ياسين الحاج صالح: "نحن السوريين في موقع يتيح لنا النقد الجذري للعالم"

ياسين الحاج صالح: "نحن السوريين في موقع يتيح لنا النقد الجذري للعالم"

لا يحتاج ياسين الحاج صالح (1961) إلى تعريف. فهو من أبرز الكتّاب والمنظرين في الشأن العام السوري، وفي قضايا نقد الإسلام السياسي. ومَن لم يكن يعرفه قبل الثورة السورية عرفه بعدها. في حوار أجريناه معه، تحدث الحاج صالح عن الثورة السورية وعن الإسلام والإسلاميين وغيرها من قضايا الساعة.

طُبعت الثورة السورية، في مرحلتها الحالية، بطابع الإسلام السياسي، ولكن الإسلاميين المعارضين تيارات كثيرة، تبدأ من معاذ الخطيب، وتصل إلى داعش مروراً بجيش الإسلام والإخوان المسلمين، وكتائب كثيرة أقل شهرة. كيف يمكن أن نقرأ خارطة الإسلام السياسي في المعارضة السورية؟

التحول الأساسي في هذا الشأن يتمثل في أنه جرت عملية إعادة هيكلة للمشهد الإسلامي لمصلحة السلفيين على حساب الإخوان. وتبدو السلفية مؤهلة أكثر من غيرها لتكون عقيدة قتال، ولديها نموذج معلوم سلفاً هو السلفية الجهادية، ومثالاً مكرساً: القاعدة. وتبدو تبسيطية السلفية أكثر توفيقاً من التوجه الإخواني الأكثر تركيباً في عملية تسييس قطاعات واسعة من الريف السني.

لكن ضمن المشهد السلفي هناك استقطابات قد تفوق في شدتها حتى الاستقطاب السلفي الإخواني، وهي استقطابات سلفية متعددة المستويات، ومتبدلة لا تستقر على حال، منها ثنائية داعش/ جبهة النصرة، ومنها ثنائية الجبهة الإسلامية/ داعش، ومنها علاقة لا تقوم على الثقة بين مجموعات الجبهة الإسلامية ذاتها، وخاصة بين جيش الإسلام وأحرار الشام. المشهد السلفي انقسامي بدرجة عالية.

ومن جهة أخرى، لست متأكداً أن الانقسام الإخواني السلفي نهائي، إذ لا يستبعد أن يتسلّف ( نسبة إلى السلفيّة) الإخوان، ولكان الإخوان بما عرف عنهم من تلون وزئبقية تسلّفوا لو تحقق للسلفيين تقدم على مستوى إسقاط النظام. ولا يستبعد بالمقابل أن ينضمّ سلفيون إلى الإخوان، أو "يتأخْونوا" (نسبة إلى الإخوان) إذا فتح الباب أمام مخرج سياسي، وكان لا بد من مساهمة تيار إسلامي "معتدل" في هذا المخرج. فللإخوان علاقات إقليمية مهمة، بقطر وتركيا خاصة، وحين يأتي وقت السياسة و"الحلول السياسية"، يستبعد ألا يجري أخذهم في الحسبان.

وهناك أيضاً مشايخ وناشطون دينيون وطامحون سياسيون يشتغلون بأدوات الدين، وهم مدينيّون في أغلبهم، ومنهم معاذ الخطيب وغيره. هؤلاء ليس لديهم وزنٌ ذاتي، لذلك يحاولون استمداد الوزن من الارتباط بقوة إقليمية أو بتشكيل عسكري داخلي.

عموماً التفجر الإسلامي هو أحد وجوه التفجر السوري، ومآلاته مرتبطة بالمآلات السورية. وفي جانب منه، يعبر هذا التفجر عن تعذر تصرف السُنّة السوريين كطرف سياسي موحد أو متقارب، وعن صعوبة تطييفهم. وهذا  جيد إذا كنا نفكّر في المستقبل.

