دليل مبسّط للتعرف على السياسة في الجزائر

دليل مبسّط للتعرف على السياسة في الجزائر

في ذروة ثورات الربيع العربي التي أطاحت الرئيسين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك، اتجهت الأنظار صوب الجزائر التي كانت خارجة للتوّ من صراع دام نحو عشرين سنة بين الجيش والإسلاميين. كيف تأقلم النظام الحاكم مع المتغيرات المتسارعة في محيط الجزائر الإقليمي؟ وما هي طبيعة هذا النظام الذي لم تهزه ثورات "الربيع العربي"؟

 السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - متى ظهرت؟

الجزائر أكبر بلد افريقي وعربي مساحةً، كيان سياسي لم يظهر للوجود إلا عام 1962، بعد استقلالها عن فرنسا. ثورة الجزائر على الاستعمار الفرنسي بدأت في نوفمبر 1954، وصارت نموذجاً للعديد من حركات التحرّر في العالم العربي. عرفت الجزائر حكم الحزب الواحد إلى أن شهدت التعددية السياسية بعد أحداث أكتوبر 1988 التي تسمّى "الربيع الجزائري".

 السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - سلطة العسكر

دشن هواري بومدين الذي لا يزال شعبياً لدى البسطاء من الشعب والمنتفعين من النظام، عقوداً من سيطرة العسكر على السياسة في الجزائر، بانقلاب قام به في 19 يونيو 1965 على الرئيس الأول أحمد بن بلة وصفه بالتصحيح الثوري. بقي الحكم بيد فئة صغيرة حتى وفاة بومدين في نهاية عام 1978، فجاء الشاذلي بن جديد، الذي حاول إحداث بعض التغيير وأفرج عن الرئيس بن بلة الذي قاد المعارضة من الخارج. وكان بومدين قد قضى على عدد من الخصوم في عمليات اغتيال لا يزال الجدل قائماً حولها إلى اليوم.

 السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - التعددية

تماهياً مع ما حدث في دول أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين أقّرّت الجزائر دستوراً جديداً في 1989 سمح للأحزاب والنقابات الحرّة بالوجود، ونظمّت أوّل انتخابات محلية بلدية وولائية في أبريل 1990 نالت فيها "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" الغالبية، وعرفت البلاد حريّة التعبير لأوّل مرة. توصف تلك الأحداث بأنّها ربيع الجزائر الذي سبق بربع قرن ثورات "الربيع العربي" في تونس و مصر واليمن.

بقيت أحزاب إسلامية على الساحة بعد حظر نشاط "الجبهة الاسلامية للإنقاذ" عام 1992 وسجن قياداتها. وقد تأرجح بعضها بين القرب من الحكومة والمعارضة. وهناك جماعات غير منظّمة بعضها سلفي مهادن وبعضها الآخر عنيف. كذلك هنالك عناصر من تنظيمات مسلحة مرتبطة بالقاعدة في الصحراء مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي يقوده عبد المالك دروكدال ومنطقة نفوذه جبلية شرق العاصمة، وللتنظيم كتائب في الصحراء، عابرة للحدود يمتدّ نشاطها إلى شمال مالي والنيجر وجنوب ليبيا.

السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - الرئيس الجزائري

الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة جدّد لنفسه سنة 2004 وعدّل الدستور سنة 2008 ليبقى في سدّة الحكم مدّة إضافية. ترشّح رغم مرضه قبل نهاية ولايته الثالثة مع بداية العام الماضي وحصل على ولاية رابعة، رغم اقتراحه تعديلاً للدستور يتضمّن العودة إلى تحديد مدّة تولّي الرئاسة بولايتين لا أكثر.

لكن طبيعة نظام الحكم في الجزائر لا تجعل الرئيس يحكم فعلياً بمفرده، إذ يسير حتى اليوم تقليد الإجماع الوطني السياسي الموروث عن حرب التحرير. لا سلطة فعلية للبرلمان ولا للحكومة كذلك في صناعة القرار السياسي، بل هنالك ما يسمّى "العلبة السوداء" وهي مؤلّفة من كبار جنرالات الجيش النافذين، وبعضهم متقاعدون. لهذه "العلبة السوداء" امتداد في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية التي تقوم على مبدأ القيادة الجماعية وتراعي التوازن بين مناطق البلاد، وهي ليست مجلس أعيان ولا وجود رسمياً لها. بعد اتّخاذ القرار، يروّج له في صفوف الشعب، عناصرُ الواجهة السياسية من رئيس ووزراء وأحزاب.

السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - العائلات السياسية

السياسة في الجزائر تصنعها ثلاث عائلات: المتحكمون من أنصار الشرعية الثورية من "جبهة التحرير" و"التجمّع الديمقراطي". الإسلاميون من إخوان تقودهم "حركة مجتمع السلم" وقد تعرّضت لهزّات وعرفت انشقاقات وإسلاميين محليين جزائريين من أمثال حركة جاب الله التي فرخت عدداً من الأحزاب على مر الأزمات التي عصفت بها. بالإضافة إلى الديمقراطيين من أنصار العلمانية وفصل الدين عن الدولة ومن بينهم الحزب التروتسكي الوحيد في العالم العربي الذي تقوده امرأة هي لويزة حنون. تعج الساحة الجزائرية بـ64 حزباً سياسياً لا وجود لغالبيتها إلّا على الورق في ملفات وزارة الداخلية.

 السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - الإسلاميون الجزائريون

زاد نفوذ الإسلاميين في ظلّ الحرية الطارئة واكتسحوا الساحة تعبيراً عن غضب الشعب من الحكم المتسلّط لجهاز جبهة التحرير الوطني، وكان فوزهم بالدور الأول من الانتخابات البرلمانية في 26 ديسمبر 1991 مؤشّراً على تغيير جذري قد يحدث لأول مرة في دول شمال أفريقيا، فسارع الجنرالات وبعض التيارات السياسية إلى طلب وقف المسار الانتخابي و"إنقاذ الجمهورية" وعزل الجيش الرئيس الشاذلي في 11 يناير 1992 ودخلت البلاد مرحلة عدم استقرار سمّيت "العشرية السوداء".

 السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - المصالحة

عقد اتفاق بين الجيش وعناصر من فصيل إسلاميين مسلحين يحمل اسم "الجيش الإسلامي للإنقاذ" في سنة 1998 بوضع السلاح، وبقيت جماعات إسلامية أخرى أكثر تشدداً ترفض الهدنة، قام الجيش بتشديد الخناق عليها. وقد أُقرّ ما يسمّى "ميثاق السلم والمصالحة الوطنية"، الذي أنهى سنوات من الاقتتال بين السلطة والاسلاميين، ونزل العشرات منهم من الجبال، بعضهم تلقى تعويضات مالية، فيما لا يزال بعضهم الآخر يطالب بتنفيذ جميع بنود الاتفاق. يطالب الضحايا من الطرفين بإعادة الاعتبار إليهم ويصفون المصالحة بأنها عرجاء لأنّها تمت من دون محاسبة المتسببين في المأساة الوطنية ومعاقبة القتلة.

 السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - المعارضة

بعد انتخابات 17 أبريل الماضي وحصول الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة على ولاية رابعة بمجموع أصوات بلغ 81.53 في المئة، لم تعد المعارضة حكراً على بعض الإسلاميين ولا على العلمانيين المتطرفين. لأول مرة اجتمع فرقاء سياسيون، كانوا على النقيض، مثل التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية "أرسيدي" وشيوخ الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظور نشاطها رسمياً، وظهر ما يسمّى بقطب التغيير وفيه ثلاثة رؤساء حكومات سابقين (حمروش، بن بيتور، بن فليس) وعدد من الأحزاب العلمانية والإسلامية، ينادون جميعهم بالتغيير لكنهم يختلفون على كيفية تحقيق ذلك.

ما يجمع المتناقضات السياسية في معارضة الجزائر الجديدة هو معاداتها أسلوب وطريقة حكم فريق الرئيس المريض بوتفليقة. ترى المعارضة أن جماعة بوتفليقة، وهي خليط من أحزاب وطنية وعلمانية وإسلامية بسطت يدها على كل شيء وقلّصت نفوذ العسكر، إلى حدّ غير مسبوق. كذلك تسعى المعارضة للضغط عبر وسائل إعلام خاصة، تُموّل بطريقة غامضة، ولديها قنوات اتصال بالشركاء الأوروبيين للجزائر، وخصوصاً فرنسا.

السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - ثورة أخرى

تحاشت الجزائر حدوث عمليات تغيير عبر تظاهرات الشوارع مثلما حدث في تونس ومصر واليمن ورأت في انهيار نظام القذافي، خطراً محدقاً فألغت العمل بحالة الطوارئ في مطلع 2011، التي كانت سارية المفعول منذ توقيف المسار الانتخابي قبل ذلك بعشرين عاماً، وتراخت قبضة الأمن على الحياة العامة وفسح المجال لحرية الإنتقاد. باشر بعض كبار المسؤولون كذلك بتوجيه نقد لاذع لطريقة عمل الحكومة، في مسعى لامتصاص الغضب. لكن جراح 20 سنة من الدم والحرب الأهلية غير المعلنة تبقى الحامي الأكبر للنظام من هزات شعبية، ويرفض غالبية الجزائريين أطروحات الربيع العربي لأنهم يرونها مؤامرة تستهدف إضعاف الدول العربية. زاد يقينهم بذلك مع تعثر المسار السياسي في مصر وتدهور الوضع في تونس المجاورة، ويتابعون بإهتمام نشوء ونشاط الجماعات المسلحة الجهادية في تونس وليبيا المجاورتين وكأنهم يتفرجون على مسلسل سبق لهم أن شاهدوه يدور في وطنهم.

 السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - علاقات الجزائر

للجزائر في محيطها العربي الإفريقي علاقات طبيعية مع جيرانها، لكن علاقاتها مع المملكة المغربية يطبعها التشنّج، والتنافس الحادّ. ينفق البلدان مبالغ كبيرة في سباق تسلّح محموم، ولكل منها نظرته النرجسية التي يريد من خلالها لعب دور مركز الثقل في المنطقة. يتهم المغرب الجزائر بأن لها نزعة "بروسية" في إشارة إلى بداية نشأة ألمانيا الحديثة، المرتكزة على القوّة العسكرية الضاربة، وتتهم الجزائر جارتها الغربية بأنّها قوّة احتلال شنيعة لا تزال تحتلّ آخر مستعمرة في أفريقيا بدعم من حليفتها الاستراتيجية فرنسا.

تدعم الجزائر جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب "بوليساريو" وهي الحركة التي قادت حراكاً مسلحاً من أجل تحرير الصحراء الغربية، منذ 1975 وقبلت وقف إطلاق النار بشرط تسوية المسألة الصحراوية على يد الأمم المتحدة. لا يزال هذا المسار متعثراً وفي كل كبوة تتهم الجزائر المغرب بعرقلة التسوية ويتهم المغرب الجزائر بأن لها مطامع في الحصول على منفذ على المحيط الأطلسي قريباً من صحرائها الغنية بالنفط والثروات المنجمية. ورثت الجزائر والرباط هذا الصراع من أيام الحرب الباردة حينما كان لموسكو موطىء قدم في قاعدة مرسى الكبير غرب الجزائر وكان لحلف "الناتو" قواعد في المغرب.

السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - ديمغرافية

سكان الجزائر البالغ عددهم 34 مليوناً أمازيغ الأصل في غالبيتهم، يتحدثون اليوم اللغة العربية بلهجات محلية مختلفة بين مناطق الشرق والغرب والجنوب، وفي منطقة القبائل قرب العاصمة وفي الأوراس بالشرق ووادي ميزاب وسط الصحراء وفي أقصى الجنوب بالهقار، لا يزال الناس يتحدثون لغتهم الأصلية الأمازيغية، باختلافات بسيطة بينها. تسمّى لهجاتهم القبائلية الشاوية والميزابية والترقية وهناك قليل من الشلحية في الغرب والحسانية في الجنوب الغربي. تعود أصول العديد من السكان إلى قبائل عربية هاجرت من الشرق الأوسط قبل قرون، من بني هلال وقبائل سليم وغيرها، وقد امتزج سكان الجزائر على مرّ العصور بالوافدين على بلادهم وتشكلت أجيال هجينة من شتّى الأعراق ومنهم النازحون من إسبانيا بعد سقوط الأندلس، والقادمون من أوروبا في بداية القرن التاسع عشر وأقلية يهودية في بعض المدن تعيش متخفية.

 السياسة في الجزائر .. دليل مبسط للتعرف على السياسة في الجزائر - الحركة الاقتصادية

اقتصاد الجزائر يقوم أساساً على تصدير المحروقات من بترول وغاز طبيعي وقد تم الكشف أخيراً عن مخزونات من الغاز الصخري تضع الجزائر في المرتبة الثالثة عالمياً بعد الصين والأرجنتين من حيث مخزونات تلك الطاقة غير التقليدية. ويدور حالياً جدل كبير حول جدوى استغلالها. هناك كذلك صناعات تحويلية وصناعات إلكترونية وقطاع زراعي لا يزال تقليدياً في غالبيته. معروف أن الجزائر تتمتّع اليوم برخاء مالي، بعد بلوغ احتياطاتها من العملة الأجنبية مئتي مليار دولار أمريكي.

التعليقات

المقال التالي