سيكولوجيا "الداعشي": كيف يتحوّل الإنسان إلى وحش؟

سيكولوجيا "الداعشي": كيف يتحوّل الإنسان إلى وحش؟

"ما كان شعوره وهو يحترق؟". تساءل الشاب وهو يشاهد لقطات من الشريط الصادم لجريمة حرق معاذ الكساسبة على أيدي مسلّحي تنظيم "داعش". أصدقاؤه المتحلقون حول الشاشة الصغيرة توقفوا عند السؤال المقابل: "ما كان شعور الداعشي إزاء ضحيته؟".

قبل نحو عشر سنوات، كان المشهد مشابهاً في منزل الشاب نفسه، مع بعض الاختلاف في الأشخاص والتفاصيل. يومذاك، كانت ظاهرة أسر الأجانب من قبل متشددي تنظيم "القاعدة"، وتوجيه رسائل التهديد المصوّرة، قد بدأت تنتشر في العراق، وكانت كل الأعين تشيح عن الشاشة، حالما يمسك الملثم بسيفه أو خنجره لقطع رأس الضحية.

اعلان


لعل المقارنة بين السلوك النفسي لدى المتفاعلين مع شريط الكساسبة، والسلوك النفسي ذاته لدى المتفاعلين مع أشرطة قطع الرؤوس في العراق قبل عشرة اعوام، قد تشكل مدخلاً لفهم كيف يمكن أن يتحوّل بشري إلى وحش يستطيع ابتكار جميع وسائل القتل، ويصل بها إلى درجة الحرق، أو أن يتأقلم مع مشاهد من هذا القبيل، لتصبح مشاهد اعتيادية ينعدم معها أي شعور حاد بالغضب على القاتل والتعاطف مع الضحية.

يبدو واضحاً أن العقل البشري قد تأقلم مع مشاهد القتل والتمثيل بالجثث، التي حفلت بها القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الماضية، حتى باتت صوراً مألوفة في يومياتنا المزدحمة بالأحداث، ولن تمر أيام طويلة حتى يصبح الحرق في ذاته مشهداً اعتياداً لا يثير التفاعل، خصوصاً حين يبتكر المتشددون أساليب جديدة في القتل والترويع. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى المتلقي، فما بالك بالفاعل نفسه، الذي اعتاد ممارسة هذه السلوكيات العنفية بشكل متدرج؟

خلق الوحش

قبل إعدام الكساسبة بأشهر، كانت المواقع "الجهادية" تنشر فيديو لـ"أشبال" من جنسيات مختلفة، وهم يتلقون دروساً دينية وتدريبات عسكرية في إحدى مدارس "الدولة الإسلامية". في نهاية الشريط المصوّر، ظهر طفل كازاخي، وهو يجيب عن أسئلة محاوره، بجرأة وثقة وتلقائية:

- ما اسمك؟

- عبد الله.

- من أين جئت؟

- من كازاخستان.

- أين تعيش؟

- في الخلافة الاسلامية.

- ماذا تعمل حالياً؟

- أتدرّب في المعسكر.

- من هو أميرك؟

- أبو بكر البغدادي.

- ماذا ستكون في المستقبل؟

- سأكون ذباحكم أيها الكفار. سأكون مجاهداً إن شاء الله.

بعد ذلك بأسابيع، كان الطفل نفسه يظهر في شريط آخر إلى جانب مسلح "داعشي"، وأمامهما عميلان مفترضان للاستخبارات الروسية جاثيان. بعد تلاوة "حكم" الإعدام من قبل المسلح المتشدد، تقدّم "الشبل"، وأنهى حياة "الجاسوسين" بطلقتين في العنق، أعقبتهما طلقات أخرى على جثتيهما، قبل أن يرفع مسدسه تعبيراً عن "انتصاره على الكفار" فيما كان مظهر الوحشية بادياً على وجهه الطفولي الباسم.

سيكولوجيا الداعشي

ربما يشكل الفتى "الداعشي" الذي ظهر في شريط إعدام "العميلين" حالة يمكن البناء عليها لتحديد كيف تتم تربية الناشئين على "التوحّش". ولكن ما الذي يدفع "شخصاً سويّاً" كان "يذهب إلى الصيد" و"يستمتع برياضة الهوكي" و"يحظى بدخل جيد" ولديه "علاقات عائلية وصداقات جيدة"، كما يتحدث الكندي أندريه بولين عن نفسه، إلى الالتحاق بصفوف تنظيم متشدد مثل "داعش"؟ وما الذي يحوّل مغني راب شهير، مثل ديزو دوخ، إلى قاتل "داعشي" مهووس تحت اسم "ابو طلحة الألماني". والسلسلة تطول.

محاولة فهم الشخصية "الداعشية"

كثيرة هي الدراسات التي تناولت الأسباب الاجتماعية والنفسية التي دفعت بآلاف الشبان إلى الانخراط في التنظيمات المتشددة، لكن قلّة من الباحثين تطرقت إلى السلوك الإجرامي/ العنفي لدى هؤلاء، أو حاولت تحليل سيكولوجية العنف "الداعشي".

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تشخيص قدّمه رئيس "الجمعية النفسية العراقية" السابق قاسم حسين صالح لشخصية الإرهابي، باعتبارها "شخصية مركبة، تجمع في خصائصها بين خمس شخصيات مصنفة على أنها مضطربة (غير سوية)، وهي: الزورية، النرجسية، الوسواسية القهرية، الشخصية من النمط الفصامي، والشخصية المعادية للمجتمع".

كذلك، يمكن الإشارة إلى ما كتبه أستاذ علم النفس إيان روبرتسون  Ian Robertson في صحيفة "تلغراف" البريطانية، والذي تطرق إلى خمسة أسباب علمية وراء سلوكيات التوحش "الداعشي"، وهي: "الوحشية التي تجر وحشية" ومعها تتحوّل الضحية إلى جلاد، و"الانغماس في الجماعة" ومن خلالها تختفي الأنا تماماً تحت تأثير التنويم المغناطيسي الجماعي، والتعامل مع الآخر على أنه "شيء" (حيوان أو حتى جماد) لا نفس بشرية، بالإضافة إلى "الثأر الذي يحتل قيمة كبرى في الثقافة العربية"، وأخيراً دور "القادة" وقدرتهم على فرض "الطاعة" العمياء على "مريديهم".

الإنسان ذئب الإنسان!

لكن في علم النفس جوانب أخرى يمكن الركون إليها لتفسير قدرة الإنسان على قتل نفس بشرية، لا بل اللجوء إلى أكثر الطرق وحشية في القتل.

في دراسته الشهيرة "قلق في الحضارة"، كتب سيغموند فرويد أن "الإنسان ليس بذلك الكائن الطيب السمح، ذا القلب الظمآن إلى الحب، والذي يزعم البعض أنه لا يدافع عن نفسه ما لم يهاجم. بل هو على العكس، كائن تنطوي معطياته الغريزية على قدر لا يستهان به من العدوانية، وبالتالي فإن القريب بالنسبة إليه ليس مجرّد مساعد وموضوع جنسي ممكنين، بل أيضاً موضوع إغراء وإغواء، وبالفعل فإن الإنسان ينزع إلى تلبية حاجاته العدوانية على حساب قريبه، واستغلال عمله بلا تعويض، واستعماله جنسياً دون مشيئته، ووضع اليد على أملاكه وإذلاله، وإنزال الآلام به وإضطهاده وقتله".

وفي ما يؤكد مقولة فرويد، يمكن استحضار الاختبار الذي قامت به الممثلة الصربية مارينا أبراموفيتش Marina Abramović في العام 1974، حين  نزعت حاجز خشبة المسرح بغرض التواصل المباشر مع جمهورها، فوقفت من دون حراك في الشارع خلف منضدة وُضعت عليها ورود وريش وأدوات حادة ومسدس وأشياء أخرى: بدأ الأمر بالمشاهدة، ثم تطور إلى تمزيق ملابسها، والتحرش بها، وغرز أشواك الورود في جلدها، إلى أن وضع أحدهم فوهة المسدس في رأسها مهدداً بقتلها!

ولكن لماذا يتبدّى السلوك العنفي بهذه الدرجة من الوحشية لدى "الدواعش" بالذات؟ إذا سلمنا جدلاً بصحة مقولة فرويد عن الكائن البشري، يمكن القول إن ثمة نزعة تدميرية كامنة في طبيعة الإنسان، خصوصاً في غياب الوازع أو عجز الضحية (فرداً كان أم مجتمعاً) عن ممارسة أشكال الدفاع عن النفس، وهو ما يظهره اختبار أبراموفيتش، التي كادت تقتل لولا تدخل أحد المارة وانتزاعه المسدس من يد حامله. فاولئك الذين هاجموا الممثلة الصربية لاذوا بالفرار حين تحركت وتخلت عن سلبيتها، وهو ما  يمكن اسقاطه على البيئة التي ينشط فيها "داعش" وأخواته، والتي يغيب فيها الوازع (أجهزة الدولة بالمعنى الحديث).

إيديولوجيا العنف

لعل ما سبق يفسر ما كتبه كولسون ويلسون في كتابه "التاريخ الاجرامي للجنس البشري" بأن "البشر لا يحتاجون إلى إيديولوجيا شريرة أو سيئة لدفعهم لارتكاب سلوك غير إنساني، لأن هذه المشاعر تسيطر علينا بسهولة ومن دون أي إيديولوجية"، ولكن ذلك لا يجيب عن سؤال جوهري هو: لماذا لا يبلغ السلوك غير الإنساني هذا المستوى من الوحشية في بيئات أخرى شهدت أشكالاً مشابهة من الفوضى وغياب الوازع؟

ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال عند إريك فروم، المحلل النفسي والفيلسوف الإنساني، الذي فسر السلوك التدميري الكامن في طبيعة الإنسان على أنه "في الغالب حصيلة دوافع ونزعات ليست طبيعية بالضرورة، بل مرتبطة بشكل وثيق بالممارسات والشعائر والطقوس الدينية".

وانطلاقاً من ذلك يمكن الإضاءة على الحالة "الداعشية" من خلال استحضار "إيديولوجيا التوحش"، التي كرّسها اشخاص كأبي مصعب الزرقاوي، الذي عزز "سنّة الذبح"، وأستاذه أبي عبد الله المهاجر الذي افتى بأن القتل بقطع الرأس "محبوب لله رسوله"، والمنظر البارز في تنظيم "القاعدة" أبي بكر ناجي الذي دعا إلى "تصفية الرهائن بصورة مروّعة".

ولعل في جعبة بعض فقهاء الإسلام ما يكفي من الفتاوى لجعل الفرد "الداعشي" مؤمناً بأن ما يقوم به "أمر إلهي" و"تطبيق لشرع الله"، وهو ما يمكن تلمّسه من فيديوهات الإعدامات المتعددة، التي كثيراً ما تستهل أو تختتم بآيات من القرآن الكريم أو الأحاديث النبويّة، التي يفسّرها المتشددون انطلاقاً من فهمهم الخاص للشريعة الإسلامية، محوّلين الدين إلى شيطان يطلق العنان لغريزة العنف الكامنة في الطبيعة البشرية لكي تحلق في أعلى درجاتها.

ولا يتعلق الأمر هنا بمقولة "الدين أفيون الشعوب" التي استخدمها كارل ماركس في معرض حديثه عن استغلال الرأسمالية للدين بغرض تخدير الكادحين، بقدر ما يرتبط بخليط بيوكيميائي على غرار حبوب الهلوسة، وهو خليط ناتج، بحسب إيان روبرتسون، مما يثيره الانتماء إلى جماعة على شاكلة "الدولة الاسلامية" من إفراز لهرمون "أوكسيتوسين" مع كميات أكبر من هرمون "تِستوستِرون"، التي يفوق فعلها فعل الكوكايين والكحول، على نحو يقود إلى نزعة قوية لشيطنة الجماعة المخالفة والعمل على إذلالها، وما يجعل ذبح أفرادها أو حرقهم أمراً طبيعياً.

لعل ما يجري اليوم يدفعنا إلى استحضار التاريخ، وتحديداً ما قاله غاندي لجواهر لال نهرو إبان حركة العصيان في العام 1922. يومذاك تحفظ نهرو عن دعوة غاندي إلى وقف التظاهرات فيما الشعب الهندي على قاب قوسين أو أدنى من طرد البريطانيين، فأجاب المهاتما: ليس المهم طرد بريطانيا بل طرد الشيطان من قلوبكم. بعد ما يقارب القرن على تلك الواقعة، يبدو أن ثمة من يريد تمكين الشيطان، ولكن هذه المرّة من خلال الدين.

وسام متّى

صحافي لبناني، يحمل إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية، متخصص في الشؤون العربية والدولية والحركات الإسلامية.

التعليقات

المقال التالي