تحولات شخصيّة المتديّن المصري

تحولات شخصيّة المتديّن المصري

"الشعب المصري متدين بطبعه"، كلمة تسمعها كثيراً في المقاهي، والشوارع، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. ولكن شخصية المصري "المتدين بطبعه" أصابتها، في العقود الماضية، تحولات كثيرة وهزات كبيرة، قد تفضي في النهاية إلى تغيرها.

المتسولون في الشوارع يذكرونك بآيات قرآنية ليستدروا عطفك. لافتات مرشحي الانتخابات تتصدّرها آيات قرآنية. الأغنياء يحرصون على الإمساك بسبحة، وذكر كلمات دينية في ثنايا حواراتهم ليكسبوا ثقة من حولهم. التديّن المصري مستمر ولكن شكله يتغيّر باستمرار بفعل تغيّرات اجتماعية أبرزها الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، ثم بروز تيارات الإسلام السياسي، فثورة 25 يناير، وصولاً إلى تولي جماعة الإخوان المسلمين الحكم في أول انتخابات رئاسية بعد الثورة.

فترة الاعتدال والتسامح

تمثل مرحلة ما قبل الانفتاح الاقتصادي، الذي دشّنه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات في سبعينيات القرن المنصرم، أزمة للمتدينين المصريين ممّن يغلب التشدد على طباعهم حالياً. ففي تلك الفترة نلحظ تناغماً عجيباً بين الخمّارة والجامع، بين الاستمتاع بالحياة والالتزام بالشعائر الدينية.

وتُظهر الصور المنشورة في الصحف آنذاك قدراً كبيراً من الاعتدال والتسامح لدى المتديّنين. من نهاية عهد الملكية مروراً بحقبة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر وصولاً إلى بداية عهد أنور السادات، نلاحظ أن زوجات وبنات مشايخ كثيرين لم يكنّ يضعن الحجاب. حتى حسن البنا نفسه، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، له صورة مع إبنتيه تُظهر إحداهن شابة لا ترتدي الحجاب. وهذا يُخالف سلوك الإخوان الآن بإلزام بناتهم بارتداء الحجاب منذ مراحل عمرية مبكرة.

تروي فاطمة، وهي امرأة ستينية عاشت طفولتها وشبابها في طنطا، المدينة الواقعة في غرب الدلتا، لرصيف22 أنها عندما كانت طفلة كان طلبة الأزهر جميعاً يرتدون الزي الرسمي المؤلف من "الجبة" و "القفطان"، وأنها كانت تهتف هي وأصدقاء الطفولة ساخرين منهم: "شد العمة شد، تحت العمة قرد".

وتتذكر فاطمة ارتياد والدها الذي يشبه شخصية "سي السيد" للمقاهي آنذاك وتقول: "كان في المقاهي راقصات. وبرغم التزام والدي الديني بالصلاة، كان يرتاد تلك المقاهي، ويغازل الغوازي، وكان منضبطاً في التزاماته العائلية، ولكنه أيضاً كان يرفّه عن نفسه".

بداية الانغلاق الديني

في الفترة التي يسمّيها المصريون "فترة الانفتاح"، أي منذ منتصف السبعينات، أصابت مصر تغيرات شديدة وسريعة بقيت آثارها مستمرة حتى الآن. حينذاك، سافر كثيرون من أبناء الطبقة الوسطى إلى دول الخليج العربي، وانتشر فكر الإخوان والجماعات الدينية المتشددة في الشارع المصري، وغيّر ذلك طبيعة تديّن المصريين.

بعد تخرّجها من معهد التمريض، عملت فاطمة في السعودية في فترة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات. منذ أن ذهبت إلى السعودية صارت تعتبر أن التديّن السعودي يعبّر عن حقيقة الدين، باعتبار أنها البلاد التي تحتضن الحرمين الشريفين، وصارت تعتبر السلوك المحافظ الذي اكتسبته من حياتها الطويلة هناك رجوعاً إلى الدين الصحيح. أكثر من ذلك، هي تربط بين سعة الرزق في بلاد الحرمين وبين تدين سكانها.

هذه التحولات التي طرأت على شخصية المصري "المتدين بطبعه" جسدتها شخصية "ذات" في رواية الكاتب صنع الله إبراهيم التي تحمل الإسم نفسه والتي تحوّلت إلى مسلسل. المرأة البسيطة التي كانت منفتحة في حياتها الجامعية، سرعان ما ارتدت الحجاب، وبدأت تعامل خادمتها المسيحية بشك وارتياب، بعد أن كانت تسمح لها بالاستماع إلى تواشيح مسيحية على جهاز التسجيل.

وكلما هبطنا على درجات السلّم الاجتماعي، نلاحظ المدى الذي وصل إليه انغلاق المصريين وعدم التسامح مع الآخر، بل وتمني نفيه أو استئصاله. فبائع الصحف في شارع الزمالك، والمعروف باسم أحمد مية، والذي يمثل نسبة كبيرة من المصريين الأميين، يكنّ كرهاً كبيراً للمسيحيين، ويمتعض من تمتعهم حالياً بقدر كبير من الحرية بعد أن كانوا "ملمومين" أيام السادات، ويرى في ذلك مؤشراً على خطر محدق بـ"المجتمع المسلم".

