ما هي حدود حرية الفضائيات العربية؟

ما هي حدود حرية الفضائيات العربية؟

وصل عدد الفضائيات الإخبارية المتحدثة بالعربية إلى العشرات. كل هذه القنوات تعرّف عن نفسها بأنها قنوات مستقلة. فهل هذه الظاهرة تدلّ على ارتفاع سقف الحرية في البلدان العربية؟ هل هبّت على هذه البلدان رياح حرية التعبير بعد عقود من خنق الحريات؟

بدأت سوق الفضائيات الإخبارية العربية مطلع التسعينيات من القرن الماضي، مع إطلاق قناة مركز تلفزيون الشرق الأوسط (mbc). وبعد هذه القناة التي راح يتابعها العرب من الشرق إلى الغرب مجاناً عبر الأقمار الصناعية، تأسست، عام 1996، قناة الجزيرة الإخبارية القطرية. وفي وقت لاحق انبثقت قناة العربية الإخبارية من مجموعة أم بي سي لتنافس الجزيرة وتسوّق للسياسات السعودية في العالم العربي.

خطفت الجزيرة الأضواء من الجميع منذ اللقاء الذي استضافت فيه زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عام 2001، قبل أحداث 11 سبتمبر، لتصير القناة الإخبارية العربية الأولى وتمتعت بقدر كبير من الاستقلالية والمصداقية. لذلك، حين تأسست قناة العربية، لم تستطع استقطاب إلا قلّة من مشاهدي الجزيرة واستمر الحال كذلك حتى انطلاقة الربيع العربي.

هكذا، راح يتوالى ظهور الإخباريات الفضائية وأهمها حالياً إضافة إلى الأم بي سي والجزيرة والعربية، "الحرة" من واشنطن، "سكاي نيوز" من أبو ظبي، "روسيا اليوم" من موسكو، "فرانس 24" من باريس، "الميادين" من بيروت، "البي بي سي" من لندن، وأخيراً انضمت إلى هذا العالم قناتا "العربي الجديد" من لندن و"العرب" من المنامة قبل أن يتم إيقاف القناة الأخيرة بشكل تام من قبل السلطات البحرينية.

وقال الإعلامي العماني محمد اليحيائي لرصيف22 إن "تعدد القنوات الفضائية، ووسائط التعبير ساعد على توسيع قنوات الحصول على الأخبار والمعلومات. واعتبرت نوعاً ما متنفساً للحريات وتحديداً حرية التعبير، وخصوصاً تلك الفضائيات العابرة للدول والتي شكلت تحولاً مهماً سمح للمواطن العربي بالحصول على المعلومات بعيداً عن الصبغة الحكومية والقنوات الأرضية الرسمية التي تسيطر عليها الحكومات دائماً. كما جاء الإنترنت ليسمح للجميع بالوصول إلى المعلومة بشكل حر وسلس بعد أن كان يتم التحكّم بكل مصادر المعلومات".

ولكن اليحيائي يلفت إلى أن "الحكومات الخليجية طورت أدواتها القانونية ووسائل المراقبة خاصةً في ما يتعلّق بالإنترنت، فبلغ الأمر محاكمتها مغردين ومدونين عبروا عن آرائهم". وبخصوص وقف بث قناة "العرب"، التي يموّلها الأمير السعودي الوليد بن طلال، علّق اليحيائي: "ما حدث في البحرين من إيقاف لقناة العرب، سببه الالتباس الحاصل حول مفهوم حرية التعبير على مستوى الفرد والمؤسسة في المنطقة. فحرية التعبير كثيراً ما تصطدم بالتابوهات الثلاثة (السياسة والدين والجنس)، وهذا لا يتشابه مع الحدود الموجودة في أوروبا حيث القوانين تعاقب من ينتهك شرط ممارسة الحرية بمسؤولية".

ويرى اليحيائي أن "على القنوات والصحافيين العاملين في منطقة الخليج أن يستوعبوا ويفهموا القوانين المحلية المنظمة للعمل الصحافي، وعليهم احترامها ما داموا يعملون تحت مظلة هذه القوانين ثم عليهم العمل سلمياً لتغيير وتطوير هذه القوانين دون اختراقها أو انتهاكها إلى أن يتم ذلك".