تميزت مواقفك في بداية الثورة برفضك انتقاد الإسلاميين بشكل قاس ثم اختلفت مواقفك. هناك فاصلة إذن، أخبرنا عنها. لماذا غيرت قراءتك لدور الإسلاميين في الثورة؟ 

سأخبرك عن "الفاصلة". نحن المشتغلين بالشؤون العامة نتحرك، وعملي يتحرك، في حقل سياسي وإيديولوجي مستقطب ومشحون بدرجة عالية. لسنا طيوراً مغردة تحلق في سماء الأفكار المجردة، وتنتقد أهل الأرض تحقيقاً لواجب الطيور المثقفة النقدي. أنا على الأرض، ولاحظت في عالمي الأرضي طوال عقود أن هناك نقداً غير تحرري للإسلاميين، يسكت أصحابه من دعاة التنوير أو العلمانية عن فاعلين عامين أكبر وأسوأ تأثيراً من الإسلاميين. لم أكن مستعداً للمشاركة في هذه الحفلة. بفعل تجارب شخصية وعامة، تطور لدي وعي حاد بالصفة السياسية للفكر والثقافة والنقد. وأعتقد أن المثقفين عموماً على وعي بهذه الصفة، وإن حاول بعضهم خداع نفسه وغيره في هذا الشأن. عملت من جهتي، بالعكس، على تطوير نقد تحرري منحاز سياسياً، ومدرك للمغازي السياسية للعمل الثقافي والمداولات الفكرية المجردة، نقد ليس فقط لا يسكت عن الأبعاد القيمية للعمل العام، أي ما يتصل بقضايا العدالة والحرية والكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل بين الناس، بل يعتبرها منطلقه الأساس.

وعلى هذه الأرضية القيمية، لست ضد جرائم الإسلاميين المحتملة لأنهم إسلاميون، ولكن لأنها جرائم. ولذلك لا يمكن أن أسكت عن جرائم غيرهم، أو أقلل من شأنها. وطوال عمري، وأنا أكبر من النظام البعثي، كان القاتل الأول والسارق الأول والكاذب الأول في سورية ليس إسلامياً. فلماذا أخص الإسلاميين بنقد خاص ينفعل بهم أكثر مما بمرتكبي الجرائم الكبرى المعلومين؟

بعد الثورة تغير موقع الإسلاميين. في عام 2012، وأكثر في عام 2013 وبعده، تغير الحقل السياسي السوري كثيراً، وظهر الإسلاميون الجدد، السلفيون، قوة ثورة مضادة، تواجه النظام أو لا تواجهه، لكنها في كل حال تواجه المجتمع، وتعمل على السيطرة عليه والتحكم بتفاعلاته، وتشكل استمراراً للنظام الأسدي في القمع والقتل والطائفية. ومع تغير الموقع، لا يبقى الموقف هو نفسه. هذا ما كان وراء تغير "قراري لدور الإسلاميين في الثورة".

لكن اسمح لي أن أجادل في وصفي بأني كنت "أرفض نقد الإسلاميين بشكل قاس". كتابي "أساطير الآخِرين" صدر عام 2011، ومواده مكتوبة قبل الثورة، وقبل ظهور الإسلاميين الجدد فيها. الكتاب، وهو لا يشمل كل ما كتبته عن الإسلام والإسلاميين، ينتقد الإسلام المعاصر دون لبس أو "مغمغة".

لكني أرى أن الفرق الحقيقي ليس بين نقد قاس ونقد غير قاس، بل بين النقد العلائقي والنقد الماهوي. النقد العلائقي يدرج الظاهرة في إطار شروطها التاريخية وفي الحقل السياسي الذي تتحرك فيه، وأظنني مارسته طوال الوقت بخصوص الإسلاميين وغيرهم، وبالمنهج نفسه. أما النقد الماهوي الذي يعيد الدور العام للجماعات البشرية إلى ماهيات ثابتة لها، يفترض أنها مكنونة في مذاهبها أو عقلياتها، فلا أمارسه بتاتاً، لا بخصوص الإسلاميين، ولا بخصوص النظام الأسدي، ولا بخصوص إسرائيل أو أمريكا.

النقد الماهوي هو، للمناسبة، النقد الذي يمارسه عموم الإسلاميين حيال غيرهم. لكنه أيضاً النقد الذي يمارسه ثقافويون هنتغتونيون (نسبة إلى المفكر الأمريكي صموئيل هنتغتون صاحب كتاب "صدام الحضارات")، يسمون في سورية والإطار العربي علمانيين أو تنويريين. هذا النقد هو في الواقع إعلان انفصال نفسي وكراهية للآخر، وهو بالطبع المنهج المفضل عند عموم الطائفيين.

ما تريده جماعة "النقد القاسي" ليس أن تنتقد إشكالية الإسلاميين وأفكارهم السياسية وممارساتهم وأدوارهم العامة، بل أن تقول إني أكره الإسلاميين، وتجاهر بتحقير معتقدهم وتسفيه إيمانهم. أنت لا تجد هنا نقداً، قاسياً أو ليناً. لا تجد نصوصاً مكتوبة في "النقد القاسي" تفنّد أطروحات الإسلاميين وتشتبك معها. ما تجده هو الكراهية وأدب تسفيه وتحقير شفهي غالباً. أنا أرى أن هذا النوع من النقد نهجٌ نخبويٌ ينطق باسم "السوريين البيض" و"العالم الأول الداخلي"، هذا حين لا يكون خطاباً طائفياً.

ما هو الإسلام الذي يعد بمستقبل جيد لسورية والسوريين ما دام الحديث عن دولة علمانية مدنيّة صار طوباوياً؟ وهل يمكن أن يسود هذا الإسلام الجيد؟ وكيف؟

لا أجد في التقابلات العريضة بين "إسلام" و"دولة علمانية مدنية"، و"إسلام جيد" وإسلام غير جيد، ما يفيد لمعرفة اجتماعية تتطور، ولا لسياسة تحررية. هذه التقابلات تفيد فقط لبناء معسكرات اعتقادية متجابهة، من نوع نعرفه منذ ثمانينيات القرن العشرين. فالعيش ضمن أفق فكري كهذا خانق، وفي رأيي أن الثورة السورية أطاحت هذا التركيب، وهي تطرح الحاجة إلى مفاهيم ومناهج أقل سياحية، وأقرب إلى عالم الممارسات الاجتماعية.

معيار تقييم الأفكار والسياسات في نظري هو التحرر الاجتماعي والسياسي والديني، وليس العناوين الإيديولوجية الفارغة من مضمون قيمي يحددها. وما يتوافق مع التحرر هو امتلاك المجتمع للسياسة وللدين، ومقاومة السياسات والمناهج التي تجرّد السكان من السياسة باسم الوطنية، أو من الدين باسم الإسلام ذاته أو باسم العلمانية. ما هو جيد لسورية هو فقط ما هو جيد للسوريين كبشر عيانيين: أن يكون لهم الحق في الاختيار على مستوى السياسة وعلى مستوى الدين، لا أن يحرموا الخيار أو يختار عنهم عارفون "متنورون". امتلاك السياسة يعني الجمهورية ويعني الإدارة الذاتية، والاختيار على مستوى الدين هو ما يحمي اختيار اللادين، وهو ما يحمي من الإسلاميين التسلطيين، وهو ما تتأسس عليه علمانية تحررية، تناضل مع عموم الناس وبينهم وليس ضدهم. باختصار، الإسلام الجيد هو ما يختاره لأنفسهم أناس أحرار.

هل يمكن أن نشهد حركة إصلاح ديني تنطلق من سورية؟ وما هي شروط هكذا إصلاح؟

الإسلام في عملية إعادة تشكل مستمرة. وإسلام أو إسلامات اليوم هي تشكلات جديدة أو "بدع"، تدين بظهورها لأوضاع اليوم وإكراهاته. وحتى الإسلام الداعشي الأكثر تحجراً هو اختراع حديث جداً ومعاصر لنا، تولّد وفقاً لمفاهيم اليوم الخاصة بالدولة والسيادة والقانون والشرعية والحكومة. وأشكال تعليب البشر التي تمارسها داعش، وربط التعليم بالحرب، والمراقبة الشاملة للمجتمع، هي أقرب للنازية والشيوعية منها إلى أي شيء عرفه تاريخ الإسلام.

السؤال من زاوية نظر الإصلاح هو: أي تشكل جديد للإسلام يوفر أوسع مساحة تقاطع بين الصلاح الإسلامي وصلاح أوضاع المسلمين في العالم المعاصر، فيكون قابلاً لأن يستبقى ويبنى عليه، مثلما تؤهل طفرة كائناً حياً لفرص أفضل في الصراع من أجل البقاء، حسب نظرية النشوء والإرتقاء؟ هذا بينما تحذف الأشكال الأقل ملاءمة للحياة أو الأكثر تبذيرا في الحياة البشرية مثل داعش وأخواتها. أعتقد أن ما يوفر احتمالاً أكبر للتشكل المناسب هو مقاومة الامتلاك الخاص للدين من قبل الإسلاميين أو من قبل الدول، أي اعتبار الحق في الدين حقاً للمجتمع والأفراد وليس حقاً للدولة أو لأي حزب خاص. والفرصة أكبر بعد في شروط إصلاح الدولة بما يعينه من امتلاك الناس للسياسة أو حقهم فيها، ومقاومة أي نزعات نخبوية لاحتكارها.

بهذا المعنى، الإصلاح الإسلامي مسؤولية عامة. ولكن يمكن التمييز بين وجهين لعملية الإصلاح، وتصورين موافقين للصلاح. الوجه الأول يتصل بموقع الدين في الحياة العامة، وفي الدولة والمجتمع والقوانين والفضاء العام، وهو يشمل المقاومات التي تواجه محاولة فرض حكم ديني أو توسيع موقع الدين في الحياة العامة. وتصور الصلاح الموافق لمفهوم الإصلاح هذا يحيل إلى تحكم السكان بشروط حياتهم وتملكهم لمحركاتها، أي أنه صلاح إنساني عام، موافق لزمننا المعاصر. والمسؤولية عنه عامة، لا تقتصر على المسلمين المؤمنين. أما الوجه الآخر فهو داخلي، يتصل بإعادة هيكلة التعليم الديني والأجهزة الدينية، ومفهوم الصلاح هنا مستمد من الإسلام حصراً، ويحيل حتماً إلى الوحدانية والعدل ومسؤولية الإنسان وإعمار الأرض ويوم الحساب إلخ. والمسؤولية عن الإصلاح الداخلي تقع على عاتق المسلمين المؤمنين حصراً.

لكن أياً يكن تصور الإصلاح الإسلامي والمسؤولية عنه، فلا أرى الدين ممراً إجبارياً للصلاح والإصلاح في عالم المسلمين. أنا مهتم شخصياً بهذه القضية، ويبدو لي أن الشغل على الدين خصب فكرياً وسياسياً وأخلاقياً، لكن التطور الثقافي والسياسي والحقوقي ليس مرهوناً بهذا الشغل حصراً.

تحققت نبوءة النظام، أو لنقل النظام نجح في تحقيق نبوءته القائلة بأن المعارضين هم إسلاميون متطرفون يرفضون الآخر ويهدّدون وجوده. ما هي العوامل الاجتماعية والتاريخية التي أوصلتنا إلى هنا؟

النظام صنع الوقائع والظروف التي تجعل توقعه واقعياً. من العنف إلى المذابح الطائفية، إلى اعتقال الناشطين السلميين وتسهيل خروجهم من البلد. على سبيل المثال، أبلِغت (المعارضة) مي سكاف عن لسان (الرئيس السوري) بشار (الأسد) مباشرة بأن تخرج من البلد وإلا تعرضت للأسوأ. هذا إضافة إلى إطلاق سراح معتقلين إسلاميين قضى بعضهم، مثل زهران علوش، بالكاد عامين في السجن بينما لا يزال الطبيب محمد عرب معتقلاً من قرابة ثلاث سنوات، ولا يُعرف عن مصيره شيء. كان واضحاً أن هذه العمليات ستؤدي إلى التطرف والعنف والتطييف.

