هل يستمر اتحاد عرب الـ48 في انتخابات الكنيست؟

هل يستمر اتحاد عرب الـ48 في انتخابات الكنيست؟

الوحدة "المشتهاة" بين الأحزاب العربية في الداخل الفلسطيني، والتي تأخرت سنوات، أصبحت واقعاً. والسبب: قرار الكنيست الإسرائيلي، نتيجة ضغوط مارستها قوى اليمين، رفع نسبة الحسم للدخول إلى البرلمان. أراد اليمين إقصاء العرب فأتى قراره بنتيجة عكسية.

العرب والكنيست

في العام 1988، ظهر "الحزب العربي الديموقراطي" أول حزب عربي صرف يُسمح بتشكيله داخل أراضي 48 الفلسطينية، واستطاع أن يحصد مقعداً واحداً في انتخابات الكنيست الإسرائيلي. هذا الواقع المستجد آنذاك، أتى بعد حذر طويل طبع تعامل فلسطينيي الداخل مع إسرائيل، وفتح المجال أمام الأحزاب العربية التي تشكلت مطلع التسعينيات من القرن الماضي لدخول معترك السياسة من بوابة الكنيست.

قبل ذلك، وتحديداً منذ العام 1958، اقتصرت مشاركة العرب في الانتخابات الإسرائيلية على دور "المرجّح" لفوز حزب إسرائيلي على آخر، ونجح الجانب الإسرائيلي في استخدامهم غطاءً تجميلياً يوحي من خلاله بديمقراطية تغلف سياساته العنصرية.

طبع التباين الحاد في الخطاب بين الأحزاب العربية التي تتبنى توجهات يسارية وبين أحزاب أخرى بدا اهتمامها بالدين الإسلامي ملحوظاً، الخريطة السياسية لعرب 48، وانعكس خلافاً على طريقة التعامل مع الملفات الداخلية المتنوعة، وتحديداً العلاقة مع الاحتلال والمواقف من سياساته.

وقد بقيت الخلافات المستفحلة بين الأحزاب العربية عائقاً أمام خوضها انتخابات الكنيست بقائمة موحدة، برغم دعوات شعبية متكررة لوقف استنزاف الطاقات السياسية والتنظيمية الهائلة قبل كل انتخابات والعمل على توحيد الصف لمواجهة سياسات التهميش والتقييد التي تنتهجها إسرائيل بحق الأحزاب العربية في الكنيست.

الوحدة "المشتهاة"

تأخرت الوحدة سنوات ولم تتحقق إلا مطلع السنة الجارية. وكان قرار الكنيست رفع نسبة الحسم، أي نسبة الأصوات التي يجب نيلها لدخول الكنيست، عاملاً دافعاً إلى الوحدة. فقرار رفع النسبة من 2% إلى 3.5% في الانتخابات المزمع حصولها في 17 مارس المقبل، حثّ الأحزاب العربية على الاتحاد لـ"تحقيق أكبر قوة برلمانية قادرة على إلقاء أكبر وزن سياسي في الكنيست ليكون قسط الجماهير المكافحة في محاصرة اليمين المتطرف، والسعي إلى استبعاده عن الحكم"، بحسب البيان الذي نُشر في احتفال إعلان القائمة العربية الموحدة.

وهكذا اتفقت أربعة أحزاب عربية، هي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (الحزب الشيوعي عمودها الفقري)، والتجمع الوطني الديمقراطي الذي أسسه النائب السابق عزمي بشارة عام 1995، والحركة الإسلامية (الجناح الجنوبي)، والحركة العربية للتغيير التي يترأسها النائب أحمد الطيبي منذ عام 1996، على تشكيل قائمة موحدة برئاسة مرشح الجبهة المُحامي أيمن عودة. ضمّت القائمة 15 اسماً، سيضمن القانون فوز الـ 10 الأولى منها، واختيرت على نحو يراعي المحاصصات الطائفية والجندرية.

