جهاديو داعش والنصرة يطاردون الساحرات

جهاديو داعش والنصرة يطاردون الساحرات

لا يكاد يمر أسبوع إلا ونقرأ عن قيام تنظيم داعش أو جبهة النصرة في سوريا بتطبيق الحد الشرعي الإسلامي في المناطق التي يسيطران عليها. فمن رجم زانية، إلى رمي مثليين جنسياً من بناء شاهق، إلى إعدام أشخاص بالرصاص... وكل هذا العنف يُمارس في الساحات العامة على مرأى من حشود كبيرة من المشاهدين لاستعراضات القوة والنفوذ.

اللافت أنَ المناطق التي يحكمها التنظيمان، تعدّ من المناطق شديدة المحافظة من الناحيتين الاجتماعية والدينية، مما لا يستدعي بطبيعة الحال انتشار مظاهر "كفر" تستوجب عقوبات من النوع الذي تنقله الكاميرات من هناك. فحتى في بلد كالمملكة العربية السعودية مثلاً، حيث القصاص بتطبيق الحدود الشرعية، لم نشهد مثل هذه المظاهر، كما لم نقرأ في كتب التراث عن هذه الأعداد الهائلة من الإعدامات اليومية خلال فترة الحكم الإسلامي.

لذلك، فإن الأمر يثير الشكوك حول حقيقة ما يجري في تلك المناطق. فهل هو  مجرد تطبيق لحدود شرع الله كما يدّعي التنظيمان؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ خصوصاً أنه لا يبدو أن هناك أسساً واضحة للمحاكمات التي تسبق تنفيذ الحدود الشرعية، فضلاً عن غياب المعايير التي تحدد أهلية منفذي الأحكام، فلا يُعرف مثلاً عن هؤلاء أي تحصيل علمي أو دراسة للشريعة، بل هم ممن أرخى لحيته مع أسلمة الثورة، وبعضهم كان قبلها بعثياً أو من أصحاب السوابق.

تبدو وقائع  "تطبيق الحدود" مشهديات تُستعرض خلالها الإمكانات الترهيبية للتنظيمين في حيّز مكاني ذي رمزية كبيرة في وجدان الثورة، أي الساحات العامة التي كانت في العام الأول للثورة حاضنة للتظاهرات السلمية، والكرنفالات الراقصة، واللافتات الذكية الساخرة، وقد استحالت اليوم إلى مكان يقف فيه حشد مستلب من المتفرجين على رجال ملثمين وملتحين يقتلون ويصلبون ويبترون أعضاء الناس العزّل.

وتترافق هذه المشهديات مع قيام عناصر التنظيمين باستهداف الأضرحة المنتشرة في مناطق سيطرتهما، وأبرزها في الفترة الأخيرة تحطيم ضريح الإمام النووي في نوى ـ درعا، وضريح الإمام محمد النبهان في مسجد الكلتاوية في حلب. وهذه خطوات باتجاه تحطيم هيبة الإسلام الصوفي في سوريا، وتجريده من رموزه، مع ما يتبع ذلك من تكريس للسلفية الجهادية ممثّلاً وحيداً للإسلام السياسي في سوريا. هذا التجرؤ على الإسلام الصوفي الذي كان تاريخياً مهيمناً على الساحة الإسلامية في سوريا، يعززه امتلاك هذه التنظيمات السلاح وتماهيها مع شبكات دعم وتمويل خليجية تعتبر الإسلام الصوفي عدواً قديماً لها.

وإذا كانت داعش قد سبقت جبهة النصرة في هذا السلوك، فإن الأخيرة تلحق بها بخطى حثيثة. ويبدو أن لسلوك النصرة المستجد وظيفتين: الأولى، هي الرغبة في التوازن مع داعش وعدم السماح لها بالمزايدة بصفتها دولة الخلافة الحلم، التي تطبق الشريعة بصرامة ولا تخشى بالله لومة لائم، وهو توازن سيحد من تسرب عناصر الجبهة إلى داعش. والثانية، هي إرهاب المجتمع المحلي والسيطرة عليه بالرعب، وهي وظيفة ميليشياوية تظهر مع تضخم قوة تنظيم معيّن ورغبته في السيطرة المنفردة على منطقة ما.

تاريخياً، سبق للكنيسة الكاثوليكية بين عامي 1450 و1700، أن قامت بما عرف يومذاك بـ"مطاردة الساحرات"، وهي عملية أسفرت، من دون محاكمات، عن إعدام عشرات الآلاف من السيدات اللواتي كنّ يمارسن الطب الشعبي أو لهن أدوار مجتمعية لا تنظر إليها الكنيسة بعين الرضا. وكانت ذريعتها حينذاك ممارسة النسوة السحر والشعوذة. كما كان التعذيب والحرق من الوسائل المعتمدة ضدهن. ولم توفر هذه الوحشية الأطفال، بل امتدّت إلى حدّ قتل عائلات بأكملها. وإذ كانت هذه المطاردات والإعدامات قد أدت إلى ترهيب المجتمع الريفي في أوروبا وتعزيز قوة الكنيسة وسيطرتها فقد بقيت وصمة عار في تاريخ من قام بها.

صحيح أن داعش لا تلقي بالاً لوصمة عار أو ما شابه، لكن تنفير المجتمع بهذه الصورة ستكون له على المدى البعيد ارتدادات سلبية تتجاوز مكاسبها الحالية. فغالبية تجاوزات داعش في مناطق سيطرتها في حلب وريفها، كانت من أسباب هزيمتها السريعة على يد تحالف الكتائب الإسلامية مع مجاميع من الجيش الحر، قبل أن تلتقط أنفاسها في معركة الرقة وترسم حدوداً للسيطرة بينها وبينهم. ولا يبدو هذا السيناريو بعيداً عما قد يجري للنصرة في وقت لاحق.

الصورة من أ ف ب

كلمات مفتاحية
داعش سوريا

التعليقات

المقال التالي