التيار الثالث في مصر: قصة رافضي الإخوان والعسكر

التيار الثالث في مصر: قصة رافضي الإخوان والعسكر

منذ بدايات الثورة المصرية، برز "التيار الثالث"، وهو اسم يجمع أطيافاً واسعة من الشباب والناشطين والقادة السياسيين الذين يرفضون "أسلمة" المجتمع على يد الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى، كما يرفضون "عسكرة" الدولة على يد جنرالات الجيش والسياسيين القدامى.

يرى البعض أن التيار الثالث يتشكل في أغلبيته من الشباب المنفتحين ثقافياً والطامحين إلى تغيير سياسي حقيقي، وأنه نموذج مختلف عن الكيانات السياسية التقليدية التي كانت تمثل دور المعارض ولكنها في الحقيقة تعطي شرعية للاستبداد العسكري.

بدأت بذور ما يسمى الآن "التيار الثالث" منذ أن خرجت حركات شبابية عن السياق السياسي الذي صنعه أنور السادات في سبعينيات القرن المنصرم، حين كانت الحياة السياسية تختصر في بضعة أحزاب "كرتونية" لا تجرؤ على معارضة السلطة بشكل فعال. قبل سقوط الرئيس الأسبق حسني مبارك، أدخلت حركات كـ6 إبريل وجماعة دعم البرادعي رئيساً للجمهورية والجمعية الوطنية للتغيير حركة على الحياة السياسية التي لطالما تميّزت بالركود.

التيار الثالث والثورة

بعد نجاح ثورة 25 يناير تطلع المصريون إلى وجوه مختلفة، وكيانات سياسية جديدة، وآراء مختلفة. كان الشعب ينظر إلى مشعلي الثورة كأبطال محررين. وتصدّر المشهد كتّاب ومحللون سياسيون مثل حمدي قنديل وبلال فضل وعمر طاهر، وشخصيات سياسية مثل علاء عبد الفتاح وعمرو حمزاوي وعبد المنعم أبو الفتوح المنشق عن الإخوان، ومحمد البرادعي مؤسس حزب الدستور. ولكن قلة من هذه الوجوه نجحت في الوصول إلى البرلمان في أول انتخابات بعد الثورة.

وطوال الفترة الممتدة من سقوط مبارك في 18 فبراير 2011 حتى انتخاب الرئيس الأسبق محمد مرسي في 30 يوليو 2012، نظم التيار الثالث تظاهرات طالبت بتسليم المجلس العسكري السلطة للمدنيين. حينذاك، كان الإخوان والسلفيون المتعاونون مع القيادات العسكرية يوجهون انتقادات لاذعة للمتظاهرين.

في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الأولى بعد الثورة تشتت أصوات التيار الثالث بين عبد المنعم أبو الفتوح المنشق عن الإخوان، والناشط الحقوقي خالد علي، والسياسي الناصري حمدين صباحي. وفي الجولة الثانية صوّتوا للمرشح محمد مرسي مفضلين إيّاه على المرشح أحمد شفيق الذي رأوا فيه عودةً إلى النظام القديم. فشاع وصفهم بـ"عاصري الليمون"، وهو تعبير يدلّ على اختيار المضطر إلى القيام بأمر لا يتقبله. ولكنهم لم يتخذوا هذا الخيار إلا بعدما روّج الإخوان لنغمة تصالحية مع الحركات الشبابية مطالبين إيّاها بالوقوف معهم ضد الفلول.

وبعد فشل الإخوان وتخليهم عن وعودهم، واحتكارهم السلطة، ثار "التيار الثالث" عليهم، وشاركت مكوناته في التظاهرات التي أدت إلى إسقاط مرسي والإخوان. وكان الرئيس الحالي ووزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي قد حرص على استرضائهم في 3 يوليو، فجلس محمد البرادعي بجوار ممثلَيْ الكنيسة والأزهر والسلفيين الإسلاميين. ولكن، قبل فضّ اعتصام رابعة العدوية، خرج البرادعي من التحالف الجديد في حين شارك عدد من ممثلي الشباب في التركيبة الجديدة كزياد بهاء الدين الذي عيّن مستشاراً لرئيس الوزراء.

التيار الثالث في زمن السيسي

حين عارض التيار الثالث ارتباط المنظومة الجديدة بالعسكر، عانى من تهجمات وسائل الإعلام التي اعتبرته مهادناً للإخوان، واتهمت ناشطيه بأنهم من أنصار "حقوق الإنسان" العملاء لأمريكا والغرب.

في هذه المرحلة، كان الاعتراض على قانون تقييد التظاهر عنوان الخلاف بين الثالثين وبين السلطة الجديدة. فبينما أيدت الأحزاب القديمة التقليدية القانون، عارضته أحزاب جديدة تمثل "التيار الثالث" مثل حزب مصر القوية بقيادة عبد المنعم أبو الفتوح، والتيار الشعبي بقيادة حمدين صباحي، وحزب الدستور الليبرالي الذي أسسه محمد البرادعي وتقوده حالياً بثينة كامل، وحركات شبابية أبرزها 6 إبريل، والاشتراكيون الثوريون. معظم هذه الحركات تعارض النظام بوصفه نظاماً عسكرياً فاشياً، باستثناء صباحي الذي يؤدي دور المعارض الإصلاحي.

التيار الثالث في مصر .. قصة رافضي الإخوان والعسكر

وجهت السلطة ضربات متتالية للتيار الثالث. بدأت محاولات تشويه صورة وجوهه الإعلامية وقادته بسيل التسريبات المتعلقة بهم والتي تولى نشرها عبد الرحيم علي، رئيس تحرير موقع وصحيفة البوابة نيوز، في برنامج "الصندوق الأسود". تضمنت التسريبات مكالمات هاتفية خاصة بالدكتور البرادعي، وهو من أبرز الوجوه التي تحظى بقبول لدى طيف واسع من الشباب، وبأسماء محفوظ وأحمد ماهر مؤسسَيْ حركة 6 إبريل وغيرهم، وكان الهدف منها الإيحاء بأنهم عملاء لدول خارجية.

وتغاضى الإعلام المصري عن حقيقة وجود علاقة بين السيسي والأجهزة الأمنية وبين شباب ثورة يناير. وفي خروج عن السرب، أبرز الإعلامي محمود سعد صورة نشرتها "المصري اليوم" أبرز الصحف المملوكة للقطاع الخاص، يظهر فيها الرئيس الحالي مع أسماء محفوظ وأحمد ماهر، وطرح التساؤل التالي: لماذا دعم السيسي أو الجهاز الذي يمثله هؤلاء الشباب سابقاً بينما تُشن عليهم حملات إعلامية ويتعرضون لملاحقات قضائية الآن؟

من جهة أخرى، وفي إطار حرب التسريبات، أثارت إحدى التسريبات الجدل حول دور الحكومة المصرية في وقف برنامج "البرنامج" لباسم يوسف الذي يُعدّ صوتاً ممثلاً للتيار الثالث.

وآخر التهجمات على شباب التيار الثالث، كان قرار النائب العام بمصادرة أموال وممتلكات 112 شخصية سياسية، معظمهم ينتمون إلى الإخوان المسلمين، ولكنها شملت قيادات شابة من وجوه ثورة 25 يناير مثل المرشح الرئاسي السابق خالد علي وهو معروف بمعارضته الشديدة للنظام الحالي، وعمرو علي منسق حركة 6 إبريل، وخالد السيد القيادي في جبهة طريق الثورة، وهيثم محمدين عضو المكتب السياسي لحركة الاشتراكيين الثوريين.

وجوه التيار الثالث الفنية

برز فنانون وكتّاب استخدموا إبداعهم للتعبير عن أنفسهم. ظهر حمزة نمرة بأغانيه التي تتميز بالحس الاجتماعي والسياسي، والتي قوبلت بهجوم إعلامي شديد، فاُتّهم بالعمل لمصلحة طابور خامس، وموالاة الإخوان. اشتهر نمرة بأغنيته "واقولك إيه" التي انتقد فيها حالة العداء بين الإسلاميين والمدنيين، داعياً إلى التسامح ونبذ الانتقام، فكان أن حظرت الإذاعة المصرية بث أغانيه.

أما المغني الذي برز في ميدان التحرير رامي عصامي، وأطلق أغاني سياسية تسخر من الدولة الأمنية والعسكرية، كأغنية "طاطي راسك"، و"ما حناش من دول" التي تعلن بشكل صريح الرفض للإخوان والفلول والعسكر، فقد تعرض لمضايقات كثيرة. وبعد غنائه حوالى 50 أغنية حققت نسبة مُشاهَدة عالية على "يوتيوب"، ترك مصر عقب الإطاحة بمرسي وهو الآن يتنقل بين دول غربية عدة.

