احتمالات الحرب القادمة بين صنعاء وعدن

احتمالات الحرب القادمة بين صنعاء وعدن

بعد إعلان الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي العاصمة اليمنية مدينة محتلة من قبل اللجان الشعبية الحوثية، تحولت صنعاء إلى دويلة لديها حكومة تديرها وفقاً للإعلان الدستوري الذي أصدره الحوثيون في مطلع فبراير الماضي. وفي المقابل، انتقلت "الشرعية" المدعومة من المجتمع الدولي والمتمثلة بالرئيس والحكومة إلى مدينة عدن، في قلب الجنوب، محاولةً تثبيت قواعد الدولة من هناك.

في حديث لرصيف22، لخّص الدكتور نبيل الشرجبي، أستاذ السياسة الدولية، الوضع الحالي لليمن: "في ما يتصل بآخر بندين في المبادرة الخليجية التي كانت تدير المشهد السياسي في اليمن منذ ثورة 11 فبراير 2011، فإن شرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي قد انتهت في العام الماضي. لكنه يستمر في موقعه حتى الآن ويحظى باعتراف المجتمع الدولي بشرعيته. وهذا ما يضع جماعة الحوثي التي تحاول إدارة الدولة في شمال اليمن في حالة إحراج وضعف. وينطبق الأمر ذاته على الحراك الجنوبي الذي يحاول أيضاً إدارة مناطق الجنوب مطالباً بالانفصال عن الشمال".

عاصمة بلا رئيس

غياب الرئيس عبد ربه منصور هادي عن المشهد السياسي في العاصمة صنعاء بعد فراره إلى عدن، وفشله في السيطرة على أمن واستقرار البلد، وإعلانه عدن عاصمة موقّته، كلها عوامل ولّدت شكوكاً في جدوى تمديد فترة رئاسته.

وأوضح أسامة الشرمي، وهو شخصية مقربة من هادي، لرصيف22، أنه "في الوقت الحاضر لا تزال مؤسسات الدولة موحدة وتتبع المركز الرئيسي في العاصمة صنعاء، وذلك على الرغم من سيطرة الحوثيين عليها. ومن جانبنا، نحاول التحاور مع جماعة الحوثيين لإعادة السيطرة على المنشآت الحكومية إلى رئيس الجمهورية"، وأضاف: "في حالة استمرار الحوثيين في قناعاتهم الرافضة للتحاور لن يكون بدّ من إنشاء دوائر حكومية في مدينة عدن لتقوم بمهمات المؤسسات الحكومية الأم موقّتاً إلى أن تُستعاد هيبة الدولة والمناطق المحتلة".

هل يعترف العالم بالجنوب؟

الحراك الجنوبي الذي يحظى بتأييد جماهيري واسع في شتى مدن جنوب اليمن، يحاول الحصول على الاعتراف الدولي بحقه في الانفصال عن الشمال وتأسيس دولته المدنية الحديثة من خلال دعمه الكامل للرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته.

وبحسب القيادي في الحراك الجنوبي عبد السلام عاطف، إن الحراك يتنامى في ظل انقسام السلطة في العاصمة صنعاء، ويسعى إلى إقناع المجتمع الدولي باستقلال الجنوب و"المشكلة ليست في الحراك وإنما في السلطة التي تنتقل من فشل إلى فشل". وعن احتمال دخول الحوثيين إلى المحافظات الجنوبية، يؤكد عاطف لرصيف22 أن لديهم حلفاء في الحراك الجنوبي، وآخرين في ألوية عسكرية تابعة لهم وتنتشر في المحافظات الجنوبية.

وأخيراً، ازداد عدد القيادات المتحدرة من الجنوب الفارّة إلى عدن من الإقامة الجبرية التي يفرضها الحوثيون على الكثير من المسؤولين في العاصمة صنعاء. آخر الحالات، فرار وزير الدفاع في الحكومة المستقيلة اللواء محمود الصبيحي الذي، بحسب عبد السلام عاطف، "شكل وصوله إلى عدن ضربة قاصمة للحوثي خصوصاً وأنه كان يترأس اللجنة الأمنية التابعة لجماعة الحوثي، أهم أجهزتها".

وحول وضع هؤلاء الفارين في الجنوب، يؤكد القيادي في الحراك الجنوبي أنه "سوف يلتف حولهم الجنوبيون"، ولكنه يشير إلى أنه "ما دام الجنوب تحت إدارة سلطة الاحتلال في صنعاء، سواء سيطر عليها قطب جنوبي كالرئيس هادي أو قطب حوثي، فالأمر سيان"، قاصداً أن لا شرعية لقرارات صنعاء بغض النظر عن الانتماء المناطقي للشخصيات الحكومية.

خيارات الحوثيين

يحذر الخبير نبيل الشرجبي من أن مساعدة الرئيس هادي فصائل الحراك على الانفصال سيمنح الحوثيين وحليفهم حزب المؤتمر الشعبي العام (بقيادة الرئيس السابق علي عبد الله صالح) شرعيةً كاملةً لاجتياح الجنوب انطلاقا من مبدأ الحفاظ على الوحدة و"قد يتحولون إلى رمز نضالي لبقاء الوحدة يحظى بتأييد شعبي كبير".

في كل الحالات، تمتلك اللجان الشعبية الحوثية شعبية كبيرة في شمال اليمن، وتحاول استخدام علاقتها الوطيدة بالإيرانيين ونسج علاقات جيّدة مع دول كروسيا والصين من أجل الاعتراف بشرعية انقلابها على الرئيس هادي وبتمثيلها صوت الشعب اليمني.

وقال محمد البخيتي، عضو المجلس السياسي لحركة أنصار الله، لرصيف22: "نسج علاقات قوية مع إيران ليس عيباً. فمن مصلحة اليمن توسيع علاقاتها بدول الجوار وغيرها. لكن المشكلة تكمن في الفلسفة السياسية الخارجية الغربية التي أثرت على فلسفة حكومة الرئيس السابق (هادي) والتي غايتها إرضاء أمريكا".

واعتبر البخيتي أن قرارات هادي فقدت شرعيتها لأنه "لم يعد رئيساً لليمن بل بنداً على طاولة المفاوضات وأصبح قرار تحديد مصير اليمن بيد القوى السياسية". وبالنسبة لهروبه إلى عدن، لفت إلى أنه "لن يضيف أو ينقص شيئاً لأنه لا يتمتع بأيّة شعبية لا في شمال اليمن ولا في جنوبه. فالحراك الجنوبي ضد سلطة هادي نظراً لأن الكثير من قياداته رفضوا الاعتراف بالمبادرة الخليجية التي تشرعن ترؤس هادي للبلاد كما رفضوا المشاركة في الحوار الوطني". وعليه، فإن ما يقوم به هادي هو "محاولة يائسة لإرباك المشهد السياسي في البلاد".

وأكّد البخيتي أن "أنصار الله" واللجان الشعبية الحوثية "ليس من أهدافهما التوسع والدخول إلى الجنوب. فالتنسيق قائم بينهم وبين الحراك الجنوبي لمحاربة التحالف الثلاثي المكوّن من الإخوان المسلمين والسلفيين والقاعدة، والذي يمثل رأس حربة لزعزعة أمن اليمن".

حليف إستراتيجي

وبحسب مراقبين، فإن حزب المؤتمر الشعبي العام يعد حليفاً إستراتيجياً للحوثيين وإن كانت قياداته تنفي ذلك. قال أحمد الصوفي، السكرتير الخاص للرئيس السابق علي عبد الله صالح، لرصيف22: "القوة الجنوبية المتمثلة بالحراك الجنوبي، ومعه عبد ربه منصور هادي، وقوة أنصار الله في شمال اليمن الناجمة عن ثورة شعبية، هاتان القوتان بأسلحتهما هما مظاهر استعراضية لا تشكل أساساً لتقرير مصير الوحدة أو الدولة". وأضاف: "أعتقد أن أنصار الله لديهم الحكمة اللازمة ليراجعوا أخطاءهم. علماً أن قوى الحراك الجنوبي ليست كلها انفصالية".

وبالنسبة إلى الرئيس هادي، يرى الصوفي أن طريقة إدارته للبلاد هي التي جلبت أنصار الله إلى العاصمة صنعاء فهو لا يجيد التعاطي لا مع الحراك ولا مع الحوثيين وهروبه إلى مدينة عدن يجسد ضعفه وتالياً "هو لا يجسد شخصية رئيس دولة"، وتصرفاته تدلّ على أنه "الرئيس المهزلة".

ويخلص الصوفي إلى أن "عبد ربه منصور لم يلتزم واجباته الدستورية والمبادرة الخليجية. كما أن أنصار الله لم يغلّبوا المصلحة الوطنية. وكلاهما بلا شرعية لأن الشعب لم يثر من أجل الضياع وراء الحوثيين، علماً أن عدن لن تحمي هادي كرئيس ضعيف فار من وجه جماعة". وعن مطالب التدخل الخارجي ضد الحوثيين، يقول الصوفي: "هل جاء الحوثيون من خارج اليمن كي يستعان عليهم بأياد أجنبية؟ هذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على أن النخب السياسية باتوا عراة يفتقرون حتى لورق التوت لستر عوراتهم". وحول أفق الصراع في الجنوب، يقول الصوفي إن "المواجهة في الجنوب ستكون جنوبية. فأنصار الله لا يحتاجون إلى الدخول في صراع جهوي".

تشكيل حكومة مستقلة

وأكّد لرصيف22 الدكتور عبد الخالق السمده، عضو الدائرة السياسية لحزب الإصلاح الإسلامي (الإخوان)، أن "موقف حزب الإصلاح من الأحداث السياسية هو التمسك بالشرعية ذات المرجعية التي توافق عليها اليمنيون والمتمثلة بمخرجات الحوار الوطني. ونحن مع شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي وشرعية حكومته". وأضاف: "كما أن رؤية حزب الإصلاح هي تدعيم الرئيس بالقيام بتعيين أربعة نواب تتوافق عليهم كل القوى السياسية للإسهام في الخروج من الأزمة الراهنة شريطة وجود ضمانات للتنفيذ".

وتابع: "من خلال تجربتنا مع الحوثيين في المبادرة الخليجية والحوار الوطني وأيضاً في اتفاقية السلم والشراكة التي لم تنفذ وإنما توسع على حسابها الحوثيون، فإن تركيزنا ينصب حالياً على أهمية وجود ضمانات متمثلة بوجود قوة رادعة قادرة على حماية مدينة صنعاء وبقية المدن اليمنية وإجبار الحوثي على سحب قواته ومليشياته المسلحة من العاصمة".

ويرى الشرجبي أن "الفراغ السياسي الذي تركه الرئيس هادي وحكومته في العاصمة صنعاء ربما يدفع الحوثيين وحزب المؤتمر الشعبي إلى تشكيل حكومة مستقلة، ولكنها لن تحكم لأن المجتمع الدولي لن يعترف بها. وقد تلجأ إلى شنّ الحرب على الجنوب والرئيس لفرض سلطتها عسكرياً. وسيسهل لها الأمر حلفاؤها هناك، لتبرز أمام المجتمع الدولي قوةً شعبيةً وإذّاك يتم الاعتراف بها".

التعليقات

المقال التالي