"الدولة الإسلامية" تتمدد إلى ليبيا، بوابة المغرب العربي

"الدولة الإسلامية" تتمدد إلى ليبيا، بوابة المغرب العربي

"لمن بعدت عليه الطريق وصعب عليه الوصول إلى الشام سارِع للهجرة إلى ليبيا". هذه تغريدة نشرها أحد المتشددين إلى جانب وسم #الهجرة_إلى_الدولة_في_ليبيا الذي انتشر، منذ الثالث عشر من يناير الماضي، عبر حسابات "الجهاديين" على تويتر. وهي دعوة تنبئ برغبة تنظيم داعش في فتح جبهة جديدة بعيداً عن سوريا والعراق.

كثرة التغريدات التي استخدمت الوسم المذكور تطرح الكثير من التساؤلات حول طموحات داعش في ليبيا. بعضها سعى إلى إغراء "المجاهدين" بـ"الهجرة" إلى ليبيا بالقول: "يا أهل المغرب والجزائر وتونس هاجروا للجهاد بليبيا ففيها الخير الكثير"، وبعضها الآخر سعى لإرشادهم إلى طرق "الهجرة" تلك ("أسهل طريق للإخوة من تونس: اخرج إلى معبر راس أجدير لتدخل من دون تأشيرة، أو عن طريق غدامس ومنها إلى سرت"). وتحدث المغردون عن الأهمية الإستراتيجية لليبيا باعتبارها "الطريق إلى الأندلس الكسيرة وبلاط الشهداء على مشارف باريس ثم من بعدها أرض الجرمان وصولاً إلى الفاتيكان"، والسبيل إلى "تخفيف الضغط على الدولة (الإسلامية) في الشام والعراق".

اعلان


قبول "البيعات"

ثمة مؤشرات عدّة تبيّن أن التنظيم المتشدد ينظر إلى ليبيا باعتبارها موطئ قدم للتمدد في شمال أفريقيا ومنها إلى روما والاندلس. أولى الإشارات أتت على لسان "الخليفة" أبي بكر البغدادي نفسه، وذلك في تسجيل صوتي بعنوان "ولو كره الكارهون"، نشرته مواقع ومنتديات جهادية في الثالث عشر من نوفمبر الماضي، وكان الهدف منه تكذيب معلومات بشأن مقتله في غارة قرب الموصل.

في هذ الشريط الصوتي، قال البغدادي: "نبشركم بإعلان تمدد الدولة الإسلامية إلى بلدان جديدة، إلى بلاد الحرمين واليمن، وإلى مصر وليبيا والجزائر، ونعلن قبول بيعة من بايعنا من إخواننا في تلك البلدان، وإلغاء أسماء الجماعات فيها، وإعلان ولايات جديدة للدولة الإسلامية وتعيين ولاة عليها، وكما نعلن قبول بيعة من بايعنا من الجماعات والأفراد في جميع تلك الولايات المذكورة وغيرها، نطلب من كل فرد اللحاق بأقرب ولاية إليه، وعليه السمع والطاعة لواليها المكلف من قبلنا".

وفي ما بدا تأكيداً لكلام البغدادي عن البيعات، نشر "المكتب الإعلامي في ولاية برقة" صوراً لملتقى بعنوان "خلافة على منهاج النبوة" كان قد أقيم في مدينة درنة في الأول من نوفمبر، أي قبل أسبوعين من تسجيل البغدادي، وأرفقها بتعليق جاء فيه: "لقد قام إخوانكم في الدولة الإسلامية بإقامة هذا الملتقى ليكسر الحاجز بين الدولة الإسلامية والمسلمين". كذلك، راحت منتديات جهادية تنشر صوراً لمقاتلين من التنظيم في إحدى مدن غرب ليبيا بعنوان "آساد الخلافة في ولاية طرابلس".

هذه البيعات لم تأت بين ليلة وضحاها، فالأنباء التي كانت ترد من الشرق الليبي، سواء من مصادر محلية أو عبر تسريبات استخباراتية لوسائل الإعلام المصرية، أفادت بأن الجماعات الإسلامية الأكثر تشدداً تمكنت من فرض سيطرتها على درنة، مستفيدة من الفراغ الأمني.

وقبل أشهر من "البيعة" العلنية في طبرق، كان متابعو المنتديات الجهادية يرصدون "بيعات" مباشرة وغير مباشرة من قبل تنظيمات ليبية مرتبطة بتنظيم "القاعدة" تؤكد فيها انضواءها تحت راية "الدولة الإسلامية"، وأبرزها "كتيبة البتار"، و"كتيبة ابي محجن الطائفي"، و"مجلس شورى شباب الإسلام" في درنة الذي رسم شعار داعش على شاحناته العسكرية منذ أبريل 2014، وأنشأ "محكمة شرعية" وشرطة دينية أخذت على عاتقها "تطبيق الحدود الشرعية" بدءاً بـ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وصولاً إلى هدم الأضرحة الصوفية التاريخية.

من درودكال إلى البغدادي

يعيد ظهور داعش في ليبيا بهذا الشكل التذكير بما جرى في سوريا والعراق خلال العامين الماضيين. ومعروف أن ليبيا تحولت منذ سقوط القذافي إلى "دولة ميليشيات" تشير التقديرات إلى أن عددها يناهز الـ7000، وتتوزع بين أمراء الحرب القبليين والإسلاميين المعتدلين والإسلاميين المتشدّدين.

ويأتي هذا الانتشار السرطاني للميليشيات في ظل دولة مفككة، وجيش عاجز، وانقسام سياسي حاد يتمثل في وجود برلمانين وحكومتين في طبرق شرقاً وطرابلس غرباً، في ما يشبه إلى حد كبير التشرذم الذي عرفه العراق وشكّل أرضية مناسبة لانتقال آلاف الجهاديين من جبهات القتال العالمية إلى بلاد الرافدين.

كذلك، فإن توسّع دائرة "البيعات" للبغدادي من جانب المجموعات الليبية المتطرّفة، وتراجع نفوذ أمير "القاعدة" عبد المالك درودكال (أبو مصعب عبد الودود) يعيد التذكير بما سمّي "الفتنة الجهادية" في سوريا في العام 2013، والتي أفضت إلى انشقاق أعداد كبيرة من "الجهاديين" عن تنظيم "جبهة النصرة" الموالية لـ"القاعدة"، وانضمامهم إلى تنظيم داعش.

بوابة إستراتيجية

ويبدو من المعطيات الميدانية أن فرع داعش الليبي يمثل مشروعاً إستراتيجياً لـ"الدولة الاسلامية". وفي ميدان القتال، لا تختلف أساليب التنظيم في ليبيا عنها في سوريا والعراق، إن من حيث طبيعة العمليات (قتال مباشر)، أو من حيث خطة الانتشار (السيطرة على إقليم والتمدد منه نحو الأقاليم المجاورة)، أو في ما خصّ الأهداف العسكرية (حقول النفط بشكل خاص)، واستخدام الآلة الإعلامية في الحرب النفسية.

وفي الجانب الميداني ايضاً يمكن الاشارة إلى عنصرين يؤكدان الترابط الإستراتيجي بين الفرع الليبي والتنظيم الأم. فقد كان لافتاً تزامن الهجوم على فندق "كورنثيا" في طرابلس، يوم 28 يناير الثاني الماضي، مع تزايد الضغط على داعش في سوريا والعراق، في ظل تصاعد الضربات الجوية الغربية والانتصارات الميدانية التي حققها الأكراد في كوباني والجيش العراقي وقوات "الحشد الشعبي" في ديالى.

كذلك، يبدو مثيراً للانتباه سعي داعش ليبيا إلى التمدد نحو الساحل، وتحديداً إلى المرافئ النفطية، علماً أن الوصول إلى سواحل المتوسط يسمح للتنظيم المتشدد بتحقيق هدفين إستراتيجيين: تصدير النفط وإرسال جهاديين إلى أوروبا التي لا تبعد عن الشاطئ الليبي سوى 300 كيلومتر.

وعلى المستوى النظري، ثمة وثائق عدّة تكشف الأهمية الإستراتيجية لربط ليبيا بـ"دولة الخلافة". وبالرغم من أن معظم تلك الوثائق تندرج في إطار سجالات "فقهية" تتمحور حول "البيعة" و"الخلافة" و"الفتنة الجهادية"، عاكسة انتقال التنافس الحاد بين "الدولة الإسلامية" وتنظيم "القاعدة" إلى "ساحات الجهاد" الليبية، فإن ثمة وثيقتين بالغتي الأهمية تساعدان على التعرف على إستراتيجية التنظيم في ليبيا، وهما لقيادي "جهادي" يعرف باسم أبو إرحيّم الليبي.

الوثيقة الأولى، انتشرت بعد تسجيل البغدادي المذكور، وتحمل عنوان "أرض الخلافة في ليبيا بين دعوات الهجرة وتحديات الواقع". ويقول فيها أبو إرحيم إن "الإخوة الموحدين في تونس وكامل المغرب الإسلامي وجنوب الصحراء يترقبون ويسألون عن الطريق نحو دولة الخلافة ونصرتها"، ويشير إلى معوقات تواجه تلك "الهجرة"، ومن بينها "عدم وجود طريق مؤمنة" فضلاً عن افتقاد "المجاهدين" في ليبيا إلى الخبرات العسكرية والتمويل.