 

كذلك، ظهرت أفكار التيار الثالث في كثير من أفلام السينما المستقلة، وأغاني فرق "الأندر جراوند" فبثت روحاً مختلفة عما يسوّقه الإعلام والسينما التجارية. وبرزت انتقادات بعض الوجوه الفنية للرئيس الحالي على لسان شخصيات فنية كالممثل خالد أبو النجا، والمغني محمد عطية.

وجوه التيار الثالث الإعلامية

على المستوى الإعلامي علت، بعد الإطاحة بالرئيس مرسي، الأصوات التي تهاجم بشراسة الإخوان ومناصريهم، وغاب طرح قضايا الحريات. وتبارت الأقلام في كتابة خطب كراهية الإخوان وتبرير كل الانتهاكات التي تمارس ضد المعارضة إسلامية كانت أم علمانية بحجة التهديدات الإرهابية.

في ظل هذه الأجواء برزت مواقع تبنّت مواقف مختلفة اعتبرها كثير من نشطاء ثورة يناير مجسدة لروحهم، مثل "بوابة يناير" الذي تميز بتغطية إخبارية تركز على قضايا الفساد وانتهاكات حقوق المواطنين، وموقع "مدى مصر" الذي تميز بحسه الاجتماعي السياسي التحليلي، وموقع "البداية" لرئيس تحريره خالد البلشي، عضو مجلس نقابة الصحافيين والمعروف بمناصرته للحريات، وموقع "ساسة بوست" الذي احتضن أقلاماً شابة جريئة ونقدية علّقت على مواضيع سياسية واجتماعية وفتحت ملفات شائكة حول تجاوزات المؤسسات الأمنية وطريقة إدارة الحكومة للبلاد.

مستقبل التيار الثالث

تعرّض كثيرون من  أنصار التيار الثالث للاعتقال. وليس هنالك إحصاء دقيق للمعتقلين من غير جماعة الإخوان والإسلاميين والمناصرين لمرسي، ولكن الاعتقالات طالت بعض أبرز وجوه التيار الثالث كأحمد ماهر مؤسس حركة 6 إبريل.

الضربات المتتالية التي تلحق بهم تطرح تساؤلات حول مستقبل التيار الثالث في مصر. يرى ماهر عبد الواحد، العضو المؤسس لجبهة الشباب الليبرالي، أن هناك فرصاً لوصول شباب هذا التيار إلى البرلمان القادم.

وقال لرصيف22: "التيار الثالث يمثل أحلام الشباب والأحلام لا تموت، وأن ما يصفه الإعلام المصري بالطابور الخامس هم فئة راقية ومحترمة ولديها فكر ووطنية". وأشار إلى نقطتي ضعف في التيار الثالث. ففي رأيه لم يكن بعض الشباب الذين برزوا في ثورة يناير أهلاً للثقة، إضافة إلى أن الإعلام استغل ذلك وشوّه صورتهم.

أما هيثم الشرابي القيادي في حزب التجمع الاشتراكي الوحدوي فرأى، في حديث لرصيف22 أن التيار الثالث يفتقد "طرح خاص" ويقتصر خطابه على الرفض، كما يفتقد الرؤية الاقتصادية. ويعتبر الشرابي أن "التركيز على  قضايا الحريات لا يبني دولة"، ووصف ائتلافات النشطاء والحركات الشبابية بأنها "حالة كرنفالية وليست سياسية"، منتقداً عدم تأسيسهم تنظيماً قوياً يستطيع أن يحشد الشعب خلفه، كما فعل الإسلاميون، ويضيف: "هذا جعل التيار الثالث مجرد أداة بيد الإسلاميين أو غيرهم للوصول إلى السلطة، فالتنظيم القوي يستغل التنظيم الضعيف".

من ناحية أخرى، يتحدث وحيد عبد المجيد، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عن ضرورة وجود طريق ثالث في وقت تشتد حاجة المصريين إلى الابتعاد عن الاستقطابات السياسية. وعن مستقبل التيار الثالث يؤكد عبد المجيد أنه يرتبط بإمكانية تجاوز الناشطين والسياسيين خلافاتهم وتحقيق انسجام يؤهلهم لتقديم ممثل سياسي يمكن للشعب أن يلتف حوله.

الصورة من أ ف ب

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي