التعبير عن الرأي على الإنترنت مخاطرة

التعبير عن الرأي على الإنترنت مخاطرة

عبر شبكة الإنترنت، وجد المواطن العربي فرصة لكسر بعض قيود السلطات على حريته. أتيحت له إمكانية التعبير عن طموحاته وآرائه ومعتقداته، وراح يساهم في النقد السياسي والاجتماعي ويحشد ويروج لآرائه ويتحوّل إلى شخص فاعل في معركة الانتقال الديمقراطي في وطنه. ولكن هذه الفسحة تسبب له الكثير من المخاطر.

مقارعة الأنظمة القمعية التي تنغص حلم شعوبها بالحرية والديمقراطية والثورة على العادات الاجتماعية البالية لا تخلو من أخطار جمة يتعرّض لها من يخوض غمار مثل تلك التجربة في الدول العربية. وتختلف مراحل الخطورة بين بلد وآخر، وتبدأ بانتهاك خصوصية المواطن والتجسس عليه ومراقبته وتصل أحياناً إلى حدّ فقدانه حياته.

اعلان


القضايا المحرّمة

تقبع في سجون الأنظمة العربية مجموعة من المواطنين العاديين والكتّاب والصحافيين والناشطين الحقوقيين، وذلك بسبب تعبيرهم عن اَرائهم، وكسرهم تابوهات. علماً أن المحظورات ليست هي نفسها في جميع هذه البلدان.

في أحاديث لرصيف22، أكّد لرصيف22 وليد السقاف، الباحث اليمني في مجال الإعلام والاتصالات ودراسات الصحافة والإعلام الجديد، أن "حالة حقوق الإنسان في الوطن العربي على شبكة الإنترنت تعاني الأمرّين. وقد أسيء استخدام بعض القوانين السيبرانية، المفترض أن تكون متعلقة بالجرائم الألكترونية، لفرض المزيد من القيود على الآراء المخالفة للحكومات".

وقال المدوّن وخبير الإعلام الاجتماعي المصري محمد الجوهري: "في مصر، المشكلة حالياً هي أن المجتمع والنظام السياسي محافظان، وهناك مزايدة على الإخوان المسلمين بالمزيد من تكميم الأفواه باسم ازدراء الأديان‎ أو ازدراء الجيش". وأضاف: "الحال مشابه في الدول العربية الأخرى بدرجات متفاوتة. ففي المغرب تُقيّد الحريات بذريعة الإرهاب، وفي تونس باِسم الجيش أو الإرهاب أيضاً".

وفي الأردن، رأت الناشطة في مجال حقوق الإنسان، ربى لبريم "أن أخطر التابوهات التي قد تسبب المضايقة للشخص، هي الكتابة عن الحرية الجنسية والهوية الجنسية، إضافة للتصريح بالإلحاد".

وفي الجزائر، لفت الصحافي والناشط عبدو سمار إلى أن "المحرمات تكمن في الحديث عن الجنس ونقد الدين والتاريخ الرسمي المكتوب من قبل النظام".

وفي السعودية يتعرض المواطنون والناشطون على الإنترنت لشتى أنواع الترهيب والقمع، خاصة مَن يقع في المحظور وينتقد المؤسسة الدينية أو يطالب بالإصلاح السياسي. وتعد قضية الناشط الحقوقي رائف بدوي إحدى أهم علامات القمع في السعودية، فقد حكم عليه بالسجن عشر سنوات والجلد ألف مرة بتهمة إنشاء موقع لليبراليين السعوديين على الإنترنت وانتقاد بعض رجال الدين وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا تزال السعودية المدافعة عن حقوق المرأة، سعاد الشمري، محتجزة لنشرها تغريدات تنتقد فيها نظام الوصاية الذي يلغي شخصية المرأة ويجعلها تحت سطوة ولي أمرها في أهم جوانب حياتها.

