هل تحوّلت حركة فتح إلى حركة سلمية؟

هل تحوّلت حركة فتح إلى حركة سلمية؟

في الأول من يناير عام 1965، أي قبل خمسين عاماً، نفّذت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) أول عملية عسكرية مفتتحة إستراتيجية الكفاح المسلح لتحرير فلسطين. استمرّ العمل الفدائي فترة طويلة ولكن الآن لم نعد نسمع باسم الحركة حين نتحدث عن العمل المسلّح. فهل تحوّلت فتح إلى حركة سلمية؟

بعد العملية التي نفّذتها "قوات العاصفة" عام 1965، تتالت العمليات الفدائية من داخل فلسطين. وبعد حرب الـ1967، استمرّ نشاط فتح "الفدائي" في الأردن ولبنان وتونس. ولكن، بعد سنوات من الانتفاضة الأولى وتوقيع اتفاق أوسلو للسلام مع إسرائيل (1993)، راحت فتح تتحوّل من ثورة تحارب إلى حزب سياسي يقود السلطة.

اعلان


في حديث لرصيف22، قال محمد المدني، عضو اللجنة المركزية للحركة، إن "فتح لم تكن منذ نشأتها غير حركة سلمية، لأن الهدف من نشأة الثورة والمقاومة هو تحقيق السلم والأمن للشعب الفلسطيني، والحرية ودولة واستقلال". ولكن فتح تغيّرت كثيراً. لتبرير ذلك، قال المدني إنه، في البدايات، "كان الوصول إلى السلم يقتضي الكفاح المسلح، وكانت الثورة والتضحيات والشهداء والجرحى والتشتت مؤاتية للوصول إلى الهدف المنشود". أما في ما بعد فقد اختلفت الظروف. يعتبر المدني أنه "مع قيام السلطة وإبرام اتفاقات مع إسرائيل برعاية دولية، تغيّر شكل النضال الفلسطيني بفعل الاتفاق الذي عُقد برعاية عربية ودولية، أي اتفاق أوسلو".

الكتائب تسلّم سلاحها للسلطة

مع إغلاق أفق السلام، اندلعت الانتفاضة الثانية، عام 2000، وقادت فتح العمل المسلح من خلال كتائب شهداء الأقصى، ففقدت الكثير من قادة العمل الميداني منهم الدكتور ثابت ثابت ومروان زلوم ورائد الكرمي وجهاد العمرين وأحمد أبو حميدان وعلاء الصباغ وعاطف عبيات وحسين عبيات وثائر زكارنة وجمال عبد الرزاق ومهند حلاوة ومحمود الطيطي وخميس عبد الله وناصر ابو عاذرة وغيرهم. ولكن، عام 2007، أوقفت الكتائب عملها مقابل عفو إسرائيلي عن المطلوبين البالغ عددهم 189 اشترط تسليمهم أسلحتهم إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية. هكذا، أنهت السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية العمل المسلح لجميع الفصائل الفلسطينية.

في حديث لرصيف22، اعتبر بكر أبو بكر، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، أن "العلاقة بين السلطة والثورة علاقة إشكالية. فالسلطة تسعى للاستقرار والثورة تمرد وهما بالحقيقة على طرفَيْ نقيض والجمع بينهما أو تحقيق التوازن صعب إذ سيتغلب أحدهما على الآخر". ولإيضاح فكرته قال إن "ياسر عرفات استخدم السلطة محطة وعندما لم تحقق الهدف تجاوزها. بينما لم تستطع حماس ذلك وتحاول الإمساك بالمفهومين إضافة إلى المفهوم الإسلاموي العالمي. أما السلطة الحاكمة في رام الله اليوم فليس في برنامجها أي عمل عنفي".

في المقابل، وبعيداً عن الأوساط الفتحاوية، لفت السيد عمر عساف، سكرتير اللجنة الوطنية للدفاع عن حق العودة، في حديث لرصيف22، إلى أن "السلطة هي أحد العناصر الرئيسة المؤثرة في هذا السياق إذ جرى ربط أعداد كبيرة من الكوادر المناضلة بالرواتب وتسهيلات البنوك، الى جانب توفير السلطة كثيراً من الامتيازات ليس للمناضلين فحسب، ولكن أيضاً لكثير من أبناء المسؤولين وذويهم وذلك عبر الوساطات والفساد. وهذا ما شكل عامل إحباط للعديد من الكوادر فتراجعت القيم النضالية لديهم دون أن ننسى أن السلطة بذاتها لم تشكل نموذجاً يحتذى لا نضالياً ولا سلوكياً".

فتح لم تعد فتح التي نعرفها

في البيان التأسيسي لكتائب شهداء الأقصى، نجد أنها تعتبر النظام الداخلي لفتح نهجاً ودليلاً لعملها، وهو يتضمّن مبادئ الحركة الأساسية التي أطلقت الشرارة الأولى لنضالها. فالمادة 10 تقول إن حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) حركة وطنية ثورية مستقلة وهي تمثل الطليعة الثورية للشعب الفلسطيني. والمادة 12 تتحدث عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً وتصفية الكيان الصهيوني اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً. والمادة 17 تؤكد أن الثورة الشعبية المسلحة هي الطريق الحتمي الوحيد لتحرير فلسطين. والمادة 19 تعتبر الكفاح المسلح إستراتيجية وليس تكتيكاً والثورة المسلحة للشعب العربي الفلسطيني عامل حاسم في معركة التحرير وتصفية الوجود الصهيوني ولن يتوقف هذا الكفاح إلا بالقضاء على الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين.

حملت رصيف22 سؤالاً حول إذا ما تغير عمل حركة فتح الثوري إلى معين الطاهر، وهو عضو سابق في المجلس الثوري لحركة فتح والمجلس العسكري الأعلى للثورة الفلسطينية، وساهم في تأسيس الكتيبة الطلابية منتصف السبعينات من القرن الماضي، وكان قائداً للقوات اللبنانية الفلسطينية المشتركة حين اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان عام 1978. قال الطاهر إن "حركة فتح لم تتغير فحسب وإنما انتهت كلياً كل أشكال المقاومة السابقة ونظيراتها التي قامت عليها مثل الكفاح المسلح وحرب الشعب"، وأضاف: "لم تفلح فتح في استبدال المقاومة بأشكال جديدة مثل المقاومة الشعبية والنضال اللاعنفي بل انقادت خلف نظرية واحدة هي مفاوضات السلام بعد أن جرّدت نفسها من أي سلاح آخر". ويخلص الطاهر إلى القول: "باختصار فتح لم تعد فتح التي نعرفها على مستوى السياسات والممارسات فيما بقيت كما هي على مستوى الجمهور والقاعدة".

لكن محمد المدني كان رأيه مختلفاً كلياً. قال: "يمكن ببساطة أن نُجري معادلة حسابية ونسأل أنفسنا: ما الذي أكسبنا أكثر الانتفاضة الأولى أم الانتفاضة الثانية؟ الانتفاضه الثانية أم النضال السلمي والجماهيري؟ لا يمكن أن يحمل كل الشعب السلاح ويقاوم. ولكن الشعب يستطيع أن يقدم ما أمكنه من أجل مقاومة الاحتلال. ونحن الآن بالمقاومة السلمية التي يقودها الرئيس أبو مازن حققنا الكثير وسنحقق الكثير. أين كانت إسرائيل على الساحة الدولية؟ وأين هي الآن؟ وأين كنا نحن وأين نحن الآن على الساحة الدولية؟".

أبو مازن يرفض العنف

منذ انتخاب محمود عباس "أبو مازن" رئيساً لدولة فلسطين وهو يسير على نهج يعتبر أن الوصول إلى السلام سيتم فقط عبر المفاوضات، ويعلن دائماً دون تردد أن "الفلسطينيين استبدلوا ثقافة العنف بثقافة السلام والاستقرار". تأثرت حركة فتح والسلطة بتوجهات ورؤية زعميها الأول وراحت تعمل على تنفيذها على أرض الواقع.

وأكد عمر عساف أن "الاتجاه السائد في ظل قيادة أبو مازن هو رفض العنف" وأضاف: "أدى تعزيز أبو مازن قبضته على الحركة وعلى كل هيئاتها بما في ذلك إحالة عدد من قادة الأجهزة على التقاعد المبكر، إلى تهميش وعزل المجموعات التي تفكر في معاودة استخدام العنف وتفعيل المقاومة المسلحة. وهذا جعل الخط السياسي الرسمي لفريق أبو مازن يطغى في الحركة من دون أن يعني ذلك رضى تاماً عن هذا التوجه. فالتسليم بالأمر الواقع داخل الحركة قابل للانفجار في أية لحظة والعودة للكفاح بكل أشكاله ولكن ليس في ظل القيادة الحالية".

لكن المتابع لوسائل الإعلام الفلسطينية المحلية، يجد أن الكفاح المسلح لحركة فتح ليس موجوداً فقط في نظامها الداخلي، وإنما يتم تمجيده بشكل عام والتغني به. ومن زاوية أخرى يرفض بعض قادة فتح المزايدة على الحركة في هذا الموضوع. وأقرب مثال على هذا الرفض تصريحات أمين سر المجلس الثوري للحركة، أمين مقبول، التي نفت ما تروجه بعض وسائل الإعلام المحلية، خاصة تلك المقربة من حركة حماس، حول شطب حركة فتح المقاومة من برنامجها، من خلال لجنة جرى تشكيلها برئاسة الرئيس محمود عباس. مقبول رأى أن هذا الكلام افتراءات وأكاذيب وتضليل يهدف إلى تشويه حركة فتح. ويؤكد أبو بكر ذلك بقوله: "داخل فتح وبين كوادرها وفي أروقتها، لا يزال مفهوم الكفاح المسلح بالبندقية قائماً في فكر الحركة وبرنامجها كما جاء في وثيقة المؤتمر السادس وفي مسودة وثيقة المؤتمر السابع".

تناضل فتح الآن بأدوات مختلفة عن تلك التي اعتمدتها في مراحل سابقة، وتنحو نحو المقاومة السلمية غير العنيفة مثل مقاومة بناء جدار الفصل ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية. لا شك في أن التغيرات التي حدثت على صعيد القضية ذاتها، والتطورات المحلية والعالمية، دفعتها إلى تغيير سياساتها النضالية. يقول الطاهر: "ما أتمناه الآن هو اندلاع انتفاضة شعبية في الضفة أقرب إلى الانتفاضة الأولى، أي تعتمد على الجماهير وليس على النخب المسلحة، ودعم صمود غزه والمحافظة على سلاحها ومقاومتها".

الصورة من أ ف ب

التعليقات

المقال التالي