الأطفال الجهاديّون في الأردن

الأطفال الجهاديّون في الأردن

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بخبر إشهار الطفل كاسترو مازن هلال إسلامه. وهذا ما أقلق أسرته وأدخل إليها خوفاً من احتمال أن يكون ابنها قد اعتنق الفكر السلفي الجهادي. فبرغم الغياب التام لأي إحصاء موثوق به لعدد الأطفال المنتمين إلى التيار السلفي الجهادي الأردني، إلا أن متخصصين بدأوا يدقّون ناقوس الخطر بسبب تنامي قدرة الحركات المتشددة على استقطابهم واستغلالهم لتنفيذ أجندتها.

اهتمام الرأي العام الكبير بقصة إسلام كاسترو تعود إلى صغر سنه. لكن ما يقلق عائلة الطفل المتحدرة من مدينة إربد شمال المملكة هو اعتناق ابنها نهج السلفية الجهادية. تغيّب كاسترو عن منزله منذ حوالى أسبوعين، بعد أن انقطع ثلاثة أشهر عن الدراسة. كان قد تعرف على مجموعة سلفية من الشباب الذين يكبرونه بنحو عشرة أعوام، فأغراه فكرهم، هو الذي يعيش وأسرته في حالة فقر مدقع.

اعلان


تقول العائلة أن ابنها أمضى فترة غيابه في حماية أحد الشيوخ السلفيين في مدينة معان جنوب الأردن، وأنها برغم تبليغها الأجهزة الأمنية عن تغيّبه وعن مكان إقامته، لم تتمكّن هذه الأجهزة من استعادته. حالياً، تعيش العائلة حالة قلق وتوتر مرتفعين وأشدّ ما تخشاه هو سماع خبر عن انخراط طفلها في الحرب السورية.

قلق من استقطاب الأطفال

في فبراير 2013، أعلن القيادي البارز في التيار السلفي الأردني محمد شبلي (أبو سياف) مقتل شاب أردني يدعى فهد ثائر (17 عاماً) في مواجهات مع قوات النظام السوري في دمشق. لم يكن فهد، اليافع الأردني الوحيد الذي لقي حتفه في سوريا. فبعد أربعة أشهر، قُتل طالب الثانوية العامة محمد سمير محمود الذي كان قد توجّه إلى سوريا للقتال مع تنظيم جبهة النصرة.

لا يزال العدد الإجمالي للأطفال الأردنيين المنخرطين في الصراع في سوريا والعراق غير معلوم. مصادر التيار السلفي تحاول التخفيف من وطأة هذا الأمر فتقول أن أعدادهم ضئيلة جداً ولا تتجاوز أصابع اليدين، بحسب تصريح سابق لأبو سياف. وإلى جانب استقطاب الأطفال الأردنيين، برزت مشكلة أكثر تعقيداً في مخيم الزعتري للاجئين السوريين، إذ أكدت أكثر من دراسة قيام جماعات متطرفة بتجنيد أطفال سوريين وإعادتهم إلى سوريا للمشاركة في القتال.

يتحدث تقرير أصدرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة، "يونيسيف"، بعنوان "الحياة المحطمة"، في يونيو  2013، عن قيام  "مجموعات مسلحة قادمة من سوريا بتجنيد أطفال من المخيم (الزعتري)"، ويؤكد أن "أطفالاً يقيمون الآن في الزعتري كانوا متورطين مع المجموعات المسلحة التي تقاتل في سوريا"، لافتاً إلى أن "بعض الأطفال الذكور يعودون إلى سوريا بعد استخدام مخيم الزعتري كمأوى مؤقت لتلقي العلاج". وأشارت المنظمة  إلى أنّ "بعض اللاجئين ومقدمي الخدمات يعتقدون أن هؤلاء الصبية يعودون إلى سوريا للقتال بمحض إرادتهم".

من جهتها، تنبّهت الحكومة الأردنية إلى هذه المشكلة، فاتخذت إجراءات للتعامل مع الأطفال السوريين المقيمين في مخيم الزعتري والراغبين في العودة بمفردهم إلى بلادهم، وذلك بهدف خفض عددهم. وتشترط الإجراءات الرسمية أن يَمثلوا، بحضور الوالدين، أمام مدير المخيم، وهو مسؤول من وزارة الداخلية، من أجل شرح أسباب المغادرة والحصول على الموافقة.

لقيَ هذا الإجراء ترحيباً من المنظمات الحقوقية. ففي تقرير صادر في يونيو الماضي حول تجنيد الأطفال السوريين في الصراع الدائر في بلادهم، تحت عنوان "قد نعيش وقد نموت"،  أكدت منظمة هيومان رايتس ووتش أن "هذه الإجراءات قلّلت كثيراً من عدد الأطفال العائدين وحدهم إلى سوريا، بمن فيهم من عادوا للقتال".

خطر على الأردن

عدا تشجيع الأطفال على التوجه للقتال في دول الجوار، ظهر الإرهاب لأول مرة في تاريخ الأردن ضمن قائمة التهم الموجهة للأحداث. فمن أصل 1800 طفل ألقي القبض عليهم عام 2014، هنالك 22 حدثاً متهمون بالإرهاب واثنان آخران متهمان بالاتجار بالسلاح، وفقاً لإحصاءات وزارة التنمية الاجتماعية، الجهة المشرفة على دور رعاية وتربية الأحداث في الأردن.

وأكد مصدر في الوزارة طلب عدم الافصاح عن اسمه لرصيف22 أن "ثلاثة أحداث من بين هؤلاء يحملون الجنسية السورية فيما الباقون أردنيون"، وأن "ثلاثة من الأحداث المعتقلين ألقي القبض عليهم لقتلهم رجلي أمن، أحدهما في مدينة معان في الجنوب والآخر في مدينة إربد في الشمال". أما تهم الآخرين فتتضمن "التسلل عبر الحدود بطريقة غير شرعية والمشاركة في تجمعات غير مشروعة".

وحول الانتماءات الفكرية لهؤلاء الأحداث، يقول المصدر نفسه: "في دور الرعاية، نتعامل معهم باعتبارهم أطفالاً خارجين عن القانون وليس كأفراد ذوي توجّهات فكرية. وفي الواقع، الغالبية العظمى منهم تمّ التغرير بهم أو ارتكبوا جرائمهم بالاشتراك مع بالغين بدون أن يعوا حقيقة أفعالهم".

ويستبعد القيادي في التيار السلفي الدكتور منيف سمارة أن يكون أيٌّ من الأطفال الموقوفين على ارتباط مباشر مع التنظيمات الجهادية، ويقول لرصيف22: "هؤلاء مجرّد متعاطفين مع التيارات الجهادية، ولكنهم ليسوا منتمين إليها بشكل منظّم". ويعزو توقيف أطفال بجرائم تتعلّق بالإرهاب، إلى قانون منع الإرهاب الجديد الذي أقرّته الأردن العام الماضي والذي، بموجبه، بات من الممكن توقيف أي شخص بتهمة الإرهاب لمجرد التعبير عن رأيه.

كيفية استقطاب الأطفال

ويقول مدير مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية، أستاذ علم الاجتماع الدكتور موسى شتيوي، لرصيف22 إن "استقطاب التنظيمات الجهادية المتطرفة للأطفال ليس بالأمر الخفي. فتلك التنظيمات تجاهر بتجنيد الأطفال في صفوفها"، مستشهداً بفيديوهات أطلقها تنظيم الدولة الإسلامية وتُظهر أطفالاً مقاتلين.

وفي شأن آلية استقطاب هؤلاء الأطفال، يوضح شتيوي أنّ "تلك الجماعات لا تروّج نفسها للعامة، إنما في أماكن محددة كالمدارس الدينية التابعة لها أو مراكز تحفيظ القرآن أو المساجد التي يترددون إليها"، ويتابع: "غالباً ما يكون الأطفال المنتمون إلى السلفية الجهادية من أسر منضمّة إلى التيار نفسه. وبالتالي، يتمّ بث أفكارها وإيدلوجيتها في الأطفال في سن مبكرة".

ينطبق توصيف شتيوي أعلاه مع حالة الطفل فهد ثائر (17 عاماً) الذي قتل خلال مشاركته في الحرب السورية. يتحدر ثائر من منطقة رصيفة الواقعة في محافظة الزرقاء، أحد معاقل الحركة السلفية الجهادية. وكانت تلك المنطقة قد شهدت على مدار العامين الماضيين مسيرات تأييد لتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، فضلاً عن حملات اعتقال عدّة قامت بها الأجهزة الأمنية.

ويتفق الصحافي المتخصّص في شؤون الجماعات الإسلامية موفق كمال على ما أشار إليه شتيوي، ويقول إنّ فكر الأسرة الديني ونهجها يعتبران العامل الرئيسي في وصول هذا الفكر المتطرف إلى الأحداث لأنهم يعيشون في بيئة أسرية تفرض عليهم سلوكيات سلفية، وربما يتأثر بذلك أيضاً محيط الأسرة كالجيران والأصدقاء والأقارب.

ويضيف كمال أن "منظري التيارات الجهادية الموجودة في المساجد غالباً ما تستهدف اليافعين لإقناعهم باعتناق الفكر الجهادي وربما يتمّ استخدامهم في العمليات القتالية لاحقاً". ويؤكد أن "التيار السلفي الجهادي لا يعتبر فئة اليافعين دون السن القانونية. فهو يتعامل وفق الشريعة الإسلامية التي تعتبر أنّ البلوغ يبدأ "بالاحتلام" ومن ثم فإن تجنيد الأحداث لنشر الدعوة جائز ما داموا قادرين على حمل السلاح".

وتمنع اتفاقية روما مشاركة أي طفل (عمره أقل من 18 سنة) في النزاعات المسلحة وتعتبر استخدام الأطفال كجنود، جريمة تستوجب الملاحقة الجزائية وانتهاكاً جليّاً لحقوق الطفل بحسب البروتكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل المتعلق بالنزاعات المسلّحة.

وبرغم أنّ غالبية المقاتلين الذين يتوجهون إلى دول الجوار للمشاركة في الصراع ينتمون أساساً إلى أسر سلفية، بحسب كمال، فإنّ لتلك القاعدة استثناءاتها.

حيدر (اسم مستعار) هو مثال على اليافع الذي استقطبته التيارات السلفية، برغم أن أسرته لا تعتنق هذا الفكر. تقول والدته: "منذ بلوغه المرحلة الاعدادية عُرف عن ابني تديّنه. كان يقيم كل الصلوات في المسجد بما فيها صلاة الفجر وكنت ووالده سعيدين بتدينّه وحسن خلقه".

لم يمضِ شهر على إنهاء حيدر لدراسته الثانوية والتحاقه بالجامعة حتى فوجئت أسرته بتوجهه إلى سوريا للقتال مع أحد التنظيمات المتشددة. تروي والدته أنه "تغيّب عن المنزل مدة أسبوع وبعدها اتّصل بنا من تركيا قائلاً إنّه سيتوجه إلى القتال في سوريا". حاولت الأسرة جاهدة إعادته إلى الأردن، ولكن بعد سأمه من ضغوط أهله، قطع اتصاله بهم، ليصلهم بعد أشهر نبأ مقتله في مواجهات هناك.

تقول الأم المفجوعة: "حيدر ابني البكر. لم أتخيّل يوماً أنّه من معتنقي الفكر الجهادي. بعد فترة من وفاة ابني، وصلني خبر توجّه أقرب أصدقائه إلى سوريا للقتال. تبيّن لي لاحقاً أن صديقه من معتنقي التيار السلفي وهو من دفعه إلى سلوك هذا الطريق".

يقول شتيوي إنه "من الصعب حصر عدد الأطفال المنتمين إلى التيار السلفي الجهادي في الأردن. على الأرجح، إن أعدادهم ليست كبيرة. لكن ضآلة العدد لا تقلّل من خطر المشكلة"، ويتابع: "الدولة متنبّهة لخطر التيار السلفي الجهادي وتحاول تضييق الخناق عليه وتحث على تقديم قراءة دينية بديلة معتدلة. ولكن، لا أعتقد أنّ هنالك إستراتيجية خاصة لحماية الأطفال من الانضمام إلى هذا التيار".

الصورة من أ ف ب

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

التعليقات

المقال التالي