مَن يسعى إلى تدخل عسكري في ليبيا ولماذا؟

مَن يسعى إلى تدخل عسكري في ليبيا ولماذا؟

"سنحارب الإرهاب للدفاع عن أنفسنا وعن منطقة الشرق الأوسط بل العالم أجمع"، قال وزير الخارجية المصري، سامح شكري. قبل كلامه في مؤتمر واشنطن، كان العالم قد أبلغ مصر أن لا أحد أوكل إليها هذه المهمة التي تنطحت لها. لكن برغم ذلك، لا يزال احتمال التدخل الدولي في ليبيا قائماً. كل ما في الأمر أن الاندفاعة المصرية أتت في توقيت غير مناسب.

لماذا تريد مصر الحرب؟

اعلان


بعد جريمة قتل المصريين الأقباط، طالبت مصر بشنّ حرب دولية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا. "ليس هناك خيار آخر"، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي معتبراً أن لا بديل من تدخل دولي لإعادة الاستقرار إلى جارة مصر. فبرأيه، لم يؤد التدخل الدولي الذي أطاح الرئيس معمّر القذافي المطلوب منه وأثار فوضى قريبة من حدود بلاده صارت تهدّد أمنها القومي. من هنا، حثّ مجلس الأمن على إصدار قرار يقضي بالتدخل الدولي في ليبيا، ولفت إلى أن الوقت قد حان لمحاربة الإرهاب "من دون انتقائية وازدواجية في المعايير"، قاصداً توسيع عمل التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ليشمل ليبيا.

مَن يسعى إلى تدخل عسكري في ليبيا ولماذا؟ صورة 1

 

التوتر بين الجارتين ليس جديداً. فهو يعود إلى مرحلة إقصاء جماعة الإخوان المسلمين عن الحكم في مصر. منذ 3 يوليو 2013، ظهر جلياً أن الصراع على السلطة في ليبيا صار يدور على إيقاع الصراع الداخلي على السلطة في مصر. وهكذا عندما انقسم الليبيون بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، دعمت مصر والسعودية والإمارات حكومة طبرق المنبثقة من البرلمان الفائز بالانتخابات، بينما دعمت قطر وتركيا حكومة طرابلس التي شكلها المؤتمر الوطني العام، البرلمان السابق الذي رفض الاعتراف بنتيجة الانتخابات الأخيرة.

الحدث الأبرز في الفترة الماضية كان تنفيذ سلاح الطيران المصري وسلاح الطيران الإماراتي غارات على أهداف داخل ليبيا، في أغسطس 2014. وبرغم أن كلتا الدولتين نفتا المعلومات التي تم تداولها آنذاك، فقد كشف السيسي، قبل يومين، في إطار نفيه استهداف الغارات المصرية الأخيرة مدنيين، أنه "خلال شهر رمضان الماضي، كانت عناصر إرهابية تتناول الإفطار بعدد ضخم، ولكن تم إيقاف العملية بسبب وجود أطفال ونساء بينهم"، في كلام يعتبر إقراراً منه بتنفيذ بلاده عمليات عسكرية سابقة على الأراضي الليبية.

لا تبني مصر فكرة التدخل في ليبيا على خطر داعش المستجد. مبرراتها تنطلق من الصراع ضد جماعة الإخوان المسلمين بشكل عام وهي الجماعة التي يدعم فرعها الليبي حكومة طرابلس. وكان عمرو موسى قد تحدث في 3 أغسطس الماضي عن أن الوضع في ليبيا "يشكل تهديداً للأمن المصري"، ملمحاً إلى أن مصر قد تضطر لاستخدام "حق الدفاع عن النفس".

وبعد عملية إعدام الرهائن المصريين، ظنت مصر أن اللحظة مؤاتية لتحقيق أهدافها السياسية في ليبيا، ولكن الدول الكبرى خذلتها. فسرعان ما صدر، من روما، بيان مشترك بين الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وايطاليا وإسبانيا، اعتبرت فيه أن تأليف حكومة وحدة وطنية "يشكل الأمل الأفضل بالنسبة إلى الليبيين"، مستبعدةً فكرة اللجوء إلى الخيار العسكري.