ولهذا يقترح أبو إرحيم على "الدولة الإسلامية" إرسال "منسقين" إلى بلاد "المغرب الإسلامي" على أن يكونوا من "المجاهدين الثقات المرابطين في الشام"، وتكون مهمتهم "وضع خطوات واضحة للمهاجرين يسيرون عليها حتى يصلوا إلى بر الامان" وترتيب إقامتهم في "ولاية برقة" وتوزيعهم بحسب الحاجة. كما يقترح على "اولي الأمر والمشورة في دولة الخلافة" إرسال دعم مالي لـ"مجاهدي" ليبيا، خصوصاً أن "السلاح متوفر وبكثرة، ولكنه يحتاج إلى أموال لشرائه".

كذلك تكشف الوثيقة عن خطوط عريضة يمكن أن تكون نواة خطة داعش للانتشار في ليبيا، وتشمل "البدء في بناء معسكرات تدريب ومساكن إيواء استعداداً لاستقبال المهاجرين، والبدء في إعداد خطط مستقبلية للتوسع لكامل ولاية برقة ثم طرابلس"، و"ضرورة تأمين الطرق الحيوية والموارد المائية والنفطية".

ويشير أبو إرحيم إلى أن المنفذ الجنوبي الصحراوي في ولاية فزان هو "الطريق الأفضل والأسهل لتحركات المجاهدين فيجب التركيز عليها والتمدد باتجاهها، ففيها النفط ومياه الواحات"، مقترحاً على الجهاديين في برقة "تأمين كامل الطريق الصحراوي (الجنوب الليبي)، وتخصيصه كنقطة تجمع وطريق آمن للمهاجرين بديلاً عن الطريق الرئيسي (الساحلي)"، و"إنشاء نقاط تمركز محددة على الطريق الصحراوي، مهمتها تسلّم وتسليم ومساعدة الأخوة المهاجرين"، على أن تكون تلك النقاط "متحركة أو على حسب الإتفاق والتنسيق".

أما الوثيقة الثانية، وهي الأهم، فقد نشرها أبو إرحيم قبل ساعات من الهجوم على فندق "كورنثيا"، وتحمل عنوان "ليبيا البوابة الإستراتيجية للدولة الإسلامية"، وفيها يشرح "العوامل التي تسهّل تمدد الدولة الإسلامية إلى ليبيا"، مشيراً إلى "تناغم المكونات الاجتماعية"، وكون 99 في المئة من الليبيين "ينتمون إلى أهل السنة المالكية، عدا أقلية أباظية".

ويضيء أبو إرحيم في هذه الوثيقة على الأهمية الجغرافية لليبيا فهي "تطل على بحر وصحراء وجبال، وعلى ست دول (مصر، السودان، تشاد، النيجر، الجزائر، تونس)، فضلاً عن أنها ذات ساحل طويل ومطل على دول الجنوب الصليبي، والتي يمكن الوصول لها بسهولة عن طريق الزوراق البسيطة"، و"مفتاح مصر وتونس والسودان ومالي والجزائر والنيجر"، و"نقطة ارتكاز للتمدد نحو أفريقيا والمغرب الإسلامي"، مركزاً على أهميتها في تأمين "اتصال أراضي الخلافة في الشام والعراق والحجاز مع المغرب الإسلامي".

وللدلالة على أهمية القرب الجغرافي بين ليبيا وأوروبا، يشير أبو إرحيم إلى "كثرة الرحلات لما يسمّى الهجرة غير الشرعية في هذا الساحل، وبأعداد مهولة"، مضيفاً أنه "إذا تم استغلال هذه الجزئية وتطويرها إستراتيجياً بالشكل المطلوب، فسيقلب حال دويلات الجنوب الأوروبي للجحيم، وإذا توفرت الإمكانات، يمكن إقفال الخط الملاحي واستهداف سفن الصليبيين وناقلاتهم".

رغم كل هذه المخاطر، ظل المجتمع الدولي "يراقب عن كثب" ما يجري في ليبيا، وراحت الحكومات الغربية تتعاطى باستخفاف مع المعلومات الواردة من درنة وغيرها من مناطق ليبيا، بذريعة أن أعداد الجهاديين هناك ما زالت محدودة. اليوم، يبدو أن سيناريو المشرق ذاته يتكرر في المغرب العربي.

وسام متّى

صحافي لبناني، يحمل إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية، متخصص في الشؤون العربية والدولية والحركات الإسلامية.

التعليقات

المقال التالي