اليمن اقترب من الإنهيار

اليمن اقترب من الإنهيار

يعيش اليمنيون حالة من الترقب والقلق بعد دخول بلدهم مرحلة "فراغ دستوري" عقب استقالة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة مساء الخميس الفائت. وتزايد هذا القلق مع عودة المحتجين إلى الساحات في بضع محافظات يمنية وفي العاصمة صنعاء، في وقت أعلنت أقاليم عدن وحضرموت وسبأ وتهامة والجند، رفضها تلقي أيّة أوامر أو قرارات تصدر من صنعاء احتجاجاً على ما أسموه "انقلاب الحوثيين" على شرعية الرئيس الانتقالي.

سلطة بلا رأس

وكان الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي قد قدّم استقالته لمجلس النواب بعد دقائق من تقديم حكومة الكفاءات برئاسة خالد بحاح استقالتها احتجاجاً على "انحراف العملية السياسية" وذلك على خلفية اقتحام مسلحي جماعة الحوثي للقصر الرئاسي ومحاصرة رئيسَيْ الجمهورية والحكومة في محل إقامتهما في صنعاء، للضغط عليهما، بقوة السلاح، من أجل تنفيذ بعض مطالبهم.

وقبل الاستقالة التي وصفت بـ"المفاجئة والصادمة"، دعا هادي مستشاريه ومنهم ممثل جماعة "أنصار الله" الحوثية للقائه في منزله، وعرض عليهم استقالته التي قال فيها إن "اليمن وصلت لطريق مسدود"، مبيناً تعنت جماعة الحوثي ورفضها تنفيذ اتفاقات سابقة واصرارها على تقديم اشتراطات جديدة وصفت بأنها "تعجيزية".

ووصف مراقبون محليون استقالة هادي بـ"الإجراء الطبيعي والسليم رغم أنها صادمة وتعقد الأزمة اليمنية أكثر". فقد وجد الرئيس الشرعي نفسه في موقف مذلٍ حين وصل مسلحو جماعة الحوثي إلى بوابة غرفة نومه وتمركزوا في أهم مواقع مؤسسة الرئاسة بالتواطؤ والتنسيق مع بعض قيادات "ألوية الحماية الرئاسية"، طبقاً للمراقبين.

الحوثي في مواجهة المجتمع

في حديث لرصيف22، اعتبر الصحافي شادي ياسين أنه "بقدر ما هي محزنة ومقلقة، كانت استقالة هادي خطوة طبيعية وضرورية لكي يضع جماعة الحوثي في مواجهة صريحة مع الشعب الذي بات الآن يشعر بالغبن إزاء الإذلال الذي تعرض له رأس الهرم"، وأضاف أن "الجميع باتوا يدركون اليوم جيداً أن جماعة الحوثي لا تريد أن تساهم في بناء البلد وإنما في هدمه فقط".

ولفت ياسين إلى أن الجماعة "بعد كل اتفاق مع الأطراف السياسية الأخرى لا تلتزم بتنفيذ الاشتراطات وتبحث دوماً عن ذريعة جديدة للوصول إلى أهدافها المبهمة، خصوصاً أنها وجدت أمامها الطريق سهلاً للتمدد والسيطرة، ولم تصطدم بمواجهة عسكرية حقيقية منذ دخولها صنعاء وانتشارها في بقية المحافظات أواخر سبتمبر الفائت".

وبدأت الأزمة اليمنية الأخيرة مع اختطاف مسلحي جماعة الحوثي مدير مكتب الرئيس الدكتور أحمد عوض بن مبارك بينما كان ذاهباً لحضور اجتماع يناقش المسودة الأخيرة للدستور. وكان "أنصار الله" قد اعترضوا مسبقاً على عدد الأقاليم في اليمن الإتحادي، كما حددها الدستور وكما اقترحته لجنة مختصة ممثلة من كل المكونات السياسية، وفقاً لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني.

وأعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عن اختطاف بن مبارك الذي لا يزال مختفياً حتى اللحظة، ووصفت تصرّفها بأنه "كان خطوة ضرورية للحيلولة دون الانقلاب على اتفاق "السلم والشراكة" فضلاً عن الحيلولة دون تنفيذ أجندات خارجية تريد تقسيم اليمن وتفكيكه".

القادم مجهول

وتفاقمت أزمة اليمن المركبة مع إرجاء جلسة طارئة لمجلس النواب كان مقرراً عقدها، أمس الأحد، لتقرير مصير استقالة الرئيس هادي التي يجب أن يبت فيها البرلمان. بينما أعلن الحزب الاشتراكي اليمني والتجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون) والحزب الناصري اليمني، وهي من أهم أحزاب تكتل "اللقاء المشترك" الذي أطاح حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح عام 2011، تعليق حوارها مع جماعة الحوثي بسبب تعنتها ورفضها الإفراج عن المعتقلين والمحتجزين والمسؤولين السياسيين المحاصرين.

وأدانت أحزاب "اللقاء المشترك" في بيانات منفصلة قمع جماعة الحوثي لتظاهرة سلمية أمام جامعة صنعاء أمس الأحد وضرب واعتقال المتظاهرين السلميين داعيةً قواعدها إلى الانضمام للتظاهرات السلمية ضد مليشيات جماعة الحوثي.

وكانت جلسة مجلس النواب قد تأجلت لأسباب أمنية بعد اقتحام جماعة الحوثي للبرلمان، ومحاصرة بعض قيادات الدولة، ولأسباب سياسية على رأسها انتظار نتائج المشاروات بين مكونات سياسية بارزة، برعاية المبعوث الدولي جمال بن عمر، في محاولة لإقناع جماعة الحوثي بإطلاق سراح بن مبارك وفك حصارها للقيادات المدنية والأمنية، فضلاً عن السعي لثني هادي والحكومة عن الاستقالة. إلا أن مصادر خاصة تؤكد أن الاستقالات لا رجعة عنها ما دامت الظروف لم تتغيّر بشكل جذري.

وينص الدستور اليمني على أنه في حال تصويت مجلس النواب ضد استقالة الرئيس، عليه أن يواصل مهماته مدة لا تتجاوز 90 يوماً تتم خلالها الدعوة إلى انتخابات مبكرة. ويعتقد متخصصون أن هذا الأمر ينظم مسار انتقال السلطة في الوضع الاعتيادي لكن في حال يكون البلد يعيش ظروفاً عصيبة قد تحول دون إجراء انتخابات، فإن باب المستقبل سيُفتح على احتمالات خطيرة.

الحوثيون يرفضون إقصاءهم

في المقابل، قال الكاتب والصحافي المقرب من جماعة "أنصار الله" الحوثية، الحسن الجلال، لرصيف22 أن "المكونات السياسية اليمنية ظلت تمارس الإقصاء بحق الجماعة على مدى سنوات وكانت تريد الآن الالتفاف على بنود اتفاق "السلم والشراكة" الذي وقعته الأطراف كافة برعاية دولية، وكانت تسعى لاعتماد مسودة دستور لم يتفق على نقاطها كل اليمنيين".

وأوضح الجلال أنه ضد العنف الذي تعرض له المحتجون السلميون أمس، لكن، في رأيه، "لدى اللجان الثورية التابعة للجماعة رؤيتها الخاصة في محاصرة منازل من ترى أنهم يحاولون الالتفاف على مطالبها المشروعة"، وأضاف: "لولا قوة الحوثي على الأرض لما كانت التفتت إليه القوى السياسية اليمنية".

واحتشد في الأيام الثلاثة الماضية مئات الشباب المستقلين في محافظات صنعاء وعدن وإب والحديدة وتعز ونظموا تظاهرات حاشدة رفضاً لما وصفوه بـ"الانقلاب". ورُفعت في بعض التظاهرات شعارات تزيد من تعميق الفجوة المناطقية والطائفية بين اليمنيين، في إشارة إلى أن ما قامت به جماعة "أنصار الله" التي تنتمي إلى المذهب الزيدي الشيعي قد يدفع أبناء المحافظات ذات الأغلبية السنية إلى قطع التعامل معها.

وقال الناشط المدني وليد عقلان لرصيف22: "كانت جماعة الحوثي تسعى إلى الاعتراض على مسودة الدستور المتعلقة بتقسيم اليمن إلى أقاليم، لكنها، بعد ما حدث، ساهمت في ترجمة هذا التقسيم على أرض الواقع" ذاكراً أن هناك تظاهرات في محافظات تعز وإب، وهي تتبع إقليم الجند وسط اليمن، رفع المشاركون فيها شعارات من قبيل "لا تعايش مع الزيود".

وتوقع عقلان أنه إذا ما واصلت جماعة الحوثي تعنتها فإن الأيام المقبلة ستشهد مواجهات مسلحة سواء في محافظة مأرب أو البيضاء التي تضم قبائل مسلحة سنية كثيرة، أو بين المحتجين السلميين ومسلحي الجماعة، و"هذا يعقّد الأزمة أكثر، وسيكون المستفيد الأول من كل ما يحدث هو الرئيس السابق صالح ونظامه المدني والعسكري والقبلي".

نبرة الانفصال ترتفع

ميدانياً أيضاً، لكن في الجنوب الذي يتحدّر الرئيس هادي ووزير الدفاع ورئيس جهاز الأمن القومي وعدد كبير من المسؤولين من محافظاته، فقد عمدت اللجان الأمنية في عدن إلى إغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية وأعلنت قطع علاقتها بصنعاء وما يصدر منها من قرارات. يأتي ذلك في وقت يواصل أنصار الحراك الجنوبي اعتصامهم في ساحة العروض في منطقة "خورمكسر" في محافظة عدن منذ 14 أكتوبر الماضي، ويصعّدون تحركاتهم الاحتجاجية السلمية من مسيرات وعصيان مدني لتحقيق هدفهم الكبير المتمثل باستقلال جنوب اليمن.

وزادت حدة نبرة الانفصال عن الشمال لدى أبناء الجنوب مع محاصرة المسلحين الحوثيين لمنزل الرئيس ومنازل قيادات جنوبية بينهم وزير الدفاع. ودعا القيادي في "رابطة أبناء الجنوب العربي الحر"، عبدالله الشرفي إلى فك الحصار عن القيادات الجنوبية في صنعاء، محملاً الحوثيين مسؤولية سلامة كل جنوبي يرضخ تحت الإقامة الجبرية بصنعاء.

وأكد الشرفي لرصيف22 أن ما حدث في صنعاء ليس له علاقة بنضال أبناء الجنوب، وأنهم ماضون في النضال بالوسائل السلمية حتى تحقيق هدف التحرير والاستقلال وبناء دولتهم الجنوبية الإتحادية. واعترف الشرفي أن بعض الفصائل الجنوبية لا تريد الاستقلال وتؤيد قيادات تتعاون مع صنعاء، لكنه أكّد أنها باتت الآن أقرب إلى خطاب الاستقلال أكثر من أي وقت مضى.

الصورة من أ ف ب

كلمات مفتاحية
الحوثيون اليمن

التعليقات

المقال التالي