إضافة إلى مضخة التطرف والطائفية التي عملت بقوة منذ عقود، تدخلت إيران وروسيا بقوة، وأسند النظام بمجاهدين طائفيين لبنانيين وعراقيين ومرتزقة من كل مكان. هل يحتاج الأمر إلى نباهة خاصة لتوقع رد فعل من النوع نفسه، أي أن تصير سورية بؤرة للجهاد الطائفي السني؟ الخميرة موجودة سلفاً: القاعدة في العراق، والنظام أعرف بها وبشبكاتها وسورييها، وبالشروط الأنسب لفاعليتها التخميرية. هل من عبقريتها الخاصة تكلمت مستشارة بشار (الأسد)، المناضلة الطائفية الباسلة بثينة شعبان، عن "إمارات سلفية" بعد أسبوع من الثورة؟ أم لأنها تعرف ما لدى علي مملوك وجميل حسن وحافظ مخلوف؟ أو لأنهم لقنوها ما عليها قوله، وهم الأفضل اطلاعاً على السجل؟ والغرض كان تعزيز تماسك قاعدة النظام، وربما توسيعها، وقول ما يقبل البيع دولياً.

لا بد أنك شاهدت فيديوهات تعذيب. أنا شاهدت واحداً قبل أيام: رجل مسنّ مكموم الفم، يُطعن بالحربة في عنقه من الخلف ومن رأسه حتى الموت بينما يسمع صراخه المكتوم، ويستغرق الأمر دقائق لم أستطع إكمالها، وبقيت مقهوراً طوال اليوم. ماذا تظن وقع مشاهد كهذه على أشخاص لم يتَح لهم أن يطوروا جهازاً ذهنياً يمكنهم من تحمل هول مشهد كهذا؟

لا أقول إن النظام كان يفعل ذلك مدركاً كل النتائج طوال الوقت، لكن لديه معرفة بالمجموعات الجهادية تتفوق على الجميع، ولديه فائض من الدناءة كي يشجع ظهورهم ويستفيد منه. وقد اعتمد منذ البداية سياسة الحرب، ثم صعّد منذ منتصف صيف 2012 واغتيال "خلية الأزمة"، إلى سياسة التدمير الشامل التي أرجح أنها عكست انتصار الفريق الإيراني.

وبصرف النظر عن أي احتمال لروابط خفية على بعض المستويات بين كل من النظام وإيران، وجماعات القاعدة والسلفية الجهادية، فإن منهج التدمير الشامل لبيئات الثورة يولد إما التطرف الشامل أو الاستسلام الشامل، ورأيي أن التعارض بين الإثنين ليس كبيراً. المتطرفون جداً مرشحون أكثر من غيرهم لأن ينتهوا إلى الاستسلام التام. وبالعكس، أتصور أن قادة الجهادية اليوم هم ممن كانوا مستسلمين للنظام في صيدنايا والمقرات الأمنية.

هناك من يقول بأن الإسلاميين مثل "متعاطي الحشيشة"، وأفضل طريقة لمقاومتهم هي تشريع عملهم السياسي. ما رأيك؟ 

كان هذا رأيي دوماً. دافعت عن شرعية الإسلاميين وضرورة إدماجهم في الحياة الوطنية. هذا يظهر لعموم السكان، وعموم المسلمين، أن الإسلام تنظيم مثل غيره، وقد يكون أكثر ركاكة. فانخراطهم في الحياة العامة والنقاش العام يولّد ديناميات انفتاحية في أوساطهم، ويضعف متطرفيهم. بالمقابل، يبدو لي أن عزل الإسلاميين عن الحياة العامة وقمعهم يناسب متطرفيهم، ويحرض ديناميات تطرفية وعنفية في أوساطهم، وهذا ما نحصد اليوم ثماره المرة.

ثم إنه ليس هناك مثال واحد عن استبعاد الإسلاميين دون أن يكون ذلك جزءاً من سياسة استبعاد عامة، تشمل اليساريين والليبراليين وكل القوى الاجتماعية والسياسية المستقلة. كيساري تحرري، لا أستطيع أن أقاوم خصخصة السياسية وأعمل من أجل الامتلاك العام لها، وأن أقبل في الوقت نفسه إقصاء الإسلاميين.

في مقال لك بعنوان "الإسلام، الإسلاميون، والعنف/ نظرات في شأن العلاقة بين دين المسلمين والعنف"، قلت أن سلفيون جهاديون ممن يمارسون العنف يستمدون شرعية ممارساتهم من نصوص قرآنية، وأشرت إلى سورتي الأنفال والتوبة، واستنتجت أنه في هذه الحالة يصبح المعتقد الديني هو الفاعل، بينما المجموعة الدينية منفعلة وسلبية ومطيعة لأمر الله. لكنك تعود في نهاية المقال وتقول: "يبدو أنه كلما كان الإسلاميون أكثر تشدداً اتجه تفضيلهم إلى مجمل إسلامي لا تشغل فيه وثيقة الإسلام الأساسية، القرآن، غير موقع ضئيل" وتضيف أنه من شأن تحكيم القرآن بكل النصوص الثانوية الإسلامية أن يكون فعل عقلنة وتنظيم من جهة، وأن يسهل تدبر مشكلات النص الأول من جهة ثانية. هل يمكن أن يتجاوز أو يتدبر "المسلمون" نصوصاً من كتابهم المقدس"القرآن" تعتبرها أنت في أساس ومنهج ممارسة العنف؟

أخشى أنك أسأت فهم نقطة أساسية في المقال. فما قلته هو بالضبط أن النص الديني ليس الفاعل في أي حال، وانتقدت الإسلاميين وخصومهم الثقافويين الذين يشتركون في الظن الباطل بأن النص هو الفاعل، وأن البشر آلات سلبية في خدمة النص، أمينة ومطيعة. وذكرت بين أمثلة أخرى ما يقوله مجاهد من جبهة النصرة عن "حذف" النظام آيتي التوبة والأنفال من القرآن، واعتماد الجهاديين عليهما، للقول إنهم يعيدون تركيب المجمل الإسلامي برسم حاجاتهم المعاصرة وفي ظل شروط معروفة أو لا تصعب معرفتها.

الإسلام شيء يصنعه ولا يكف عن صنعه إسلاميون، ليس من عدم، ولكن يشكلون المادة نفسها في صور متغيرة. من يشكلهم هم؟ شروط الحياة المعاصرة مثلنا كلنا. الأولوية للإسلاميين على الإسلام، وللحاضر على الماضي، وللأرض على السماء. وتالياً لا بد من إصلاح الحاضر والأرض والإسلاميين كمدخل لإصلاح الإسلام والسماء والماضي. هذا ما افترضه، بالمناسبة، فهماً علمانياً تحررياً، تمييزاً عن علمانية هنتغتونية، أو طائفية لا تمتلك مضموناً تحررياً إطلاقاً، وطبعاً تمييزاً عن فهم الإسلاميين أنفسهم، وهم هنتنغتونيون قبل هنتنغتون.

أما الكلام على حاكمية القرآن في المجمل الإسلامي، فالمقصود به الاستناد إلى النص المؤسس في مواجهة النصوص الثانية من حديث وسيرة وتفاسير وفقه. هذا في ذاته فعل عقلنة وتنظيم للمجمل الإسلامي الفوضوي. وهو من جهة ثانية يسهل تدبر مشكلات النص القرآني، وبخاصة التعارض بين المكي والمدني، بين القيم المؤسسة وآيات التشريع والحرب، بين الدعوة والدولة. الانطلاق من القرآن لا يذلل هذه المشكلات تماماً، لكنه يجعلها أسهل تدبراً.

فإذا ربطت بين فعل العقلنة الذي يمثله الانطلاق من القرآن وبين كون الفاعل هو الناس وليس النص، وما ينبني على ذلك من أولوية الحاضر والأرض والإنسان على الماضي والسماء والتعاليم، فسيكون تدبر أمر سور الحرب أمراً ميسوراً مبدئياً. هذا لا يتطلب "حذفها" أو التحايل على دلالاتها، بل، مثلاً، امتلاك الناس للسياسة، بحيث تصير الحرب احتمالاً هامشياً. لا تستطيع أن تمنع الناس من امتلاك السياسة، ثم تتوقع ألا يحاولوا امتلاك الحرب. الأصل هنا. أما محاولة الناس تشريع حروبهم، فهذا لأن الإنسان حيوان أخلاقي، لا يستغني بحال عن تبرير تصرفاته وإضفاء القيمة على خياراته، وبخاصة حين يشعر أنها مجادل فيها.

هنالك وجهة نظر يتبناها بعض المحللين والمفكرين اليساريين بأن قيام الثورات العربية كان سببها الرئيسي هو تدهور الوضع الإقتصادي، وهذا ما لمسناه في سورية مثلاً حيث أغلب من قام بالتظاهر ضد النظام كان من شريحة معدمة ومهمشة في المجتمع. هل ترى أنه من الممكن أن يتطور الصراع إلى صراع طبقي مستقبلاً أم أن الصراع سيظل مرهوناً بالثنائية الحالية: أنظمة عسكرية مقابل مجموعات دينية متطرفة؟

ليس صحيحاً أننا "لمسنا" في سورية أن "أغلب من قام بالتظاهر ضد النظام كان من شريحة معدمة ومهمشة في المجتمع السوري". لم ألمس ذلك شخصياً. قاعدة الثورة متنوعة، وصفتها في بعض مقالاتي الباكرة بعد الثورة بمجتمع العمل، أعني من يعيشون من عملهم لا من ريع السلطة، بمن فيهم أناس من الطبقة الوسطى، ويتطلعون إلى أوضاع أقل تعسفاً في عملهم وحياتهم ومعاملاتهم. مطلب الكرامة في السياق السوري له معنى ملموس جداً في مواجهة التعسف أو الطابع الاعتباطي لتدخلات وكلاء السلطة في حياة السكان، والحاجة اليومية المرهقة للواسطة. لكن غالبية الشرائح الأعلى من مجتمع العمل لم تتحمل قسوة ظروف الثورة، ولجأ من لم يعتقل أو يستشهد إلى المنفى إن استطاع إليه سبيلاً. ظلت مثابرة على الثورة بمعناها الأصلي شرائح أدنى، أوثق ارتباطاً ببيئاتها المحلية، وهي تقع تحت عدوان النظام وعسف المجموعات الإسلامية المحاربة.

أما الشرائح المهمشة والمعدمة فتبدو لي مكوناً أساسياً للجماعات الإسلامية. وبقدر ما استطعت أن ألاحظ خلال الوقت القصير الذي قضيته في الرقة، في صيف 2013، فإن بعض أشرس أعوان داعش هم من الشرائح المهمشة المحتقرة والميالة إلى معاداة المجتمع، ومنهم أرباب سوابق جنائية أو يعملون  في مهن رثة (بيع سكائر أو جوارب أو مسح الأحذية...). وهذا صراع طبقي. لا أظننا نفهم شيئاً من داعش والسلفية الجهادية عموماً، دون رؤية هذا البعد الطبقي في تكوينها.

أما افتراض أن الصراع بين أنظمة عسكرية ومجموعات دينية متطرفة يقع في عالم مستقل عن عالم الطبقات وصراعها، فهو خطأ فادح. هل يدافع بشار الأسد عن سلطة محض، دون رأسمال مادي بالملايين والمليارات، ورأسمال رمزي ونفوذ ومجد، و"ميراث الوالد"، والارتباط بطبقة أخذت تتكون في سنوات أبيه وظهرت إلى العلن في عهده، طبقة البرجوازية المركزية التي تحمي الأجهزة القمعية نهبها للموارد العامة، واستئثارها بالمبادلات الخارجية، ويرمز إليها رامي مخلوف؟ وهل المجموعات الدينية مشغولة فقط بأمر الله، ولا تحركها تطلعات إلى السلطة والثروة والنفوذ والامتياز؟ رأيي أن داعش والنصرة والجميع أناس جشعون إلى السلطة بوصفها مدخلاً إلى الثروة والنفوذ والرساميل المادية والرمزية.

نحتاج إلى تحرير تصور الطبقة وصراع الطبقات ليصير أكثر استيعاباً لوقائع متصلة بالرأسمال الرمزي والاجتماعي، وأكثر ارتباطاً بالنفاذ التفاضلي إلى السلطة والنفوذ، وما يتصل بالطوائف من تمييز وأوضاع تفاضلية. وهذا يقتضي الابتعاد عن أمرين: أولهما تحليل طبقي متعسف، يميل إلى تصور ثنائي للبنية الاجتماعية وينسب دوراً خلاصياً للطبقة العاملة الصناعية، وثانيهما تصور يهمل القيمة العامة لوقائع الطبقات والتمييز الاجتماعي. رأيي المبنى على خبرة حية أكثر مما على الخضوع لسلطات مرجعية متعالية على التجربة أن وقائع الطبقة والثروة والموقع في هياكل التحكم بالسلطة والثورة تلعب دوراً كبيراً في مجتمعنا السوري.

في الختام، لا بد من وقفة على أوضاع اللاجئين السوريين، وموقع قضيتهم الإنسانية من السياسة السورية.

أظن أن قضية اللاجئين السوريين من كبريات القضايا الإنسانية اليوم، ولا معنى للحل السياسي، وللسياسة ذاتها، دون إعطاء الأولوية لوضع 4.1 ملايين لاجئ، وأكثر من سبعة ملايين نازح داخلي. رأيي أنه يجب إعادة بناء السياسة ومفهومها بحيث تتمركز حول قضايا من هذا النوع، لا حول الدول واجتماعات رؤسائها والـHigh politics. والسياسة الثورية في سورية هي التي تشغل قضايا اللاجئين والمفقودين والمعتقلين فيها. وإسقاط النظام من لوازم هذه السياسة ليس فقط لأنه السبب في لجوء أكثر اللاجئين وفقدان أكثر المفقودين واعتقال أكثر المعتقلين، ولا فقط لأنه لا يمكن معالجة هذه القضايا الكبرى مع بقائه، ولكن لأن مفهومه للسياسة يقوم على تهميش هذه القضايا لمصلحة مجردات وطنية وقومية كاذبة، مضمونها الحقيقي التأبيد في السلطة وقتل المحكومين.

بفعل تجاربنا خلال السنوات الأربع الماضية، نحن السوريين في موقع يتيح لنا النقد الجذري للعالم، والعمل مع شركاء لنا من أجل عالم جديد أكثر عدالة وحرية، لا مكان فيه لأمثال بشار الأسد، ولا لأمثال بوتين والولي الفقيه وتابعه حسن نصر الله، ولا لأمثال أوباما الذي "قاد من الخلف" المحنة السورية المستمرة.

وأرجو أننا سائرون على هذا الدرب.

سامر مختار

صحافي سوري مقيم في مصر.

كلمات مفتاحية
الثورة السورية

التعليقات

المقال التالي