مقارنة بين أساليب داعش وأساليب الجيش الحر في السيطرة

مقارنة بين أساليب داعش وأساليب الجيش الحر في السيطرة

في بدايات الثورة السورية، وبعد تحوّلها إلى العمل المسلّح، برز "الجيش الحر"، وهو إسم أطلق على كل من حمل السلاح ضد النظام، وسيطر على مناطق واسعة. وفي ما بعد صار تنظيم داعش نجم الأحداث الأبرز. بين هذا وذاك، تغيّرت حياة السوريين جذرياً بسبب اختلاف أساليب السيطرة عليهم.

كانت الثورة السورية في بداياتها ثورة شعبية انخرطت فيها كل فئات المجتمع السوري. وعندما تعسكرت حافظت لفترة على تنوّع المشاركين فيها الذين عملوا تحت عنوان الجيش الحر. لم يكن "الحرّ" منضبطاً وفق تراتبية عسكرية منظمة، ولا سيما في بداية تشكله.

ولكن، بعد مدة، برزت التنظيمات الإسلامية الجهادية الأكثر تنظيماً، والأفضل تمويلاً من الجيش الحر، ولمع نجم تنظيم الدولة الإسلامية بعد ظهوره في منتصف العام 2013. الفروق في مستوى التنظيم، إضافة إلى اختلاف أهداف كل فريق انعكست اختلافات جذرية في طريقة السيطرة على المناطق وإدارتها.

من التحرير إلى إسقاط الدولة

عمل الجيش الحر على تحرير المناطق السورية من كل ما يتعلق بالنظام سياسياً وعسكرياً وأمنياً، ولكنّه لم يقحم نفسه في الأمور الإدارية والمعيشية. يقول القيادي السابق بالجيش الحر أبو محمد من ريف حلب لرصيف22: "كان الهدف إسقاط النظام الأمني الذي استعبد وظلم الشعب، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مؤسسات الدولة التي تعود ملكيتها للشعب". هكذا، أبقى الجيش الحر على عمل المؤسسات المدنية والخدماتية من مدارس ومحاكم ودوائر نفوس ومرافق عامة وبلديات.

أمّا داعش، التنظيم الذي لا يؤمن لا بالوطنية ولا بالقومية، فحمل منذ بداياته مشروع إسقاط الدولة السورية بالكامل، تمهيداً لبناء "الدولة الإسلامية". يقول الشرعي في التنظيم في ريف حلب الشرقي، أبو أحمد الأنصاري، لرصيف22: "هدفنا هو بناء دولة إسلامية على منهاج النبوة والخلافة الراشدة، وذلك يتطلب نسف كل المنظومة القائمة لأنها بنيت على أسس علمانية قومية معادية ومشوهة للإسلام".

اختلاف أساليب السيطرة

الاختلاف حول الأهداف أدى إلى اختلافات في أساليب السيطرة بدايةً، وفي طرائق إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام لاحقاً. ففي ريف حلب الشرقي اكتفى الجيش الحر بطرد قوات النظام العسكرية والأمنية وأغلق شعب حزب البعث.

كان هدف الجيش الحر إسقاط النظام لا الدولة. يقول منذر سلال، نائب رئيس مجلس محافظة حلب الحرة، لرصيف22: "أغلبية عناصر الجيش الحر كانوا من أبناء المدن المحرّرة. أبناء جرابلس حرروا جرابلس وهكذا الباب والخفسة ومنبج وغيرها"، ويضيف: "كان تحرير أيّة منطقة يترافق مع عرس شعبي وكانت الفرحة تدخل كل بيت".

اعتبر الجيش الحر أن المساس بالمؤسسات تخريباً للبلد. "الثورة قامت للبناء والتطهير لا للهدم، ومؤسسات الدولة كانت بإدارة سوريين يتمتعون بكفاءة وخبرة رفيعتين"، يقول عماد حنيظل، رئيس المجلس الثوري في منبج وريفها سابقاً، لرصيف 22 ويضيف: "حافظنا في الريف الشرقي على الدولة السورية وكنا مثالاً لما جرى في كل المدن والبلدات السورية. بقيت منظومة الحياة تسير وفق طبيعتها السابقة لكن من دون تسلط وقهر أمني. وأبقينا على دوائر سجلات الأحوال المدنية (النفوس)، قبل أن ينقلها النظام إلى مناطقه، واستمر عمل المحاكم كما كان لأن المجتمع الدولي لم يعترف بوضوح بفصائل المعارضة ولا بالوثائق الصادرة عنها. وهذا ما دفعنا إلى الإبقاء على بعض مؤسسات النظام حفاظاً على حقوق الناس. لا بل حاربنا كل من حاول المساس بمؤسسات الدولة".

في ريف حلب الشرقي، بقيت المنشآت الحيوية تسير وفق الآليات القديمة دون تغيير يذكر سوى بعض الصعوبات والعقبات الناتجة عن تعرّض المدن والبلدات للقصف. ويتابع عماد حنيظل: "حافظنا على عمل سد تشرين، وعلى الصوامع، والمشافي والمدارس، والكهرباء والهاتف. حتى المصارف الحكومية استمرت بالعمل دون أن تتعرض للسلب والنهب".

أما تنظيم داعش، فاتبع تكتيكاً مختلفاً تماماً. عمل منذ قويت شوكته على السيطرة على جميع مفاصل الحياة ورفض الخضوع لأي تشكيل عسكري، أو الاعتراف بأيّة هيئة منبثقة عن الثورة أو الالتزام بقرارات المحاكم الشرعية أو المشاركة فيها.

سعى داعش، منذ ظهوره، إلى الاستفادة من الحراك المعارض وتسييره لصالحه، فعمل على جبهتين: مشاركة قسم من عناصره في المعارك ضد النظام، والعمل في الخطوط الخلفية بخطى حثيثة للسيطرة على الدولة. أراد التنظيم إسقاط الدولة لا فقط النظام، ووجد سهولة في تحقيق غايته. فالمنشآت والمرافق محررة لا قوات تحميها، كما أنّ مقاتلي الفصائل الأخرى لم يشكوا في نيّات التنظيم لأن عدداً من مقاتليه يشاركونهم في قتال النظام على الجبهات.

يقول أبو محمد: "سيطر التنظيم على المرافق والمنشآت الحيوية عبر أسلوبين: أولاً، مطالبته بالمشاركة في الإدارة باعتباره يشارك في القتال فتمكن بذلك من زرع قوة في سد تشرين وغيره؛ وثانياً، بدعوته إلى تطهير المؤسسات ومحاربة الفساد والمفسدين الذين أساؤوا للمسلمين، فسيطر على الصوامع وما شابه".

ويعترف منذر سلال بأن "إدارة داعش أفضل من إدارة المجالس المحلية لأنها جسم واحد، بينما المجالس المحلية ليس لها شوكة تحميها وتنفذ قراراتها" ولكنه يقول: "إدارة الحر أكثر وطنية لأن عناصره من أبناء البلد ويهمهم مستقبلها وإن أخطأوا سيعاقبهم المجتمع الذي يعيشون فيه".

داعش: لا شريك لي

لم يتدخل الجيش الحر في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرته إلا بما ينظم العمل. ترك للثوار والأهالي حرية انتخاب هيئات ومجالس محلية، وأفسح في المجال أمام حرية العمل الإعلامي والإغاثي والإنساني. فنشطت الهيئات والجمعيات الإنسانية والخيرية والحقوقية ناهيك بنشاط الأحزاب. يقول عماد حنيظل: "قامت الثورة للقضاء على الاستبداد وخلق فضاءات للحرية السياسية".

أما داعش، فمنذ أن وطأت قدماه الأرض السورية، سعى إلى بناء دولته وتوفير المقومات اللازمة لها. وترافقت سيطرته الواسعة في بداية عام 2014 مع معارك خاضها ضد باقي الكتائب المعارضة. وكانت ردات فعله على معارضيه تشبه ردات فعل النظام. وتشهد مجازره في قرى الشعيطات والدانا وريف حلب على سلوكه العنيف. يقول منذر سلال: "تنظيم داعش يشبه النظام. حين يدخل منطقة يجعل أعزة أهلها أذلة. لم يتوانَ عن ارتكاب المجازر بحق الثوار وأرعب الناس كي يبسط سيطرته عليهم".

عمل التنظيم على تغيير كل العاملين حتى في الأمور المهنية والخدمية (كهرباء، ماء، بلديات، صحة) وألغى مؤسسات كاملة من تعليم ومحاكم، وأنشأ دواوين خاصة به، مهدداً مستقبل عشرات الآلاف من الطلاب. وأنشأ الحسبة (شرطة التنظيم) فكانت العامل الأساسي وراء تهجير الناس بسبب تضييقها على الحريات. ولجأ التنظيم إلى إقامة دورات شرعية وهي وسيلته لغسل أدمغة الشباب.

يقول الشرعي أبو همام الأنصاري: "الدولة الإسلامية جاءت لتطبيق شرع الله وهو بالتأكيد ثقيل على المنافقين، وما قامت به في مجال التعليم هو لمصلحة الأمة، فليس من المعقول تدريس مناهج تمجد بشار الأسد أو تحتوي في طياتها ما يخالف شرع الله. أما الحسبة فهي تقوم بحثّ الناس على تطبيق الشرع ومعاقبة المخالفين".

حاول التنظيم رفد المؤسسات الخاضعة لسيطرته باختصاصيين مناسبين. نحج حيناً وفشل حيناً. ويرى متابعون أن عجز التنظيم في الإدارة سيظهر لاحقاً. فهو، على سبيل المثال، عاجز عن تشغيل المحطة الحرارية بدون موافقة النظام، وعاجز عن تأمين الاتصالات، والقائمة تطول وستطول أكثر إذا طال أمد سيطرته.

كلمات مفتاحية
داعش سوريا

التعليقات

المقال التالي