هل تريد أوروبا الحرب؟

حمل شريط فيديو إعدام الرهائن المصريين عنوان "رسالة موقعة بالدماء إلى أمة الصليب"، ومما جاء فيه: "اليوم، نحن في جنوب روما، أرض الإسلام ليبيا". كما رفع أحد عناصر داعش خنجره وقال: "سنفتح روما بإذن الله، وعد نبينا صلى الله عليه وسلّم". وكان القيادي الداعشي أبو إرحيم الليبي قد قال، في وثيقة بعنوان "ليبيا البوابة الإستراتيجية للدولة الإسلامية"، إن "دول الجنوب الصليبي يمكن الوصول لها بسهولة عن طريق الزوراق البسيطة"، مشيراً إلى إمكانية أن يستغل داعش رحلات الهجرة غير الشرعية "ليقلب حال دويلات الجنوب الأوروبي للجحيم"، ومهدداً بأعمال قرصنة ضد "سفن الصليبيين وناقلاتهم".

تدرك الدول الأوروبية المتوسطية المخاطر الناجمة عن سيطرة تنظيم إرهابي على السواحل المقابلة لها. الفرنسيون يتحدثون عن حوالى عشرة آلاف مهاجر غير شرعي يصلون شهرياً من ليبيا. وقال وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان: "تقع ليبيا على الضفة المقابلة للمتوسط وهي قريبة جداً منا، من هنا ضرورة البقاء في حالة يقظة دائمة، وأهمية التحالف مع دول الائتلاف كما تفعل مصر".

مَن يسعى إلى تدخل عسكري في ليبيا ولماذا؟ صورة 2

 

وكانت إيطاليا قد دعت إلى تشكيل تحالف ضد الإرهاب في ليبيا. وأعربت وزيرة الدفاع الإيطالية روبرتا بينوتي عن استعداد بلادها "لقيادة ائتلاف في ليبيا من دول المنطقة، شمال أفريقيا وأوروبا، لوقف تقدم الجهاديين الذين باتوا على مسافة 350 كيلومتراً من سواحلنا"، مضيفة: "الخطر وشيك. لا يمكننا الانتظار أكثر من ذلك"، ولكنها أكدت على رغبة بلادها بالتنسيق مع آخرين في إطار نظام من الشرعية الدولية. وقال وزير الخارجية باولو جنتيلوني إن إيطاليا "مستعدة للقتال".

تخاف روما بشكل أساسي من "موجة هجرة كثيفة"، بحسب وزير داخليتها انجلينو الفانو. ولكن توقيت إيطاليا يختلف عن توقيت مصر. الآن يجب "التحلي بالحكمة والحذر" وتجنب الهستيريا، على ما قال رئيس حكومتها ماتيو رنزي، الذي لا يعارض مشاركة بلاده في عملية في إطار الأمم المتحدة.

دول الجوار الليبي خائفة

تشكل داعش خطراً على دول الجوار الليبي (مصر، السودان، تشاد، النيجر، الجزائر، تونس). في الوثيقة المذكورة سابقاً، يعتبر أبو إرحيّم أن ليبيا هي "مفتاح مصر وتونس والسودان ومالي والجزائر والنيجر"، و"نقطة ارتكاز للتمدد نحو أفريقيا والمغرب الإسلامي". وإذا كان تقاتل الميليشيات وتفلت الوضع الأمني في ليبيا قد أقلقا هذه الدول، فإن سيطرة داعش على بعض المناطق سيضاعف من قلقها. وسبق أن طالبت النيجر وتشاد بتدخل عسكري في ليبيا.

ولكن للدول العربية مخاوفها المشروعة. هي تعلم أن مشاركتها العسكرية سترتد عليها إرهاباً في الداخل. فحتى اللحظة، يمكن اعتبار تمدد داعش في ليبيا عامل جذب لجهاديي هذه الدول ما يعني خلق منطقة يمكن أن يورّد إليها الخطر، طبعاً إلى حين. ولهذا رفضت الجزائر الخيار العسكري، خشية استيقاظ غول الإرهاب مجدداً داخلها. كذلك فعلت تونس التي تفضل أن تلعب دور ممرّ الإرهاب لا مقرّه.

بعكس مصر، يفضّل جيران ليبيا الآخرون عدم أخذ زمام المبادرة وانتظار مستجدات كحل سياسي يوحّد الحكومتين الليبيتين ضد داعش، أو وضع خطة أممية للتدخل في ليبيا. والاحتمالان غير مستبعدين.

