملاته الدعائية هناك كما أن العرب سيتقبلونه بشكل جيد.

وأضاف ودادي: "يختزل داعش الخطاب السلفي الجهادي في أن من سينضم إليه سيخوض مغامرة فريدة وسيكون له دور تاريخي في إعادة أمجاد الخلافة الإسلامية، وهو تجاوز للقاعدة. فداعش تخلى عن الخطابات الرنانة وركز على المحتوى البصري والإيحائي. وتعتبر سلسلة صليل الصوارم نقلة نوعية في الترويج الجهادي، فهذا الإصدار هو مانيفيستو الجهاديين إذ أنه يجسد كل محاور الدعاية الداعشية".

الأناشيد الجهادية تصدرها مؤسسات إعلامية أشهرها على الإطلاق مؤسسة أجناد ومسامع الخير للإنشاد. وكانت الأخيرة قد نشرت حواراً مع المنشد الداعشي أبو هاجر الحضرمي حول مشواره في الانشاد الجهادي. والحضرمي مولود بمدينة المكلا بولاية حضرموت شرق اليمن سنة 1986، وقد سافر لقتال القوات الأمريكية في العراق لكنه وقع سنة 2007 في يد القوات السورية التي سلمته إلى بلده قبل أن يهرب من السجن سنة 2011.

في المقابلة المذكورة، وجه رسالة إلى المسلمين، قال فيها: "إلى إخوتى المسلمين في كل مكان، أنصح نفسي وإياكم بنصرة الشريعة والإهتمام بقضايا المسلمين وعدم الاغترار بدعاوى التعايش السلمي، والديمقراطية التي هي صنم العصر الذي يعبد من دون الله".

لهيب الحرب Flames of War

عندما أُعلن عن تشكيل التحالف الدولي لمحاربة داعش، قام التنظيم بإصدار شريط وثائقي باللغة الإنجليزية مع ترجمة إلى العربية بعنوان "لهيب الحرب Flames of War". وقد تميز هذا الشريط بنمط إخراجي استخدمت فيه تقنيات تنافس تلك تستخدم كبريات شركات الإنتاج السينمائي في هوليوود. بلغت مدة الشريط 55 دقيقة رصدت مراحل تطور التنظيم، وكذلك بعض المعارك التي خاضها في سوريا والعراق مع التأكيد على جسارة وشجاعة مقاتليه وتضحياتهم وعدم خوفهم من أي تهديد.

وحوى الشريط كذلك على رسائل تهديد موجهة لأمريكا وللغرب وما وصفهم بالعلمانيين والمرتدين وكل خصوم داعش، مثل الإعلام الذي يشوه صورته كالجزيرة والعربية وفرانس24. وقد تطرق أيضاً إلى الاتهمات التي وجهها بعض العلماء والوعاظ العرب للتنظيم بأنه مجموعة من الخوارج أو أتباع إيران وحتى أنهم ملاحدة. فقد أوردوا تصريحاً للداعية السعودي العزيز الفوزان، يقول فيه أن داعش صناعة استخباراتية صليبية صهيونية صفوية، وركز على أن الله يقف مع التنظيم وأنه وعده بالنصر وأن الله لا يخلف وعده، وأن هدفه هو إقامة شرع الله في الأرض وإحياء الخلافة على منهج النبي محمد وأنهم ينتصرون لأنهم يقاتلون من أجل الله أما أعدائهم العمانيون فيقاتلون من أجل العلمانية والأرض والدولة العلمانية. وقد حضرت الاناشيد في الشريط وبأنماط كثيرة.

أحمد ولد جدو

مدون وناشط موريتاني مساهم في منصات عربية أخرى، مهتم بالكتابة عن السياسة والحريات في موريتانيا والعالم العربي.

التعليقات

المقال التالي