ويعتبر أن ما حدث لقناة العرب يأتي في هذا السياق، "فقد أختارت القناة أن تختبر السلطة التي منحتها وعوداً بمساحة من الحرية تتحرك فيها كقناة إخبارية موضوعية، فأتت بالرجل الثاني في المعارضة البحرينية (القيادي في جمعية الوفاق خليل مرزوق) ليظهر في نشرة الأخبار الأولى، لترد على كل من انتقدها قبل انطلاقتها وقال إنها لا تستطيع أن تكون على مسافة واحدة من الجميع كونها تبث من المنامة بأموال سعودية، ولتثبت أن باستطاعتها منافسة القنوات الأخرى، وهي محاولة ذكية ولكنها فشلت، فالسلطات في البحرين لم تمرر الموضوع ولم يكن متوقعاً أن تمرره أصلاً".

ويشير اليحيائي إلى أن "القناة ظهرت بصورة القناة المهنية ولكنها أخفقت في اختبار السلطة، ويبدو أن المفاوضات اليوم لم تتوصل إلى حل لإعادة بثها". ويؤكد أن "القنوات الإخبارية الأخرى، كالعربية وسكاي نيوز التزمتا بالتوجه الإماراتي في التعاطي مع عدد من المواضيع المحلية لأنها تبث من أرض الإمارات".

ويختتم اليحيائي: "الدول الخليجية استفادت من الفضائيات التي تأسست على أراضيها خلال العقدين الماضيين، وتطرقت إلى الشؤون الاقتصادية والسياحية وتبنّت وجهة نظر سياسية لا تتعارض مع ما تسمح به هذه الدول".

أما رئيس جمعية الصحفيين البحرينية، مؤنس المردي، فقال لرصيف22 إن مستوى حرية التعبير في البحرين متقدّم وإن الدستور يكفل هذا الحق، وتحدث عن "مناخ  يكفل حقوق الصحفيين في التعبير عن آرائهم بأمان واستقلالية. فالبحرين تشهد انفتاحاً إعلامياً منذ انطلاق المشروع الإصلاحي إذ تتمتع الصحف باستقلالية تامة وتتنوّع طروحاتها بشكل يترجم الحرية كممارسة واقعية".

وأشار المردي إلى أن "الصحافة البحرينية تمارس دورها دون رقابة مسبقة ودون وصاية"، لافتاً إلى أن "جلالة الملك أعطى ضمانة للصحافة والصحفيين عندما أكد أنه لا سجن لصحفي بسبب آرائه وطلب من السلطة التشريعية وضع قانون مستنير للصحافه والإعلام، إيماناً منه بدور الصحافة في تنمية المجتمع بوصفها أحد ركائز عملية الإصلاح".

ولكن المردي يؤكد أن "حرية التعبير لا تعني الفوضى أو خرق القانون، فالحرية المطلوبة هي الحرية المسؤولة التي لا تتعدى على الآخرين ولا تضر بالوطن ومصالحه، فالبحرين حققت مكاسب وخطوات إصلاحية كبيرة تستحق الإشادة والدفع بها قدماً".

أما الكاتب السعودي وليد سليس فقال لرصيف22: "إذا اقترنت التعددية الإعلامية بالحرية فستكون مصدر إثراء على المستويين الثقافي والسياسي وعنصراً فاعلاً ومؤثراً وستكون سلطة رابعة تحدث تغييراً حقيقياً في المجتمعات العربية وفي السلطات الثلاث". وأضاف: "هذا الأمر لا يتحقق في المجال الاعلامي العربي لأن معظم القنوات المؤثرة، والتي تستحوذ على العدد الأكبر من المشاهدين تابعة للنظام السياسي الذي يموّلها أو يدعمها، إضافة إلى محدودية الحريات المسموح بها".

واعتبر سليس أن كل ذلك ينتج إعلاماً "يقوم بتوجيه المشاهد نحو هدف معين وذلك لانعدام الخيارات الأخرى أي وجود قنوات حرة يمكنها أن تعمل في الوطن العربي دون تضييق"، ذاكراً ضغوط الممولين وعدم السماح للمراسلين بالعمل وصولاً إلى القيود التي قد يفرضها مالكو القمر الصناعي الذي تبث عبره هذه القنوات.

نزيهة سعيد

صحافية من البحرين، تكتب في مجال السياسة، الاقتصاد، الفن والقضايا الاجتماعية. تعمل في الصحافة المكتوبة، المرئية، المسموعة والإلكترونية. وهي حائزة على "جائزة يوهان فيليب لحرية التعبير والصحافة" للعام 2014.

كلمات مفتاحية
الـ22 الإعلام

التعليقات

المقال التالي