تغيّرات في المشهد الإقليمي؟

تسارع الأحداث أدى إلى عدم التركيز على مجموعة من الإشارات التي تحفّز تساؤلات حول ما إذا كان المشهد الإقليمي قد تغيّر. المجموعة الأولى من الإشارات ذات علاقة بالحلف المصري الإماراتي. بعيد الغارات المصرية الأخيرة، سارع وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان إلى القول إن بلاده "تضع كل إمكاناتها لدعم جهود مصر لاستئصال الإرهاب والعنف الموجه ضد مواطنيها". وقبل يومين، أكّد السيسي أن الإمارات عرضت عليه إرسال قوات لمواجهة خطر الإرهاب. وهذا يؤكد أن الحلف السابق لا يزال قائماً.

مجموعة الإشارات الثانية لها علاقة بالحلف المصري السعودي الذي يبدو أن حرارته خفتت. فحزب النور السلفي المصري المقرّب من المملكة أصدر بياناً رفض فيه التدخّل العسكري في ليبيا. والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني انتقد هجوم الديبلوماسية المصرية على قطر في اجتماع جامعة الدول العربية واتهامها الدوحة بدعم الإرهاب. ويصعب تخيّل أن الزياني أصدر بياناً بدون موافقة سعودية مسبقة.

مَن يسعى إلى تدخل عسكري في ليبيا ولماذا؟ صورة 3

 

مجموعة الإشارات الثالثة لها علاقة بتنسيق مصري فرنسي بخصوص ليبيا، وبمشاركة طرف ثالث عربي. فقد عقدت مصر مع فرنسا صفقة تسلّح بقيمة حوالى خمسة مليارات يورو لشراء، ونوعية الأسلحة لها دلالاتها، طائرات حربية (لاستخدامها في عمليات في ليبيا؟) وفرقاطة (لمراقبة الشواطئ الليبية والتصدي لأعمال القرصنة؟). ومما يلفت الانتباه أيضاً أن أول اتصال برئيس أجنبي أجراه السيسي بعد ذبح الرهائن، كان بنظيره الفرنسي فرانسوا هولاند. وكأنه أراد سؤاله: هل آن الأوان؟

لا يزال تمويل صفقة التسلح المصرية مجهول المصدر، وقد تساعد معرفته على توصيف المشهد الإقليمي بصورة أدق. في كل الحالات، تدفع هذه المؤشرات إلى التساؤل عن ابتعاد السعودية نسبياً عن الحلف السابق الذي جمعها بمصر وبالإمارات وعن تقاربها نسبياً مع قطر، وما يمكن أن يعنيه ذلك من قبولها عودة جماعة الإخوان المسلمين إلى العمل السياسي (تكرار السيناريو التونسي بعد الانتخابات النيابية الأخيرة). إذ يبدو أن العهد السعودي الجديد يراعي أكثر من سابقه مصالح قطر وتركيا.

ومن جملة دوافع مصر إلى معارضة الجهود السياسية في ليبيا، هو شخصية المبعوث الدولي إلى ليبيا برناردينو ليون. فالأخير كان مبعوث الاتحاد الأوروبي إلى مصر بعد إقصاء الإخوان عن السلطة وسعى إلى إيجاد حل سياسي يهدف إلى إشراكهم في المرحلة الانتقالية بعد 3 يوليو 2013. والبارحة قرّر مجلس النواب الليبي، المعترف به دولياً والمدعوم من مصر، تعليق مشاركته في الحوار الوطني الليبي. ولتبرير هذا القرار، قال النائب طارق الجروشي إنّ "معلومات وصلته تفيد بأن المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة سيشكّل حكومة وفاق وطني من تيار الإسلام السياسي والإخوان في جلسة الحوار كسياسة أمر واقع"، وإنّ "الحكومتين الأمريكية والبريطانية، ستعترفان مباشرة بهذه الحكومة فور إعلانها".

عوضاً عن التدخل ضد داعش في ليبيا والقضاء عليه، يسعى البعض إلى استخدام هذا الخطر المشترك لتوحيد الحكومتين الليبيتين. وإذا فشل هذا المسعى، فلن يحتمل العالم تمدّد داعش إلى ليبيا وسيعمل على تشكيل تحالف دولي يتدخل مرة جديدة هناك. وقبل ولادته، قد ينشأ تحالف بين دول عدّة لفرض ما يشبه حصاراً بحرياً على الشواطئ التي تهدّد أوروبا.

التعليقات

المقال التالي