وفي تونس يُحاكم المدوّن ياسين العياري، أمام محكمة عسكرية، بتهمة "المس بكرامة الجيش وإهانة قادة عسكريين". وفي موريتانيا حكم على الكاتب محمد الشيخ بالإعدام بتهمة الإساءة إلى النبيّ محمد. ويواجه الناشط الحقوقي البحريني نبيل رجب خطر السجن مدة ست سنوات بسبب تغريدة على تويتر اعتُبرت مهينة لوزارتي الدفاع والداخلية.

وفي ليبيا، قُتل المدوّن توفيق بن سعود بسبب كتاباته على شبكات التواصل الاجتماعي، فقد قامت مجموعة من المسلحين بوضع حد لحياته وهو عائد إلى بيته في مدينة بنغازي. وكان بن سعود قد تلقّى، قبل مقتله، تهديدات من جماعة "مجلس شورى ثوار بنغازي"، وفق ما ذكرت منظمة "مراسلون بلا حدود".

وتسببت تغريدة على تويتر بسجن مواطن في الكويت مدة طويلة، لأنها اعتبرت مسيئة للذات الأميرية. وآخر ضحايا تلك التهمة في الكويت، الناشط المعارض صقر الحشاش. وكان الحشاش قد انتقد الحكومة بعد تعديل قانون الانتخابات سنة 2012. كما عوقب الناشط الإماراتي أسامة النجار بالسجن ثلاث سنوات وبغرامة قدرها 136 ألف دولار أمريكي بعد نشره تغريدة موضوعها تعذيب والده المعتقل بسبب مطالبته بالإصلاح.

وتعرّض الصحافي المغربي علي أنوزلا لشتى أنوع المضايقات بعد نشره، على موقع "لكم" الذي يحرره، شريطاً لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وهذا ما أدى إلى توجيه تهم متعلقة بالإرهاب إليه، وإلى حجب موقع "لكم" بنسختيه العربية والإنجليزية.

انتهاك الخصوصيات

لا تقتصر معاناة المواطن العربي على معاقبته جنائياً حين يعبر عن رأيه بشكل علني على الإنترنت. فبعض الأنظمة العربية تستبيح خصوصية مواطنيها، وتتجسس عليهم وتراقب محادثاتهم، وتحاول بسط سيطرتها على الشبكة والتحكم بالمعلومات التي يصل إليها المستخدمون وحجب كل ما يخالف هواها. كذلك تقوم بعض الأنظمة بقرصنة حسابات النشطاء والمدونين وإطلاق حملات تشويهية في حقهم.

وقال خبير الأمان الرقمي والناشط الحقوقي بهاء نصر لرصيف 22: "معظم الدول العربية لديها سلطة مباشرة أو غير مباشرة على شركات الاتصالات ومزودي خدمة الإنترنت، وهذا ما يمكنها من مراقبة جميع أنواع الاتصالات بسهولة. والعديد من الدول تمتلك تجهيزات خاصة بمراقبة الاتصالات والإنترنت. وهناك دول متقدمة على الأخرى في موضوع الرقابة، تستخدم طرقاً متطورة للمراقبة مثل برامج Finfisher". وأضاف بهاء: "حتى يومنا هذا لا تزال معظم الدول العربية تفتقر إلى قوانين تنظم شؤون الاتصالات. حتى أن ثمة دولاً تطبق القوانين المختصة بالمطبوعات على الأمور المتعلقة بالإنترنت، ففي الأردن مثلاَ طلبت الحكومة من أصحاب المدوّنات تسجيل مدوناتهم لديها والاستحصال على تراخيص".

قوانين بالية

تطرح الحالة الحقوقية في العالم العربي تساؤلات حول ملائمة القوانين العربية لمواثيق حقوق الإنسان العالمية. في أحاديث لرصيف22، قالت الصحافية والباحثة التونسية عفاف عبروقي: "مشكلة القوانين في العالم العربي هي أنها غير متلائمة أصلاً مع حقوق الإنسان بغض النظر عن الوسيلة. وأخيراً لجأت بعض الدول مثل السعودية وقطر إلى سنّ قوانين لمكافحة الجرائم السيبرانية، لكننا لاحظنا أن هذه القوانين هي ذريعة لقمع حرية التعبير وللحدّ من الوصول إلى المعلومات". وأضافت: "لا أحد ينكر حاجة الدول إلى قوانين لمكافحة الجرائم السيبرانية، ولكن على هذه القوانين أن تراعي حقوق الإنسان وألا تستخدم حجة للقمع".

وأكدت الباحثة الأردنية ريم المصري أن "تعديلات قانون المطبوعات والنشر الأردني لعام ٢٠١٢ تنتهك حق المستخدمين في الوصول إلى المعلومات. وهو حق ضمنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وقّعته الأردن. إذ يُطلب من كل موقع إلكتروني يرغب في نشر "أخبار وتحليلات" عن الأردن أخذ إذن رسمي، أو ما يسمّى تصريح بالنشر، تحت طائلة حجبه بقرار إداري لا يخضع لرقابة قضائية. وهذا لا ينتهك حق الناشر في التعبير فحسب، ولكن أيضاً حق المستخدم في الوصول إلى المعلومة. كذلك يحاسب هذا القانون رئيس التحرير ومالك الموقع على التعليقات التي تُنشر على مقالات موقعه، فيضعهما أمام مسؤولية قضائية عما نشره غيرهما، وهذا ما يدفعهما إلى ممارسة المزيد من الرقابة الذاتية".

بدوره، رأى حيدر حمزوز، منسق الشبكة العراقية للإعلام المجتمعي، "أنسم" أن "القوانين الخاصة بالرقابة على الإنترنت في العالم العربي لا تشجع على استخدام هذه التكنولوجيا الحديثة. فهي تضع في المواد القانونية مصطلحات مطاطة يخضع تفسيرها لمزاج المؤسسات الحكومية، وهذا ما يدل على عدم متابعة ما وصلت إليه الدول المتقدمة في تشجيع المواطنين على استخدام الإنترنت وعلى التعبير بحرية عن آرائهم عبرها". وأضاف حمزوز أن "معظم مشترعي القوانين ليسوا على دراية كافية بالجوانب التقنية والفنية في آلية عمل الإنترنت، وتالياً يضعون قوانين رادعة دون معرفة كيف سيتم التعاطي مع الإجراءات من الناحية الفنية".

وعن الوضع في العراق، أكد حمزوز أن "العقوبات الرادعة الواردة في مسودة قانون جرائم المعلوماتية، التي سُحبت بعد حملات ضغط قامت بها "أنسم" ومنظمات دولية، وصلت إلى حد النص على السجن المؤبد وغرامات مالية تصل إلى 40 ألف دولار لمن ينتهك الآداب العامة والنظام العام دون وضع تعريف قانوني لهذين المصطلحين".

وكانت الحكومة الموريتانية حاولت في العام الماضي إمرار مشروع إطار قانوني لمجتمع المعلومات الموريتاني، لكنه قوبل بالرفض من قبل المدوّنين والصحافيين والجسم الحقوقي. انتقد الرافضون انتهاكه حرية التعبير، كونه ينص على عقوبات قاسية تصل إلى السجن فترات زمنية طويلة، ويسمح بالتجسس على المواطنين ويجعل مزوّدي خدمة الإنترنت تحت رحمة الحكومة. ولم يطرح القانون على البرلمان بسبب الضجة التي أثارها، ولكن لم تعلن الحكومة نيتها إلغاءه بشكل نهائي.

الصورة من أ ف ب

أحمد ولد جدو

مدون وناشط موريتاني مساهم في منصات عربية أخرى، مهتم بالكتابة عن السياسة والحريات في موريتانيا والعالم العربي.

كلمات مفتاحية
الـ22

التعليقات

المقال التالي