داعش خارج كوباني: هل سيُصاب الأكراد بالغرور؟

داعش خارج كوباني: هل سيُصاب الأكراد بالغرور؟

بعد أكثر من أربعة أشهر من القتال الشرس، طُرد تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة كوباني (عين العرب). حتى اللحظة، لا تزال عمليات تمشيط المنطقة وتطهيرها أمنياً جارية. ولكن تُطرح أسئلة كثيرة لعلّ أهمها: هل سيُصاب الأكراد بالغرور بعد نصرٍ ما كانوا ليحققوه وحدهم.

وكانت المعركة الشرسة قد أدّت إلى تدمير مدينة عين العرب بقذائف التنظيم، وبنيران المدافعين، وبضربات التحالف الدولي الجوية ذات القوة الفتاكة الهائلة. وقد بدأ النازحون الأكراد والعرب بالعودة إلى مدينتهم، وهذا ما ينهي مأساتهم.

اعلان


قال أبو جوان، أحد النازحين عن كوباني، لرصيف22: "أتوقع أن أنقل خيمتي معي. فلا أظنّ أن بيتي لا يزال قائماً". وحتى البيوت التي لم تدمر لم تعد صالحة للسكن، وتحتاج إلى مبالغ ضخمة لإصلاحها.

كذلك بدأت عودة أهالي المقاتلين وبعض الشباب للقيام بعمليات التنظيف والترميم. وأكّد أحد الناشطين في كوباني لرصيف 22: "عاد أكثر من ألف شاب إلى كوباني كي يقوموا بعمليات التنظيف وبعض الإصلاحات الممكنة. عاد أهالي المقاتلين ليطمئنوا على أبنائهم، وهذه العودة هي بداية للعودة الكاملة لأبناء كوباني بعد طرد عناصر التنظيم منها".

لا تتمدّد

نجحت وحدات حماية الشعب الكردية وحلفاؤها في تحطيم أسطورة "باقية وتتمدّد" التي سوّق لها تنظيم داعش. فبعد أنْ وعد التنظيم مؤيديه بأنّ تحرير "عين الإسلام" (الاسم الذي يطلقه على كوباني) مسألة أيام، تراجع خطباؤه وبدؤوا يقرّون بأن المعركة طويلة، وبأنه يجب الالتفات إلى توسع التنظيم شرقاً وغرباً وعدم التركيز فقط على معركة كوباني.

تحررت المدينة الكردية بعد خسائر كبيرة تكبّدها الطرفان ولا سيما داعش. وقال أوجلان عيسو، نائب رئيس هيئة الأركان في كوباني، لرصيف22: "صباح الإثنين تحررت مدينة كوباني واستولينا على عدد من الآليات والمدرعات والدبابات وكميات ضخمة من الذخيرة". وأكّد عيسو أن الترتيبات لإعادة الحياة إلى المدينة بالحد الأدنى بدأت، وتابع: "مَن يسيّر شؤون المدينة الآن هم أفراد من لجنة خدمات الشعب وهم مدنيون. أما قوات حماية الشعب والقوى العسكرية فهي مستمرة في عمليات التحرير. وتم تحرير قرى عدة منها ماميت وترمك في الجهة الجنوبية من كوباني".

هزيمة داعش

ستترك معركة كوباني آثاراً سلبية على تنظيم داعش وعلى عناصره ولا سيما الجدد منهم. فقد خسر التنظيم عدداً كبيراً من القادة الميدانيين والاستشهاديين في هذه المعركة من دون أن يستطيع حسم الصراع لمصلحته.

وأكّد القيادي في الجيش الحر أبو أحمد، من ريف حلب: "تبددت الهالة التي رُسمت حول التنظيم والتي تقول باستحالة هزيمته. فالتنظيم خسر عدداً كبيراً من القادة العسكريين، وهذا ما دفعه أخيراً إلى الزج بالفتيان  الذين اغتروا بتقدم التنظيم وبتقديماته".

ولوحظ إنكار داعش للهزيمة برغم أنّ خسائره البشرية كانت مؤلمة جداً. وفي ظل غياب أرقام واضحة ودقيقة، يؤكد مقربون من التنظيم أن عدد قتلاه تجاوز الألف. ويدلل عدم اعترافه بخسائره على المأزق الذي يعيشه.

وكانت ردة فعل التنظيم، كالعادة بعد كل انكسار يتعرض له، بزيادة الإعدامات في ساحات المدن الخاضعة لسيطرته. فقد أعدم في مدينة منبج في ريف حلب ستة شباب بالتزامن مع انسحابه من كوباني. وكذلك نفذ إعدامات في الرقة ودير الزور والشدادي لكي يستعيد هيبته المهتزة.

وقال المدرس أبو أحمد من مدينة منبج: "تنظيم الدولة أسلوبه معروف. وقد نفّذ عمليات إعدام في ست دوّارات في المدينة، وقد قام بفعل مشابه قبيل ضربات التحالف كي يرعب الناس ويبقيهم تحت قبضته الحديدية".

وكانت معركة كوباني، ولم تزل، تستنزف قوات التنظيم وقوات الحماية الشعبية. ولن تنتهي الاشتباكات بتحرير المدينة، فداعش تحتفظ بسيطرتها على ريفها الكبير. وقال الناشط أبو محمد، من ريف حلب الشرقي: "لقد أقُحم التنظيم في معركة عين العرب لإضعافه واستنزاف قوته. وهذا دليل على اختراقه. فما هي الإستراتيجية التي تدفع تنظيماً إلى الدخول في معركة يُقتل فيها خيرة قادته وعدد كبير من عناصره أكثر مما قُتل في معاركه السابقة مجتمعة؟".

تطورات قد تحصل

تُنبئ طبيعة القوى المشاركة في تحرير المدينة بتطورات كبيرة قد تحصل على الأرض. فالانتصار تحقق من دون الاستعانة بقوات النظام السوري. وفي هذا رسالة تفيد بأنه يمكن دحر تنظيم الدولة من دون مشاركة الرئيس السوري بشار الأسد.

وقال أوجلان عيسو: "هناك مشاركة فعلية من كتائب شمس الشمال وثوار الرقة. أما القوات التابعة للعقيد عبد الجبار العكيدي فوجودها رمزي وعدد عناصرها لا يذكر. وعناصر البيشمركة كانت مشاركتهم فعالة من خلال السلاح الذي قدموه لنا، بالإضافة إلى اشتراكهم في عمليات التحرير".

لذلك، يُتوقع أن تشكّل القوى المحررة لكوباني نواة لتحالف صلب ضد التنظيم. وقد أكد أكثر من مصدر أنّ قوات شمس الشمال لعبت دوراً فعالاً في التحرير، ولا سيما أنّها شاركت في السيطرة على آخر تلة إستراتيجية في المدينة. وكانت قوات ثوار الرقة تنتشر في الجهة الغربية للمدينة وكتائب شمس الشمال في الجهة الشرقية، وقد حررت الأخيرة قرى عدة في الجهة الشرقية.

وقال أبو عادل، القيادي في كتائب شمس الشمال: "نحن  مشاركون في المعارك من بدايتها وقدم الجيش الحر أكثر من 25 شهيداً منذ بداية المعارك في ريف عين العرب. وشاركنا في تحرير المدينة وحررنا أربع قرى في الجهة الشرقية للمدينة منها حلنج وكيكان. وهناك اشتباكات في قرية شيران".

وماذا عن سير المعركة حالياً؟  أجاب أبو عادل: "قوات داعش منهارة تماماً. فبعد سقوط خطها الدفاعي الأول أصبحت صفوفها مبعثرة. ونحن نحقق انتصارات يومية عليها، واستولينا على تسع دبابات منها ثلاث صالحة للعمل، وستكون الأيام المقبلة حافلة بالانتصارات". ولن تقف القوات التي حررت عين العرب على حدود المدينة، فهم مضطرون للتوسع نحو الريف حتى يستطيعوا حماية نصرهم.

لا ينكر عاقل أنّ التنظيم كان قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على كوباني، وأن ضربات التحالف ومؤازرة البيشمركة وقوات الثوار للقوات الكردية شكلت عاملاً حاسماً في قلب الموازين. ولولا موافقة الأتراك على دخول مقاتلين أكراد عراقيين إلى المدينة لكان الصراع طال. هذه المعطيات لا تقلل من أهمية استبسال المقاتلين الأكراد السوريين.

لكن يُخشى من اغترار بعض الأكراد بالنصر الذي لم يكن ليحصل لولا مساعدة الآخرين، وسعيهم إلى إنشاء إقليم غرب كردستان، وهذا ما سيؤدي إلى زيادة الشرخ بين مكونات المجتمع السوري. وقال أبو ناصر، المقاتل في صفوف الجيش الحر: "نأمل أن يكون ما حصل في عين العرب منطلقاً لوحدة الصف بين جميع المكونات لا سبباً للانقسام والتناحر".

الصورة من أ ف ب

التعليقات

المقال التالي