ثورة 25 يناير

الهزة الثانية التي أصابت شخصية المتديّن المصري هي ثورة 25 يناير. حينذاك، وقف معظم شيوخ الأزهر وكثير من كهنة الكنائس في وجه شباب الثورة، وحرّموا الخروج في التظاهرات المطالبة بإسقاط نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، مما أضعف كثيراً من مكانتهم وعرّض صورتهم في المجتمع لاهتزازات.

 

واللافت أن تظاهرات ثورة 25 يناير لم يُرفع فيها شعار ديني واحد رغم مشاركة ملايين المتظاهرين وبينهم ملتحون ومحجبات ومنقبات. وخرجت من ميدان التحرير صور لمسلمين يصلون الجمعة بينما المسيحيون يمارسون دور الحارس لهم، رافعين صلبانهم كتعبير رمزي على التسامح الشعبي.

ومن أهم التأثيرات التي تركتها ثورة 25 يناير في المتديّن المصري إعلاؤه الحس النقدي حيال الخطاب الديني. وانتشرت كتابات كثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد خطب صلاة الجمعة، التي تعتبر مقدسة للغاية عند المسلمين إلى درجة اعتبار مشايخ أن الكلام أو الضحك أو الهمس أثناء إلقائها يُبطل الصلاة.

الكنيسة ليست بعيدة عن تلك القضايا، وهي تحاول بسط سلطتها ونفوذها على المسيحيين لتصبح الممثلة السياسية الوحيدة لهم. لا تثير الكنيسة قضايا تتتعلق بالعدل الاجتماعي وحقوق الإنسان، أو بالشأن العام وتصب اهتمامها على الشكليات الدينية، أو دعم القرارات التي تتخذها الحكومة المصرية. امتعاض بعض الشباب المسيحي من هذا السلوك دفع به إلى عدم الالتزام بالشعائر الدينية.

ثم وبعد نجاح قوى الإسلام السياسي في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وفشلهم في تلبية الحد الأدنى من مطالب الناخبين، لقيت الكتابات العلمانية واللادينية رواجاً في المجتمع المصري، خاصة لدى الشباب الحالم والساخط، فتراجع تأثير المشايخ المسلمين.

وبعد الإطاحة بالإخوان وسط احتجاجات شعبية عارمة في يوليو 2013، ساندت مؤسسة الأزهر والكنيسة خارطة الطريق التي دعا إليها الجنرال السابق عبدالفتاح السيسي. وراح الأزهر يعمل على السيطرة على المساجد وانتزاعها من أيدي الإخوان والسلفيين، حارماً المساجد من استقلاليتها.

واقع المساجد اليوم وخضوعها للخطوط العامة للسلطة أدى إلى انتقاد الشباب لمستوى الخطاب الديني الذي لا يواكب العصر، ولا يعكس همومهم الفكرية والاجتماعية. الآن، إذا ذهبت إلى صلاة الجمعة في مصر، فستجد كثيرين لا يشاركون إلا في الركعتين اللتين تليان الخطبة.

أحمد عيسى، مترجم وشاعر عمره 29 عاماً، يحرص دائماً على إقامة صلاة الجمعة، ويبحث في حيّه عن شيخ يمكن أن يستفيد من خطبته. يقول لرصيف22: "إن الخطاب الديني ضعيف جداً إلى درجة بات وعي الناس أكبر من وعي الشيخ الذي يلقي الخطبة". ويرجع أسباب ذلك إلى أن اختيار خطيب الجمعة يخضع لمعايير أمنية تتجاهل وعيه وثقافته.

في قريته، طملاي، ولأول مرة في تاريخ القرية، اعترض بعض الناس على محتوى خطبة الجمعة، وتخاصموا داخل المسجد، وكادت الصلاة أن تتوقف، وذلك حين فسر شيخ جامع الشورى، من أكبر جوامع القرية، الآية التي تقول: "واعتصموا بحبل الله" على أنها الدستور المصري الذي أعقب سقوط مبارك وكان الإخوان والسلفيون يروّجون له.

لمياء فتاة تربت في السعودية على التدين المحافظ والمنغلق. الآن بعد أن كبرت وتزوجت لا تستطيع الالتزام بالصلاة. تقول لرصيف22: "أشعر أن الله غاضب مني، ولكني أعجز عن الالتزام الديني، وتراودني أفكار قد تكون كافرة، ولكنها تراودني، حول العدل الإلهي في معاقبة المسيحيين الطيبين ومعاقبة الذين يتركون الصلاة ولكنهم لم يؤذوا أحداً ويتمنون الخير للناس".

كلمات مفتاحية
الأزهر الحجاب مصر

التعليقات

المقال التالي