أسباب كثيرة حضّت فلسطينيي 48، أحزاباً وناخبين، على الاحتفال. فقد توحّد مسلمون ومسيحيون ويهودي ودرزي وبدوي وثلاث نساء، من مختلف المشارب، و"هذا بحد ذاته إنجاز للفلسطينيين"، بحسب ما قال لرصيف22 رئيس "الحركة العربية للتغيير" أحمد الطيبي، وهو الرابع على القائمة الموحدة. الطيبي عكس أملاً كبيراً بالقائمة فـ"الجانب التقني لتشكيل القائمة حصل، والتنسيق سيتعزز بالنضال لتحصيل حقوق العرب المدنية والقومية".

سبب آخر دفع الأحزاب الفلسطينية للفرح بالوحدة هو أنها استطاعت "إخافة اليمين المتطرف الذي يحاول إخراج العرب من المعادلة"، بحسب الطيبي. والمقصود هنا رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان الذي أعلن تحضيره لتقديم التماس أمام لجنة الانتخاب الإسرائيلية للمطالبة بشطب القائمة الموحدة. حجته كما نقلتها الصحف العبرية أن "الأحزاب العربية كشفت علناً اليوم أنه لا يهم إن كان الفلسطيني شيوعياً أو إسلامياً أو جهادياً، ففي نهاية المطاف لهم هدف واحد هو إنهاء وتدمير الدولة اليهودية وهذا ما يوحدهم".

وتأكيداً لنجاحها، تداولت القائمة صوراً لليبرمان "حزيناً خائفاً" نشرتها الصحف. واعتبر سعود الغنايم، القيادي في الحركة الإسلامية، أن الذهاب للانتخابات بقوة هو "صفعة لليبرمان"، بينما قال أحمد الطيبي إن "إسرائيل بيتنا يمر بعاصفة فساد كبيرة" مستبعداً أن يجتاز ليبرمان نفسه نسبة الحسم.

توقع تحقيق إنجاز

أسباب فرح الناخبين العرب واضحة. تاريخ التهميش الطويل، ومحاولات التقييد المستمرة، وإيغال اليمين في تطرفه، هذه كلها جعلت الشعور بالوحدة يعيد لهم بعضاً من الآمال في تحصيل حقوقهم المدنية والسياسية وحمايتهم من نزعة يمينية تهدّدهم. وهو فرح أتت استطلاعات الرأي التي بثتها القناة الثانية الإسرائيلية لتبرّره، فقد تحدثت القناة عن تقدّم معسكر يسار الوسط بقيادة إسحاق هرتسوغ عن حزب "العمل" وتسيبي ليفني عن "هتنوعا" بثلاثة مقاعد على الليكود اليميني بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

"مركز يافا للأبحاث" استطلع حال الشارع العربي في الداخل، وتوقع مديره عاص الأطرش أن تنعكس حماسة الناخبين العرب للوحدة ارتفاعاً في نسبة التصويت تصل إلى 66% أي بزيادة 10% عن الانتخابات السابقة. وهكذا تضمن الأحزاب العربية زيادة عدد مقاعدها من 12 من أصل 120 في الكنيست حالياً إلى 13 وفي أحسن الأحوال عبور القائمة بأكلمها، أي بـ15 مقعداً.

التحديات الصعبة

فهل يُكتب لهذه الوحدة النجاح في ظل الأجواء الإيجابية التي أشاعتها؟ وأيّ إنجاز يمكن أن يتحقق؟ في الظاهر تدرك الأحزاب العربية التحديات المحدقة بعملها، فقد عبّر النائب اليهودي الشيوعي الوحيد في القائمة دوف حنين عن وعي القائمة احتمال استغلال اليمين في إسرائيل للوحدة في سبيل تخويف الشارع وحصد مكاسب انتخابية. واعترفت النائبة حنين الزعبي بـ"تحديات" تواجه "الإنجاز الفلسطيني"، وهذا ما يتطلب توحيد الجهود لمكافحة مشروع تهويد الدولة.

لكن التوغل في حيثيات الانتخابات الإسرائيلية، المحلية والدولية، ومراجعة التجربة العربية المقيّدة داخل الكنيست تشي بأن الأمر يتطلب أكثر من شعارات رنانة او اعتراف خجول بالتحديات التي تلازمها. وعليه، ثمة جملة أسباب تُبقي احتمال انفراط القائمة قائماً، أو أقله افتقارها للقدرة على التغيير.

فالأحزاب توحدت (ولم تندمج) في ظروف باهتة، فرضتها زيادة نسبة الحسم فحسب. وفوق ذلك تأخرت بشكل اعتبره البعض مهيناً بسبب صراعات على المقاعد داخل كل حزب وبين الأحزاب المختلفة. أما الأهم فهو أنها اجتمعت على قاعدة المصلحة الموقّتة (ترتيب المقاعد) وظلت تفتقر إلى مضمون سياسي يتجسد في خريطة طريق واضحة.

ويصف بعض المراقبين الوحدة بـ"الفقاعة" التي قد تنفجر في أية لحظة، إذ تعوزها خطة عمل جدية تواجه حملة نتنياهو التي تركز على تغيير آليات الانتخاب بشكل جذري والاستمرار في رفع نسبة الحسم.

أكثر من ذلك، منذ العام 1948 لم تُمنح الأحزاب الفلسطينية داخل أراضي 48 أيةّ أوزان سياسية تُذكر، وبقيت خارج الائتلافات الحكومية. وبحسب "معهد الزيتونة للدراسات"، قدّم أعضاء الكنيست العرب منذ العام 2009 قرابة ألف اقتراح قانون لم يتجاوز سوى 23 منها المرحلة التمهيدية. وهذا واقع ينبغي مواجهته بخريطة عمل موحدة تتخطى اختصار فكرة الإنجاز بالتجمع ضمن قائمة.

كذلك ساهمت المواقف الخجولة للأحزاب خلال العدوان على غزة واتهامها بـ"النضال الاستعراضي أمام الكاميرا"، إضافة إلى التسريبات عن تصويت جميع النواب العرب على قانون إعفاءات تتعلق بالضمان الاجتماعي للجنود الإسرائيليين، في إضعاف موقفها في الشارع العربي في الداخل. وهذا أمر ينبغي مواجهته أيضاً. وتحديداً في ظل دعوة "حركة أبناء البلد" ذات الماضي العريق في مكافحة الاحتلال والحركة الإسلامية "جناح رائد صلاح"، إلى مقاطعة انتخابات الكنيست الإسرائيلي.

يُضاف إلى ذلك، احتمال ألا تتحقق فرضية الإقبال الكثيف على التصويت، وأن تنعكس الوحدة تراجعاً في مشاركة الناخبين العرب. فبحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية كان سبب إقبال العرب على التصويت في الدورات الماضية، التنافسية التي كانت قائمة بين أحزابهم وحملات التجييش للناخبين.

وثمة سؤال إضافي يُطارد القائمة. كيف ستواجه هذه الأحزاب احتمال شطب مرشّحين أو حتى القائمة نفسها؟ وفق البند أ من المادة السابعة من قانون أساس الكنيست "سيُحظر على قائمة مرشحين المشاركة في الانتخابات للكنيست وسيُمنَع شخص من ترشيح نفسه، إذا ما كانت أهداف القائمة أو أفعالها أو أهداف أو أفعال الشخص، حسب الظروف، علناً أو ضمناً تنطوي على أحد العناصر التالية: إنكار قيام دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية؛ التحريض على العنصرية؛ دعم الكفاح المسلّح الذي تقوم به دولة عدو أو منظمة إرهابية". هذا القانون يهدد بشكل أساسي ترشيح النائبة حنين الزعبي التي اتهمتها مُعدة "مشروع الشطب"، عضو الكنيست فاينا كرشنباوم، بأنها "لا تمثل عرب إسرائيل بل تمثل حماس والحركة الإسلامية".

أما الأكثر إلحاحاً أمام الأحزاب العربية فربما يكون مراجعة التجربة الماضية والإجابة عن سؤال: ما الجدوى المرتجاة من الدخول إلى الكنيست؟ فالتجربة أثبتت ضعف حيلة الطرف العربي في المعادلة، إذ لا يمكن للكنيست أن يكون ساحة نضال للأحزاب العربية بل مجرّد غطاء يروّج لديموقراطية إسرائيل. ولكن هذا الرأي يصطدم برأي آخر يؤمن بإمكان مقاومة التشريعات والقوانين والممارسات العنصرية تحت قبة البرلمان.

الصورة من أ ف ب

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي